النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10759 الأحد 23 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

إن أردتم إصلاحًا..!!

رابط مختصر
العدد 10110 الثلاثاء 13 ديسمبر 2016 الموافق 14 ربيع الأول 1438

 لنضع التفاؤل والتشاؤم جانبًا طالما الحديث عن ملف الاستثمار..
 يسرف المسؤولون المعنيون في الدول العربية بشكل عام، خاصة في ظل الظروف والأوضاع الاقتصادية والسياسية الراهنة، في إطلاق التصريحات المرحبة بالمستثمرين وتعدهم بالتسهيلات والحوافز والمنظومة المتكاملة من التشريعات والإجراءات التي تلبي تطلعاتهم، ومن أجل ذلك أُبرمت اتفاقيات ونُظمت المنتديات والمؤتمرات التي جميعها تصب باتجاه التأكيد بأن بيئة الأعمال والاستثمار في هذا البلد او ذاك آمنة ومطمئنة ومحفزة، وأن هناك المزيد من الخطوات التي تجعل هذه البلدان وجهة استثمارية تنافسية مميزة تبسط فيها الإجراءات وتذلل العقبات وتغيب فيها البيروقراطية..
كل الدول العربية تقريبًا ثبت وبالعين المجردة أنها تفعل ذلك، ويلاحظ أن هذه الدول تتباهى كثيرًا بشهادات الإطراء حتى وإن كان بسيطًا او عابرًا من أية جهة او مجلة او منظمة تشيد بأي تطور في بيئة الأعمال والاستثمار في أي منها، كل ذلك من أجل بعث رسائل اطمئنان للمستثمرين من صلابة وتناسق كل المكونات التي تتصل بواقع بيئة الأعمال والاستثمار، وجعل المستثمرين لا يشهرون او لا يشعرون بأي نوع من القلق او الامتعاض تجاه وضع العصي في الدواليب او ما لا يحصى من إعاقات وعراقيل بات أمر تذليلها المطلب الذي ينادي به الجميع بعد أن ضيعت فرصًا وفرصًا، ولم يتنازل المعرقلون عن القليل من المكاسب والحصص والعمولات من فوق وتحت الطاولة، وهو الأمر الذى دأب المسؤولون المعنيون على تأكيد التصدي له وانهم ماضون نحو البدايات الصحيحة الدالة على رغبة جادة وصادقة لإزالة العراقيل ومواجهة حمى الفساد..
في سياق كل ذلك، وجدنا عدة فعاليات تنظم في بلدان عربية عديدة، من اجتماعات وندوات ومؤتمرات ربما كان آخرها المنتدى الدولي للاستثمار الذي انعقد مؤخرًا في تونس بحضور وفود رسمية ومنظمات دولية وصناديق استثمارية ومؤسسات مالية دولية وأصحاب أعمال ومستثمرين من مختلف الدول، وقد تابعت وأنا في تونس حينها أصداء هذا المؤتمر ووقائعه ومخرجاته الأولية، ووجدت كيف تباينت الرؤى حول مشاريع وأفكار ووعود وتمنيات أصبحت مادة للتأمل والتحليل، والجدير بالتنويه أن ذلك قابله عزف البعض على أوتار الشكوك باعتبار أن التوقعات موغلة في الطموح او التمنيات التي تُبنى على سراب تمامًا كما هو الحال في مؤتمرات أخرى مماثلة عقدت هنا او هناك..!!
فيما يخص تونس - تحديدًا - والتي تواجه كما قال رئيسها الباجي قائد السبسي «أوضاعًا استثنائية وهي تحتاج دعمًا استثنائيًا من قبل شركائها ومن المؤسسات المالية الدولية بشكل وحجم يتجاوز الأطر التقليدية ويتماشى مع تطلعات التونسيين»، وهو كلام يؤكد بأن الرهان التونسي بالأساس يبدأ بالاستثمار، فهو الذي يخلق فرص عمل جديدة للتونسيين الذين أنهكت كثير منهم تداعيات البطالة والأزمات المتواترة، ولم ينسَ الرئيس التونسي أن يشدد في هذا السياق على القول إن نجاح الانتقال الديمقراطي يظل رهين توفر شروط الإقلاع الاقتصادي والرخاء الاجتماعي وتأمين الحياة اللائقة لشباب تونس، وهي أمور تمثل مجتمعة صمام الأمان الذي يرسخ السلم الاجتماعي ويثبت دعائم البناء الديمقراطي، وهو ربط ذكي ومهم التأكيد عليه على الدوام، وكان لافتًا أن تأتي مداخلات بعض الحضور لتؤكد الدعم لإنجاح التجربة الديمقراطية لتونس عبر دعمها اقتصاديًا.
المؤتمر الذي عُقد تحت عنوان «تونس 2020» وتحت شعار «نحو الاندماج والديمومة والفاعلية» استطاع أن يلفت الانتباه الى الإجراءات التي اتخذتها تونس من أجل تحفيز وتيرة تدفق الاستثمارات الأجنبية الى البلاد التي يعاني اقتصادها من تحديات جمة خاصة القطاع السياحي الذي تعرض الى ضربة قوية جراء هجومين إرهابيين في العام الماضى لازالت تداعياتهما مستمرة الى الآن، وجاء المؤتمر ليؤكد بأن البلاد أصبحت مستقرة ومفتوحة أمام أصحاب الاعمال وان بإمكانها تقديم فرص استثمارية تنافسية، وهي مؤهلة لذلك بالفعل، ولكن بدا أن المخرجات المأمولة في هذا المجال غير واضحة المعالم، ففي الوقت الذي بدا واضحًا أن المؤتمر طفح بالإشارات سواء تلك التي أرسلتها تونس الى العالم او تلك التي أومأ بها العالم الى تونس، وربما في هذا السياق جاء عدد من المسؤولين الرسميين بأن مخرجات المؤتمر غاية في الايجابية بعد شطب ديون ومساعدات مالية ووعود بمشاريع وتعهدات وتوقيعات من شركاء جدد - بلدانًا ومؤسسات - قيل بأنها سوف ترسم خارطة استثمارت جديدة تحتاجها تونس، إلا أننا وجدنا بالمقابل توجسًا من زخم كل الكلام الجميل والرسائل المباشرة والمشفرة من هنا وهناك المقرونة بوعود شكك البعض في امكانية أن تأخذ مداها المأمول في التفعيل.. وذهب أحد الإعلاميين التونسيين الى القول بأنه سيكون من السذاجة الاعتقاد أن للمؤتمر عصا سحرية ستغير المشهد الراهن في تونس، وذهب آخر الى القول بأن أبناء تونس يباركون النوايا ولكنهم في انتظار تنفيذ الوعود.. فيما خلص أكثر من تحليل الى ما معناه أن السياسة لعبت في منطقة المال، فلعب المال في منطقة السياسة، وإذا كان ثمة حزب «حزب التحرير» قد ذهب الى القول إن مؤتمر الاستثمار سيضع تونس للبيع، إلا أن ملاحظة إيجابية تفرض نفسها وهي أن تونس نجحت في ترويض المتناقضات لخدمة هدفها التنموي المحدد، وهذا تعكسه المؤشرات للمؤتمر ومخرجاته الأولية، لكن يبقى أن ما تقوله الوعود والتعهدات والأفكار قد لا تقوله الإنجازات الفعلية..!!
تونس لا تستجدي تمويلاً من أحد بل هي تعرض مشاريع ومصالح مشتركة مع المستثمرين.. هذا ما أكده الرئيس التونسي، وهو خيار تونس كما هو خيار كل الدول العربية المدركة لطبيعة وحجم التحديات الراهنة غير المسبوقة، وربما لا يحتاج المرء الى مزيد من الجهد لإدراك ان تحدي البطالة وتأمين فرص عمل للمواطنين يأتي في المقدمة، وهو تحدٍ يواجه تونس وكل الدول العربية تقريبًا بدرجة او بأخرى، واللافت أن هذا التحدي يكاد أن يكون مسكوتًا عنه في المؤتمرات والفعاليات التي أريد منها استقطاب رؤوس الأموال من الخارج وخلق بيئة استثمارية تنافسية، او على الأقل لم يكن هذا الملف حاضرًا فيها كما يجب، الأمر الذي يستدعي القول خاصة بالنسبة للدول التي تعاني من نسبة بطالة عالية في صفوف مواطنيها، او تتخلى عن فرض الأولوية في التوظيف لمواردها البشرية الوطنية إرضاءً للمستثمر، ان اعتماد سياسات الانفتاح واجتذاب الشركات وتطوير بيئة الأعمال والاستثمار لا يجب أن يكون على حساب العمالة الوطنية، بمعنى أنه طالما تغدق المزايا والتسهيلات للشركات والمستثمرين فيجب أن لا يكون العامل الوطني الضحية بأي شكل من الأشكال، بمعنى آخر إن الضرورة والمصلحة تقتضيان الموازنة بين الاقتصادي والاجتماعي، ودون ذلك تكون التنمية عرجاء لا تراعي حق العمال المواطنين في حياة كريمة وهم أساس السلم الاجتماعي في كل بلد وهذه مسألة لا مجال للاجتهاد فيها إن أردنا إصلاحًا واستثمارًا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا