النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10762 الأربعاء 26 سبتمبر 2018 الموافق 16 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:30PM
  • العشاء
    7:00PM

كتاب الايام

أمن دول مجلس التعاون الخليجي (2)

رابط مختصر
العدد 10103 الثلاثاء 6 ديسمبر 2016 الموافق 7 ربيع الأول 1438

قبل البدء في الجزء الثاني من سلسلة مقالات (أمن دول مجلس التعاون الخليجي) من المهم استعراض قصة العلاقات الخليجية الأمريكية التاريخية التي بدأت منذ ثلاثينيات القرن الماضي بمصالح اقتصادية مشتركة وتعاون على المستوى الثنائي أو الجماعي عندما منح المغفور له الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود شركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا (سوكال) الأمريكية امتياز التنقيب عن النفط في الأراضي السعودية، وتعززت بعد الاجتماع التاريخي مع الرئيس فرانكلين روزفلت خلال الحرب العالمية الثانية في (فبراير 1945م) الذي انتهى باتفاق على أهمية الوقوف أمام مد الفكر الشيوعي الماركسي المتمثل في الاتحاد السوفيتي بعد الحرب العالمية الأولى، ليأتي بعد ذلك تأسيس منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) في بغداد عام (1960م)، وما تلاه من استخدام دول الخليج للنفط كسلاحٍ فعَّالٍ لوقف تزويد (إسرائيل) بالسلاح الأمريكي خلال حرب (أكتوبر 1973م).
لتستمر الشراكة الخليجية الأمريكية في المجالات الأمنية والعسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، وهو ما جعل من أمن واستقرار منطقة الخليج عمود فقري للمصالح الأمريكية في المنطقة، ويشكل ناقوس خطر يهددها متى اختل، وبذلك الأساس كان إعلان (مبدأ نيكسون) عام (1969م) و(مبدأ كارتر) عام (1980م) لتعتمد الولايات المتحدة الأمريكية منذ ذلك الحين على نفسها في توفير الأمن لمصالحها في الخليج العربي والوقوف بكل الوسائل أمام أي تهديد يعترضها، وعليه تم توقيع العديد من اتفاقيات الشراكة الاستراتيجية والدفاعية والأمنية بين الجانبين.
إلا أن ذلك التعاون ظهر جليًا في عهد الرئيس باراك أوباما، بإنشاء منظومة للدفاع الجوي وإقامة التحالفات لمحاربة الارهاب، كالتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سوريا والعراق الذي تم تشكيله في (أغسطس 2014م) بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وبمشاركة أكثر من عشرين دولة من بينها المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين ودولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر، التي تشارك في الحرب ضد الإرهابيين السنة من تنظيم داعش، في الوقت الذي تقوم فيه ميليشيات الحشد الشعبي الشيعي العراقي بأبشع الممارسات ضد السكان السنة بدعوى محاربة داعش، خصوصًا بعد أن أقر مجلس النواب العراقي في (26 نوفمبر 2016م) قانون (هيئة الحشد الشعبي) الذي أخضعها تحت مظلة القوات العراقية المسلحة، وبالتالي أصبح لهذه الميلشيات الطائفية صفة رسمية بمباركة الحكومة العراقية، في مفارقة غريبة يظهر هدفها بوضوح في الرغبة الدولية في خلط الأوراق لاستمرار اشتعال المنطقة العربية بالصراعات دون أن تنتهي إلى حل سياسي يخمد نيران الحروب وينقل المنطقة إلى مرحلة الاستقرار التي افتقدتها منذ سنوات طوال.
ورغم العلاقات الخليجية الأمريكية التاريخية الممتدة لأكثر من ثمانين عامًا وما تخللها من تعاون أمني وعسكري وسياسي حقق للولايات المتحدة أهدافها الاستراتيجية بتأمين تدفق النفط إليها، إلا أن تلك العلاقات تقف أمام مفترق طريق وتتعرض لحالة غير مسبوقة من التوتر وانعدام الثقة وإن حاول الجانبان اخفاءها بأقنعة المجاملات الدبلوماسية بعد أن أصبحت أكثر وضوحًا لأسباب عدة يمكن تلخيص أهمها في الآتي:
1. السياسات الأمريكية المتباينة وغير الواضحة تجاه المتغيرات التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط، من حيث التحول الاستراتيجي نحو إعطاء إيران دورا إقليميا في المنطقة على حساب الأمن القومي الخليجي والعربي، وعدم الاستجابة حتى الآن لطلبات دول مجلس التعاون لتزويدها بالأسلحة الدفاعية رغم الاجتماعات والوعود المتكررة.
2. خضوع السياسة الأمريكية للمرتكزات الأساسية التي أقرها الكونجرس للعلاقات مع الخارج وعلى وجه الخصوص مع دول مجلس التعاون، والتي يعتمد نجاحها على مدى احترام دول المجلس لمبادئ حقوق الإنسان، دون أي اعتبار للعلاقات التاريخية والاستراتيجية، وذلك انطلاقًا من الرؤية الأمريكية لتشكيل (الشرق الأوسط الجديد) عبر استبدال الأنظمة العربية القائمة باعتبارها فاقدة للشرعية والقبول الشعبي بأنظمة جديدة، باستغلال شعارات (الديمقراطية والتعددية السياسية ومبادئ حقوق الإنسان ومحاربة العنف والإرهاب وحرية الرأي والتعبير)، وإطلاق حراك الشارع بتأسيس شبكات تتولى هذه المهمة وتقديم الدعم والتمويل والرعاية لها، وفي هذا مدخل لإشعال نيران العنف والفوضى في المنطقة العربية عمومًا.
3. تمادي الإدارة الأمريكية في فرض المزيد من الضغوط السياسية على المملكة العربية السعودية، وتتويجها بإقرار الكونجرس على قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب المعروف بـ(قانون جاستا) في (28 سبتمبر 2016م)، وما يشكله ذلك من ابتزاز يضاعف حدة التوتر بين الجانبين والذي سيمتد تأثيره على العلاقات مع دول مجلس التعاون مجتمعة، ورغم السياسة السعودية الجديدة نحو التوجه شرقا لفتح قنوات سياسية واقتصادية واستراتيجية مع (الصين وروسيا والهند وتركيا)، إلا أن العلاقات السعودية الأمريكية تبقى المرتكز الرئيسي لأمن الخليج، خصوصًا وأن (روسيا والصين) هي موضع نظر ومتابعة دقيقة من قبل الإدارة الأمريكية لخطورتها على المصالح الأمريكية على المدى المنظور.
4. استمرار إيران في فرض سياسة الأمر الواقع في المنطقة باعتبارها دولة نووية، وسعيها لتحقيق مكاسبها الاستراتيجية باستثمار الاتفاق النووي الموقع مع مجموعة (5+1) في (يوليو 2015م) والذي فتح لها أبواب النادي النووي لدخوله بعد خمسة عشر عامًا، ومنحها اعترافًا بنظام (ولاية الفقيه) كنظام سياسي مقبول دوليًا ومفروض إقليميا، والذي بمقتضاه أصبحت (العراق وسوريا ولبنان) في دائرة النفوذ الإيراني الكامل، وصارت للأقلية الحوثية في اليمن اليد العليا في تقرير مصيره، وتحولت مياه الخليج إلى ملعب للزوارق الحربية الإيرانية لاستعراض قوتها وإبراز نفوذها وتأكيد دورها في المنطقة، ونشاطها في تغذية الصراع الطائفي في البحرين والكويت والسعودية، وتسييسها لموسم الحج واستغلاله لخدمة مصالحها القائمة على أهداف الثورة الخمينية، والإضرار بالمملكة العربية السعودية والنيل من مكانتها الدولية والإقليمية بالدعوة لتشكيل هيئة دولية إسلامية لإدارة الحج بهدف شق صف الأمة الإسلامية.
إن أمن منطقة الخليج العربي قضية بالغة الحساسية والخطورة، بسبب موقعها الجغرافي الاستراتيجي وما تتمتع به من مصادر طاقة طبيعية ضخمة تمثل شريان الحياة الرئيس للعالم، لذلك فإن مفهوم (الأمن القومي الخليجي) يجب أن يضع في اعتباره الرؤية الواضحة والمتكاملة لأبعاد قضايا الأمن في دول الجوار الإقليمي، والذي انهار بسبب الاحتلال العراقي لدولة الكويت في (أغسطس 1990م) ورسم تحريرها علامة فارقة بين انتهاء (عهد الحرب الباردة) وبداية (عهد النظام العالمي الجديد) بدحر العدوان العراقي انطلاقًا من مبادئ الأمن الجماعي والمصالح الاستراتيجية للدول الصديقة.
ومن تلك المعطيات يجب أن يقوم (الأمن القومي الخليجي) على الركائز الآتية:
1. إقامة تحالفات مع الدول الصديقة صاحبة المصالح الاستراتيجية التاريخية في المنطقة، لدرء أي تهديدات يعرض الأمن الخليجي للخطر، وذلك من خلال ترتيبات أمنية جديدة تأخذ في الاعتبار المصالح المتبادلة والعلاقات الثنائية بين الجانبين.
2. تعزيز الأمن الخليجي باتحاد جهود دول المجلس أمنيًا وتطويق المخاطر والتحديات القائمة، بتحول دول المجلس إلى تحالف عسكري وأمني شبيه بحلف شمال الأطلسي (الناتو) لوقف التدخلات الأجنبية في شؤونها الداخلية خصوصا التدخلات الإيرانية المستمرة.
3. العمل الجاد من أجل تحقيق التنمية الخليجية الشاملة والمستدامة في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتخاذ الإجراءات الكفيلة ببناء المجتمع الخليجي القائم على العدالة وسيادة القانون، وإرساء دعائم الدولة الوطنية الحديثة بإجراء إصلاحات دستورية تدريجية وثابتة وملائمة مع ظروف دول المجلس، كالخطوات الإصلاحية المتأنية التي اتخذتها المملكة العربية السعودية بإشراك المرأة في الانتخابات البلدية عام (2015م) وحصدت فيها (20) مقعدًا بلديًا.
4. احترام مبدأ السيادة الوطنية لجميع الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وتسوية الخلافات بالطرق السلمية وعدم استخدام القوة أو التهديد بها لفض المنازعات، ورفض التحريض الإعلامي السياسي.
5. تعزيز فاعلية مجلس التعاون ودوره كمنظومة لها أهميتها الدولية والإقليمية، وبحث الآليات العملية لتنفيذ رؤية خادم الحرمين الشريفين التي أقرتها قمة الرياض في (ديسمبر 2015م) بإمكانية الاتفاق بين عدد من دول المجلس على أي إجراءات تكاملية تراها على أن تتبعها بقية الدول متى ما كان الوقت مناسبا لها، لتسريع الانتقال من (مرحلة التعاون) إلى (مرحلة الاتحاد) بمن هو مستعد من الدول الأعضاء، وتفادي بند الاجماع الذي تنص عليه (المادة التاسعة) من النظام الأساسي للمجلس حفاظا على سيادته واستقلاله الوطني ومكتسبات مواطنيه ومواجهة استحقاقات التحولات والمستجدات المتسارعة في العالم والتهديدات الأمنية في الجوار الإقليمي المباشر.
وللمقال تتمة في الأسبوع القادم بإذن الله

 المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا