النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10754 الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:42PM
  • العشاء
    7:12PM

كتاب الايام

مدخل إلى مفهوم الرومانسية

رابط مختصر
العدد 10110 الثلاثاء 13 ديسمبر 2016 الموافق 14 ربيع الأول 1438

من طبائع البشر الفطرية أن لديهم ميلاً عفويًا لتكوين روابط مع بعضهم البعض من خلال التفاعلات الاجتماعية، سواء كان ذلك من خلال التواصل اللفظي أو الإيماءات غير اللفظية، من خلال لغة الكلام او لغة الإشارة. ومن منتجات هذا التواصل اللفظي - اللغوي تولدت مجموعة من المصطلحات على مر الزمان، وتوالت منتجات المصطلحات والمرادفات مع مرور الزمان، فقد ساهمت التفاعلات الاجتماعية والحياتية بمختلف أوجهها الى ولادة مصطلحات جديدة مع تعاقب الأحداث والمستجدات، ومن المصطلحات المثيرة للجدل هي كلمة «رومانسية»، كلمة ساحرة تجتذب اليها السمع بشغف لما تحمله من معانٍ لطيفة ناعمة، ومن عجائب هذه الكلمة انها الكلمة الوحيدة في فضاء لغات البشر أنها تنطق بأحرفها اللاتينية الأصلية في حميع لغات العالم، إذ ليس هناك ترجمة لغوية لها الى لغات أخرى، بل الكلمة ذاتها في جميع اللغات دون استثناء.
إذًا ما هو جذر ونبع هذه الكلمة الساحرة العابرة للقارات والكامنة في جميع قواميس اللغات والتي تتغنى بها وبأجوائها جميع شعوب العالم؟
الرومانسية هي إناء الحب والعشق والغرام وتتشكل من مزيج من الإحساس بالتعلق القوي والجذاب والممتع والعاطفي في إطار خيالي حالم جميل تجاه شخص آخر، وغالبًا ما تتجمع هذه الأحاسيس في وحدة من الجاذبية العاطفية التي تتدرج صعودًا إلى التمازج الجنسي.
وجوهر الرومانسية نابع من العلاقة بين الرجل والمرأة، وحتى تصل هذه العلاقة الى مبتغاها وذروتها من المتعة التي اقتضتها الطبيعة البيولوجية والفيسيولوجية للإنسان يتم تسلق مجموعة الأحاسيس الودية والحميمية والجاذبية المتبادلة في حالة ذهنية حالمة وخيالية خارج الواقع المعاش... وحسب بعض النظريات فإن هذه الرومانسية لا مكان لها في ما يسمى بالحب الروحاني او حب الآلهة او حب المسيح او الأنبياء وغيرهم من الرموز الدينية وغير الدينية، وكذلك ليس من الرومانسية تلك العلاقة وذاك التعلق القوي بين الأب والأبناء، بين الأصدقاء، ولا حتى علاقة الشاعر بالمحيط المكاني الذي يستلهم منه الشعر، وكذلك الامر بالنسبة للموسيقى... إن أجواء الرومانسية محصورة في العلاقة بين الرجل والمرأة والتي تتهيأ عبر مجموعة الأحاسيس الودية للوصول الى مخدع التلاقي الجنسي، وهذا رأي متزمت يكبل كيمياء الذهن والنفس مع الرومانسية، لأن الرومانسية هي حالة من حالات التحولات الكبرى في التاريخ الوجداني للإنسان، فرضتها مستجدات تاريخية في إطار قانون الارتقاء...
في سياق علاقات الحب الرومانسي، فالرومانسية تعبير عن حب قوي تجاه طرف آخر، أو رغبات عاطفية عميقة وقوية للتواصل مع شخص آخر.
تاريخيًا، فإن مصطلح «الرومانسية» تولد من المثل الأعلى للفروسية في القرون الوسطى على النحو المبين في الأدب الرومانسي الذي يعبر عن البطولة والشهامة وأمانة الفارس المتشرب بروح الفروسية النبيلة تجاه الملك والطبقة النبلاء ومجتمعه.
فما أصل الكلمة إذًا؟ وأين وكيف ترعرعت؟
حسب المراجع الانجليزية فإن كلمة رومانس تنتمي الى مرحلة اللغة الانجليزية الوسطى التي تمتد من القرن الحادي عشر الى القرن السادس عشر، أي ما قبل شيكسبير، وكانت تكتب romains، وroumance، وهي كلمة مستعارة من لغة الأنجلو-نورمان ومن الفرنسية القديمة (romanz، romans)، وهي كلمات فرنسية عامية في مقابل اللاتينية، وكل هذه المصطلحات مستقاة من اللاتينية (العصر الأوسط) والتي تعني روماني الصفة (romanicus اي روماني الصفة، ومن كلمة romanus أي المواطن الروماني)...
هذا التسلسل من الاقتباسات والتشكلات اللغوية، وأساسًا في أوروبا، هو الذي ولد كلمة romance اي الرومانسية... وأصبحت كلمة romance سائدة في جميع لغات العالم بلفظه اللاتيني الأصلي، مع بعض من الاستثناء في اللغة الإيطالية حيث أن الكلمة يعبر عنها اضافة الى الأصل اللاتيني romanticismo بـ (قصة حب storia d›amore)...
لماذا التزمت شعوب أوروبا بقية شعوب العالم وقبلت بهذه الكلمة لتصبح مصطلحًا ذات مفهوم لا صلة له بالمعنى اللاتيني؟ سؤال يستحق البحث..
وسحر الكلمة فرض نفسه على الناس، فأخذ الباحثون في اللغات وعلوم الاجتماع يمرحون بهذه الكلمة ويسبغون عليها المعاني حسب أهوائهم المنجذبة الى الكلمة، وهذه بعض من أهم المعاني لكلمة romance الرومانسية:
1- قصص الفروسية والبطولات والمغامرات وخوض غمار المجهول... والفروسية التي كانت تتحكم فيها قواعد البطولة والنزاهة واحترام والأمانة والقيم الاجتماعية، إضافة الى خدمة الملك والنبلاء وصون كرامة وسلامة زوجات النبلاء وبناتهم، ومن خلال هذه الخدمات التي كان يقدمها الفارس تنامت مع الوقت علاقات قوية وودية بين الفوارس (جمع فارس) وزوجات النبلاء، في ذاك الزمان كانت العلاقة بين الرجل والمرأة لا تتعدى إطار الاستمتاع المادي البحت بجسد المرأة خارج إطار الاسرة، بينما العِشرة الزوجية كانت محصورة من أجل الأولاد وتدبير شؤون الأسرة، والعلاقة الجنسية في الحياة الزوجية وخارج الحياة الزوجية لم تكن قد ارتقت الى مستوى علاقة الحب والود المتبادل، وتشير الدراسات السيكولوجية حول موضوع الرومانسية ان المجتمعات القديمة وحتى المجتمعات البدائية في عصرنا الحاضر، كانت العلاقة الزوجية والعلاقة بين الرجل والمرأة محصورة بالحاجة الطبيعية الفيزيولوجية والالتزام بالتقليد والقيم الاجتماعية، وأن أي نمطٍ في العلاقة الجنسية خارج التقليد الاجتماعي كان من المحرمات... وتضيف هذه الدراسات انه حتى في الزمن الحاضر فإن الرومانسية شبه مفقودة بين الزوجين، وأن الرومانسية تتواجد خارج دائرة الأسرة... فالرومانسية ارتبطت بالفروسية من هذه العلاقة الوظيفية للفارس تجاه النبلاء وزوجاتهم وبناتهم في الأساس، هذه العلاقة هي التي خلقت جنوحًا من الفارس وزوجة النبيل عن التقليد الاجتماعي السائد، وهذا الجنوح على التقليد السائد والمتسلط كان بمثابة الثورة الاجتماعية التي تشكلت معها نمط أرقى من العلاقة بين الرجل والمرأة.
2- العلاقة الحميمية بين شخصين، علاقة حب وغرام، والذي يعرف بالحب الرومانسي، الحب المتكامل الأركان من حبيبين يهيمان في بعضهما عشقًا وغرامًا وتعلقًا، وأجواء محيطة بهما من إضاءة خافتة ناعمة وموسيقى متماوجة أنغامها هادئة سلسة وإضافات أخرى من تناثر الورود وعبق العطر وكؤوس الطلا...
3- هوس قوي او تعلق شديد بشخص ما او بشيء ما، وهذه نظرة في الرومانسية توسع دائرتها إلى ما بعد الحب بين حبيبين، الى حب إنسان لشيء أو موضوع ما يكون علاقة الشخص المتعلق به أشبه بحب شاب بشابة... طابع مجازي أكثر من أن يكون رومانسيًا أصيلاً.
4- الحب المثالي الطاهر الجميل، مثل ما يسمى بالحب الأفلاطوني، ومعظم الدراسات السيكولوجية والانثروبولوجية لا تتفق على إدراج هذا النمط من الحب في دائرة الرومانسية...
5- الخصلة الرفيعة التي يكتنفها الغموض الساحر والإثارة والانجذاب الرائع، كأن يكون الإنسان الفرد بذاته يعيش مختليًا مع ذاته في أجواء من حلم اليقظة والخيال ما فوق الواقع المعاش، أجواء رومانسية الذات مع الذات، وفي اعتقادي فإن هذه الرومانسية هي مجازية الطابع اقتباسًا من رومانسية الحب الجامع والجامح بين عاشق ومعشوقة...
6- قصة او رواية عن حب مثالي، وطبعًا تكون الرواية هي البوتقة التي تتضمن قصة الحب الحقيقية بين رجل وامرأة، فتكون الرواية رومانسية الطابع، فالرواية هي انعكاس لواقع معاش، واقع الحب الرومانسي...
7- وصف منمق عن أي أمر أو شيء، أو حتى أكذوبة تحتوي شيئًا من المثالية، هذا النمط هو مجازي خارج دائرة الرومانسية كاملة الأركان او الرومانسية في صلبها وأصلها، رومانسية الكلمة بذاتها ورومانسية النغم في انسياق موسيقي حالم جميل يحمل المستمع إلى عالم الخيال، بيت شعر او جملة موسيقية أو لوحة فنية قد يكون لها وقع رومانسي حالم على الإنسان الذي يتذوق الشعر والموسيقى والفن، وهذا كذلك يتدرج في إطار رومانسية الذات للذات...
8- مغامرة او سلسلة من الفاعليات، كتلك التي ترد في الروايات الرومانسية... (مثال: كانت حياته رومانسية الطبع، رومانسية الطبع من فرط الابتعاد عن المعهود إلى أفق الانبهار والإعجاب)...
9- الذهنية الحالمة والخيالية التي لا تلتفت ولا تعير انتباها للواقع، كأن نقول: شاب غارق في الرومانسية، نفس الوصف المذكور برومانسية الذات مع الذات...
10- العصر الموسيقي المعروف بالرومانسية والذي يمتد من أواسط القرن الثامن عشر الى أواسط القرن التاسع عشر.. العصر الذي أبدع فيه بيتهوفن وتشايكوفسكي...
هذه المرحلة الموسيقية ارتقت بالتأليف الموسيقي من مهارات التأليف والعزف وابتكار أنماط موسيقية مختلفة واستخلاص أعلى وأفضل ما يمكن من مكنون النغم في الآلة الموسيقية من مرحلة الموسيقى الصرفة الكلاسيكية إلى الموسيقى التعبيرية، الموسيقى التي تعبر عن خوالج النفس بمختلف حالاتها بين طرفي الفرح والحزن، بين المتعة والألم، بين اليأس والأمل، هذه كانت المرحلة التي اتسمت بالرومانسية، وكان هذا التحول في النمط الموسيقي هو الارتقاء الأسمى لمفهوم الرومانسية، ويرجع الفضل في بعض جوانبه الى تبعات الثورة البرجوازية في فرنسا، تلك التبعات التي انتشرت في عموم أوروبا مثل رياح عاتية تغفل فعلها وتثبت أثرها.
هذه هي مجموعة من الآراء التي تعطي لكلمة romance معانيها المختلفة، ولكن هناك من الباحثين في هذا الموضوع من يرى أن الرومانسية مرتبطة أساسًا بالعلاقة الغرامية بين الرجل والمرأة التي تهدف أساسًا الى ذروة التمازج الجنسي، وفي اعتقادي ان هذا تعريف مختزل يطمس روح الكلمة، إذ أنه من الأرجح إبداعي وأدبي وفني توسيع دائرة الرومانسية إلى فضاءات المجاز والتشبيه والاقتباس...
من وجهة النظر التاريخية في سياق التطور الفكري نستطيع أن نتلمس علاقة ولادة الرومانسية بالفكر الحر وفك قيود التقليد الاجتماعي المستند على قواعد دينية صارمة، وحرية المرأة في التعبير عن مشاعرها واختيار الرجل التي تحب وتعشق، وحرية الرجل في التعبير عن مكنون نفسه تجاه المرأة التي يحبها ويعشقها بكل ما تحمله هذه النفس من حلم وخيال وإبداع لاستخلاص المتعة المشتركة بين الرجل والمرأة والتي كانت محرمة بفعل سلطة الدين، إذًا فالرومانسية في تجلياتها الجنسية بين الجنسين هي ثورة اجتماعية تحررية عظيمة ضد سلطة المفاهيم الدينية المكبلة للحريات والحقوق.
أما من الناحية السيكولوجية فإن الرومانسية هي الروح المضافة في النفس البشرية والتي ترتقي بالإنسان الى مراتب الرقي الحضاري، ومن الناحية الفلسفية فإن هذا الرقي يرفع من مكانة الإنسان في إنسانيته ووجدانيته وحبه للحياة، ويجعله يرى الوجود ملكًا مشتركًا لكل البشرية... وهكذا نستطيع أن نستشف في الرومانسية آفاقًا إنسانية واسعة تسع مناحي الحياة كلها..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا