النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10846 الأربعاء 19 ديسمبر 2018 الموافق 12 ربيع الآخر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:57AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    2:30PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

العيب الاجتماعي!!

رابط مختصر
العدد 10111 الأربعاء 14 ديسمبر 2016 الموافق 15 ربيع الأول 1438

 كل المجتمعات، في دنيانا الفسيحة هذه، حريصة على استتباب أمنها الاجتماعي وتبذل الكثير لكي تحافظ عليه متماسكًا قويًا درءًا لكل ما من شأنه أن يضعف تناسجه ويسيء إلى وحدته ويعكر صفو علاقات أفراده. كما أن هذه المجتمعات عملت على الدوام على تسييج العادات والتقاليد وليدة بيئاتها بهالة من الاحترام تصل في بعض الأحيان إلى حدود التقديس. فمن أجل سلامة المجتمعات انبرت نخب اجتماعية تطوعًا تُرشد بالثواب أحيانًا وبالعقاب أحيانًا أخرى، وتدافع بالترغيب مرة وبالترهيب أيضا عن سلامة مجتمعاتها من مظاهر الفساد الأخلاقي، فلذلك درج كل مجتمع من هذه المجتمعات الإنسانية على وضع مجموعة من السلوكات التي ينتج عن الاتيان بها إضعاف للمجتمع وأدرجهتا تحت مسمى العيب. والعيب في حدوده الاجتماعية يعني الحرام الوضعي!
 وقيل إن «العيب بمثابة يد المجتمع العادلة التي تصلح الأخطاء، لتحافظ على قيم المجتمع ومعاييره الثقافية». علمًا بأن العيب في مطلق معناه نسبي، يتغير بتغير الزمان أو المكان. فما هو عيب وغير مقبول في المجتمع الخليجي على سبيل المثال قد لا يكون كذلك في المجتمعات الغربية، أو المجتمعات الشرقية. الحديث عن العيب متشعب؛ لأنه حديث في صميم الظاهرة الأخلاقية بما هي ظاهرة ثقافية متغيرة بحكم تحيزها في الزمان وارتباطها العضوي بمكان ما قد يكون من العناصر الفاعلة في توجيه القيم ومن ثم في تحديد مفاهيم العيب ومجالاته وحدوده.
 في إطار هذا المعنى وددت أن أتحدث في هذا المقال عن فعلين اجتماعيين يمكننا وصفهما بالفعلين المعيبين، استللتهما من صميم الممارسات اليومية مثالا لما نعايشه في مجتمعنا البحريني، ورأيت أن أطرحهما هنا لأشارك القراء الأفكار وتبادل الرأي؛ لأنني أتصور أن درجة العيب في اتيان مثل هذين الفعلين تصل إلى مستوى الحرام، والسكوت عن المجاهرة بإتيان مثل هذا العيب أو ذاك يشكل أحيانًا استباحة لسلامة أفراد المجتمع وأحيانًا لكرامتهم.
وعلى الرغم من بلوغ هاتين الممارساتين مستوى الفعل المحرم والمدان، وأنا في ذلك لا أصدر حكمًا، ولكنني أجتهد، مدرك بأن ليس لكل مجتهد نصيب، إلا أننا مع ذلك مازلنا سادرين في التلاهي عن لزوم إيجاد روادع اجتماعية تسهم في الحد من أن تكون هاتان الممارستان، مع غيرهما من ممارسات أو أفعال، في مستوى الظواهر الاجتماعية، وإذا ما تحول السلوك الفردي المتسبب في الإضرار بالمجتمع، إلى ظاهرة اجتماعية تعقدت معه الحلول وتعمقت المشاكل.
العيب الأول هو ذاك الذي له علاقة بسلوك فردي صار أقرب إلى الظاهرة التي يراها كل منا منتشرة عند من يسوقون سياراتهم في شوارع البحرين الداخلية والخارجية؛ إذ أن كثيرين من هؤلاء المواطنين لا يكفون عن استخدام أجهزة هواتفهم الذكية، ليس في التحدث فحسب، وإنما في التنقل، من «الواتسآب» إلى الـ«سناب شات» ومنه إلى «الانستغرام» أو غيرها مما تتيحه هذه الأجهزة، ومشاهدة الفيديوات بأريحية وكأنهم مستلقون على أسرتهم غير عابئين بما سيتسببون به لأنفسهم وللغير من أضرار محتملة. حدثني في هذا الموضوع أكثر من شخص حضروا حوادث مرورية، ويُفيدون أنهم لاحظوا أحيانا في الهاتف، أن المتسبب في الحادث لم تمهله المنية في إتمام رسالته على «الواتسآب»، أو أنه لم يكمل مشاهدة الفيديو الذي أودى بحياته.
هذا مشهد صار سائدًا لمن يطلق بصره متنقلاً من سيارة إلى أخرى في شوارع البحرين، سيعتقد أن ليس ثمة قانون يحكم هذه الظاهرة الخطيرة على حياة الناس. والحقيقة أن قوانين إدارة المرور في هذا الجانب واضحة، وهي الغرامة. لكن هل الغرامة وحدها كافية للحد من الأخطار المحتملة في أي لحظة من لحظات استخدام السائقين للشوارع هواتفهم الذكية بغباء ملحوظ؟! هل هي كافية للحد من مئات الحوادث التي تفتك بحيوات الناس أو تحيلهم إلى فئة المقعدين في المجتمع والذين سوف يمضون ما تبقى لهم من أعمار في حاجة مستمرة لمساعدة الغير؟! هل يلتفت المجتمع إلى هذا العيب الذي يمارس على نطاق واسع دون خشية، أليست كافية تلك الأحداث المرورية التي كان التلفون الذكي سببًا فيها؟ إن استخدام التلفون بشكل عام، والتلفون الذكي بشكل خاص في حالة سوق السيارات والمركبات يمثل شروعًا في تهديد سلامة الآخرين.
ما المطلوب من المجتمع إزاء استفحال هذه الظاهرة؛ حتى أصبح منظر مستخدم الهاتف الذكي وهو يقود سيارته يثير الاشمئزاز والحنق. أليس المنظر معيبا؟ إنك ترى إنسانًا لا يرى قيمة للإنسان الآخر؟ إن حملة إعلامية توعوية يتعاون فيها كل من وزارة الداخلية ووزارة الإعلام، تكون على مستوى عالٍ تشمل برامج تلفزيونية وإذاعية وملصقات وبرشورات قد تأتي بالثمار المرجوة.
السلوك الآخر والذي عنّ لي طرحه هنا هو ذاك المتصل بعلاقة الرجل بالمرأة، أيًا كانت هذه المرأة بالنسبة إلى الرجل، أمًا كانت، أو زوجة، أو زميلة، أو أختًا، أو مدبرة منزل... الخ، فإن كثيرًا من هؤلاء الذكور، ويسمون في المطلق رجالا يسيؤون التعامل مع المرأة إلى حدود التوحش. بعضهم يمارس سلطة لم يعطها له أحد، هو انتزعها انتزاعًا مستفيدًا بما يعطيه المجتمع من «حق» بصفته ذكرًا ليس إلا ليفرض بها هيمنته على كل شيء يقع في محيط البيت الذي يضمه مع أهله. للمرأة حقوق أقرتها المواثيق الدولية والبحرين طرف فيها.
هذا السلوك العنيف الذي يمارس ضد المرأة يشكل عيبًا اجتماعيًا عائقًا لتطور المجتمع، ويخلق لدى كثير من النساء حالة انكسار اجتماعي تحتاج إلى تدخل فوري من جهات متخصصة لتعيد تأهيل المرأة لممارسة أنشطتها العادية في المجتمع، كما يحتاج الرجل إلى علاج نفسي، وثقافي يسهم في خلع فكرته البالية عن المرأة.
استمعت إلى حديث مواطنة عن سلوك أحد أفرادها مع أفراد أسرتها. الحقيقة كان الحديث مؤلما حد الحزن، ولم أجد فيه إلا ما ينبه إلى ضرورة إيلاء هذه المسألة حظها من التوعية والتثقيف والردع؛ لأن في هذا السلوك الأرعن والمشين ما يناقض قيم مجتمعنا وأعرافنا وقوانيننا، ويُسيء إلى إنسانيتنا؛ ليكون عملا مجرّما بكلّ المقاييس، ففيه هدم متعمّد لكيان بشري وإذلال لا يملك الواحد منا إلا أن يلعن القائمين به ليتعاطف مع ضحاياه. لكن هل التعاطف وحده كاف للحد من هذا النزيف القيمي؟ أعتقد أن المجتمع المدني بكل تشكيلاته المهتمة بالأسرة والمرأة مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى لإيجاد حلول جذرية لمشكلة العنف الأسري؛ لأنه من الآفات المؤذنة بتهلهل نسيج العلاقات الأسرية وتفككها تفككًا لا متضرر منه إلا عموم المجتمع.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا