x
x
  
العدد 10102 الإثنين 5 ديسمبر 2016 الموافق 6 ربيع الأول 1438
Al Ayam

مقالات - قضايا

العدد 10099 الجمعة 2 ديسمبر 2016 الموافق 3 ربيع الأول 1438
 
 

هو صاحب صولات وجولات في عالم الإعلام المرئي، وتاريخ حافل بالإنجازات لبلده الكويت منذ سنوات الاستقلال الأولى. لذا ليس كثيرًا أن نطلق عليه اسم الأب الروحي للإعلام المرئي في دولة الكويت صاحبة البث التلفزيوني الرابع على مستوى الشرق الأوسط بعد تلفزيون بغداد وتلفزيون أرامكو من الظهران والتلفزيون المصري بالترتيب. كما لم يكن مستغربًا منحه جائزة شخصية العام الإعلامية من قبل سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في سنة 2012، نظير خبراته المتراكمة وخدماته وجهوده في كل المناصب التي شغلها، منسقًا ومخرجًا ومنتجًا ومعدًا لبرامج التلفزيون، ووكيلاً مساعدًا في وزارة الإعلام لشؤون التلفزيون، ووزيرًا للإعلام، ومديرًا للعديد من الشركات السياحية والسينمائية، وعضوًا في الكثير من اللجان الثقافية والإعلامية والعديد من مجالس إدارة شركات ومؤسسات الإنتاج التلفزيوني، ومستشارًا للقناة الفضائية المصرية وقنوات «أوربت» الفضائية.

 


الحديث هنا هو عن وزير الإعلام الكويتي الأسبق محمد ناصر السنعوسي، وعن الجهاز الذي ارتبط اسمه به وهو تلفزيون الكويت الذي له مكانة أثيرة في نفوس أبناء الخليج، كونه ظهر في زمن كان البث التلفزيوني فيه مقتصرًا على تلفزيون أرامكو ذي البرامج البعيدة عن الأخبار والأحداث السياسية والمسلسلات الفكاهية المحلية والعربية، فكان الناس يتصيدون بث تلفزيون الكويت الذي لم يكن يصلهم نقيًا إلا في أيام الصيف الرطبة. فكلما اشتدت الرطوبة زادت درجة نقاء الشاشة، وكلما تشوش البث كان لابد من تحريك الهوائيات يمينًا ويسارًا، وسط صراخ بين شخص على الارض يراقب الشاشة وآخر فوق السطح يدير «الأريل».

 


ولد السنعوسي في الكويت في 1938 لعائلة هاجرت أولاً من مدينة حائل السعودية إلى بلدة شقرا ثم إلى بلدة اثيثة في نجد، قبل أن ينزح جدها «ناصر محمد السنعوسي» إلى الكويت في عام 1909 للعمل كتاجر مواد غذائية من خلال دكان صغير في ساحة الصفاة فدكان أوسع في «سوق الزل». سكن ناصر أولاً في حي الصالحية وتاليًا في حي الجبلة حيث يسكن معظم آل السنعوسي حاليًا. وأنجب أربعة أبناء هم: ولده الأكبر محمد، الذي هو محورنا حديثنا، عبدالله الذي عمل بالخارجية حتى صار سفيرًا، مشاري الضابط في سلاح الطيران بالجيش الكويتي، أحمد الذي عمل سنوات طويلة بالمحاماة قبل أن يتوجه إلى الأعمال التجارية الحرة.

 


وطبقًا لما ورد في كتاب «تاريخ نزوح العائلات الكويتية العريقة» لفوزية صالح الرومي الصادر في 2005 فإن نسب عائلة السنعوسي يرجع إلى قبيلة شمر من بطن الأسلم، علمًا بأن لهذه الأسرة مصاهرات مع العديد من الأسر الكويتية، كما أن هناك عوائل في نجد تنتمي إليها مثل الزيد والفهيد والعامر.
تخصص السنعوسي أكاديميًا في الإعلام من خلال دراسته في جامعة جنوب كاليفورنيا وحصوله على درجة البكالوريوس في 1969، لكنه كان قد ذهب قبل ذلك إلى القاهرة عملاً بنصيحة الأستاذ حمد الرجيب لدراسة المسرح في المعهد العالي للفنون المسرحية، بالرغم من أنه لم يكن موهوبًا في التمثيل ولم يكن المسرح يجذبه إلا كمشاهد طبقًا لما كتبه بنفسه في كتابه «السنعوسي تلفزيون الكويت تاريخ وحكايات 1961 ـ 1985» الصادر مؤخرًا عن دار ذات السلاسل، وهو كتاب وثق فيه المؤلف قصته مع تلفزيون بلده فضلاً عن أحداث وشخصيات واكبت المراحل الأولى لإنطلاق بثه، وسنعتمد عليه هنا كمصدر رئيس للحديث عن مشوار الرجل وإنجازاته.

 


قسَّم السنعوسي كتابه الى عدة أقسام، يحكي في كل منها موضوعًا مختلفًا، وإن بدأ بطريقة «الفلاش باك» بمعنى الحديث ابتداءً عن يوم استقالته من التلفزيون سنة 1985، وصولاً إلى يوم تقديم استقالته كوزير للإعلام سنة 2006 قبل يوم واحد من استجوابه في مجلس الأمة بطلب مقدم من النائب الإسلامي فيصل المسلم.
التحق السنعوسي بالمدرسة القبلية في 1945، ومنها انتقل إلى مدرسة المثنى فمدرسة المرقاب فمدرسة صلاح الدين التي ودعها إلى الكلية الصناعية في 1956. في كل هذه المدارس حفر ذكريات لا تنسى لجهة النشاط اللاصفي وإقامة معسكرات الكشافة وما يصاحبها عادة من تسلية ومرح وترفيه مسرحي وغنائي. ويتذكر السنعوسي، في هذا السياق، كيف أنه وصديقه الحميم «ثامر السيار» ألفا وقدما منولوجات طريفة سخرت من الأوضاع الاجتماعية والسياسية السلبية في الخمسينات.

 


أما عن ذهابه إلى القاهرة بعد اتمامه لمرحلة الدراسة الثانوية، فيقول إنه كان يعيش في عام 1961 بحي الزمالك الراقي بالقاهرة سعيدًا بحياته ودراسته إلى أن أحاط به ذات يوم «ثلاثة وجوه من أبناء بلدي: خالد المسعود، خالد الشريعان، إبراهيم الفارس.. تحدثوا عن مشروع الكويت الجديد (التلفزيون)، وعن رغبتهم في عودتي إلى (الديرة) للعمل في (شاشتها).. بقليل جهد أقنعني ثلاثتهم بالانضمام إلى الكتيبة المؤسسة لتلفزيون بلادي، فانصرفت عن استكمال دراستي في القاهرة وغادرتها إلى رحلة طويلة مملوءة بكل ألوان الشغف والإثارة والطموح والتحدي». 

 


ويقر السنعوسي أن فكرة الإسهام في تأسيس تلفزيون الكويت والعمل فيه قد تملكته، لكنه يعترف أيضا أن الفكرة، رغم بريقها، كانت «مرعبة لعدم معرفتي بتقنيات هذا الجهاز ومتطلباته، خصوصًا وأن خالد المسعود عرض عليَّ أن أتولى الجانب الفني بما يشمله من عمليات الإنتاج والخدمات والرقابة وما إلى ذلك، فكان قبول الأمر مغامرة غير محسوبة إلا أن تمتعي بالمقدرة على تقديم برامج وإنتاج أعمال فنية زرع في نفسي بعضًا من الطمأنينة التي دفعتني إلى إعلان الموافقة». ويضيف: «رغب مدير التلفزيون أن أعود معه إلى الكويت مباشرة، إلا أنني طلبت إمهالي فترة وجيزة قبل أن ألتحق به، إذ كنت أريد أن أتزود ببعض المعلومات عن العمل في التلفزيون من خلال مشروع مصر التلفزيوني الوليد».

 


في القاهرة كان السنعوسي ضمن الطلبة الناشطين في «بيت الكويت» الذي كان بمثابة سفارة لكويت ما قبل الاستقلال في مصر. وفي القاهرة أيضا أقدم على مغامرة متهورة هي دخول لجان وورش عمل تأسيس التلفزيون المصري في مبنى «ماسبيرو»، وحضور اجتماعاتها، دون أن يعلن عن نفسه، ودون ان ينتبه أحدهم إلى شخصيته الحقيقية، وذلك بدافع كسب الخبرات المتقدمة في مجال إدارة التلفزيون وفنياته.
وقتها كانت دولة الكويت المستقلة قد قررت بتوصية من وزير الإرشاد والأنباء الشيخ صباح الأحمد الجابر (أمير البلاد الحالي) التفاهم مع الأخوة بهبهاني الذين كانوا يديرون منذ عام 1957 محطة تلفزيونية بدائية خاصة تحت اسم «تلفزيون شيرين»، وذلك بهدف ضم محطتهم وأجهزتها إلى دائرة المطبوعات والنشر.

 


وحينما عاد السنعوسي من القاهرة في أكتوبر 1961 لبدء مسيرته في تلفزيون الكويت صدم بما رآه من أجهزة بدائية، ناهيك عن عدم وجود خارطة للبث، لكنه وجد في انتظاره كتيبة من المذيعين والمذيعات والمهندسين والمخرجين والمتخصصين في الديكور والماكياج والأزياء والنقل الخارجي من مواطني الكويت ورعايا الدول العربية، الأمر الذي شعر معه ببعض الراحة والتفاؤل. وقد عدد السنعوسي في كتابه أسماء كثيرة من أوائل الذين عملوا في تلفزيون الكويت وكانت لهم أدوار مشهودة في تأسيسه والارتقاء به.

 

فقد أثنى على جهود التربوي خالد المسعود الفهيد الذي اختارته الدولة ليكون أول مدير للجهاز، وإبراهيم الفارس الذي تم تعيينه في منصب المسؤول المالي والاداري للجهاز، وخالد الشريعان الذي كان يمد التلفزيون بالأفلام السينمائية لأنه كان مع أخيه سعد يملكان متجرًا لتأجير الأفلام على العامة مقابل 50 روبية للفيلم الواحد ولمدة ليلة واحدة، قبل أن يصبح الوكيل الحصري للتلفزيون المصري والأفلام المصرية والمورد العام لتلفزيون الكويت وبقية التلفزيونات الخليجية، إضافة إلى جهود المذيعين: رضا الفيلي، محمد المهنا، سالم الفهد، جاسم شهاب، محمد المطوع، أحمد عبدالعال، وأحمد سالم، وجهود المذيعات: أمل جعفر، باسمة سليمان، منى طالب، أمل عبدالله، أمينة الشراح، هدى المهتدي، هيا الغصين وغيرهن. كما نوه بأفضال بعض أوائل المخرجين الكويتيين والعرب من أمثال صالح العيسى وحمدي فريد وبدر المضف وبدر بورسلي، إضافة إلى السيدة نورية السداني التي تعتبر أول مخرجة تلفزيونية كويتية.


والحقيقة أنه حينما نتحدث عن الإخراج التلفزيوني في الكويت فجانب كبير من الفضل يرجع إلى السنعوسي نفسه، لأنه في سنوات التأسيس الأولى، وكذا في السنوات التالية، قام بإخراج عدد من البرامج والافلام المستقرة في وجدان وضمائر المشاهدين مثل قيامه بإخراج برنامج للمطرب عبدالحليم حافظ على شاطئ الكويت، ثم إخراجه لفيلم «العاصفة» الذي يمكن اعتباره محطة الانطلاق في تأسيس السينما الكويتية، وإخراجه لاحقًا لاوبريت «مذكرات بحار»، وأوبريت «ميلاد أمة»، ناهيك عن تقديمه شخصيًا لبعض البرامج التي كان لها صدى طيب عند الجمهور وعند كبار المسؤولين. إذ بدأ السنعوسي بتقديم برنامج يمكن تصنيفه ضمن برامج المسابقات الصامتة وهو «مهنتي» الذي استوحى فكرته من برنامج بريطاني مشابه، ثم قدم برنامج «رسالة» الذي كان عبارة عن شكوى يوجهها مشاهد ما فيجري التقصي والبحث حولها وتحويل النتائج إلى الجهات المختصة ومتابعة ما تم بخصوصها في الحلقة التالية، علمًا بأن هذا البرنامج تحديدًا ساهم في تسليط الضوء على عدد من القضايا وحلها مثل قضية «الشيكات بلا رصيد» وقضية «تكاثر القوارض والفئران في أحياء الكويت». بعد ذلك قدم الرجل أشهر وأهم برامجه وهو برنامج «السنعوسي».


دعونا نقرأ ما كتبه بنفسه عن البرنامج: «اعتمد البرنامج في مضمونه على لقاءات وعرض تقارير مصورة بالفيديو وصور فوتوغرافية، مع التعليق عليها وتحليلها وتناول ما يتعلق بها، وقد استضفت في حلقات البرنامج الكثيفة كبار المسؤولين وجمعتهم بأصحاب العلاقة من المواطنين، وحرصت أن تتسم هذه اللقاءات بالمواجهة وعرض مختلف جوانب الموضوع، وكان أن طرح في حلقات البرنامج موضوعات لم يسبق تناولها في أي وسيلة إعلامية أخرى. قوبل البرنامج منذ حلقته الأولى بترحيب كبير من الصحافة، ومن كتاب الزوايا والمتابعين ومن جمهور على مختلف أعماره وثقافاته، وأمسى حديث الدواوين. باختصار صادفه نجاح باهر على كل المستويات». 


لم يكتفِ السنعوسي بكل ما سبق، بل وقف كداعمٍ ومقترح خلف مجموعة من البرامج التي أحدثت ضجة ولقيت متابعة كثيفة من الجمهور. من هذه البرامج «صفحات من تاريخ الكويت»، و«شبكة التلفزيون» و«عالم السينما» و«اعرف عدوك» و«من ذاكرة الشاشة»، و«العلم والحياة»، و«دنيا الأسرة» من تقديم فاطمة حسين التي كانت من أوائل الكويتيات اللواتي أعدن وقدمن البرامج، وبرنامج المسابقات الشهير «س.ج» الذي استقطب نسبة مشاهدة عالية من تقديم الفلسطيني الموهوب شريف العلمي، و«تحت الأضواء» من تقديم المذيعة الفلسطينية ليلى شعير. 
وحينما نتحدث عن المساهمات فلابد من تثمين دور الفتيات والنساء الكويتيات اللواتي كن في تلك الفترة، بحسب قول السنعوسي: «أكثر جرأة واقدامًا وثقة بالنفس وقدرة على تحدي النظرة الاجتماعية الظالمة». إذ كن يشاركن في الإعداد والتقديم والظهور على الشاشة في حوارات ونقاشات ساخنة بكل أناقتهن دون مخاوف او هواجس.


من محطات حياته الهامة، محطة ابتعاثه إلى بريطانيا فالولايات المتحدة مع زميله المرحوم رضا الفيلي للتدرب في محطة «بي بي سي»، وفي قنوات أمريكية مثل «آي تي في». في محطته الامريكية تزوج السنعوسي من رفيقة دربه وأم أبنائه (المرحوم طارق، وزياد، ولولوه) المذيعة التلفزيونية السابقة «باسمة سليمان شماس»، حيث عقدا قرانهما على يد إمام المركز الاسلامي بنيويورك وبحضور سفير الكويت لدى الأمم المتحدة راشد الراشد كشاهد. والمعروف أن أبا طارق خلال سنوات دراسته في جامعة جنوب كاليفورنيا، لم ينقطع عن التواصل مع تلفزيون الكويت. إذ كان يغطي لحسابها الأحداث، ويزودها بالتقارير الأخبارية. فعلى سبيل المثال قام بتغطية زيارة الأمير الراحل صباح السالم الصباح لواشنطون ولقائه مع نظيره الامريكي ليندون جونسون، وتغطية حادثة اغتيال السيناتور والمرشح الرئاسي الامريكي روبرت كينيدي. كما قام بتسجيل لقاء فريد مع والدة قاتل كينيدي «سرحان سرحان» وشقيقه الأصغر.


وما بين الدراسة، والتعاون إعلاميًا مع تلفزيون بلاده من الخارج، ومتطلبات الأسرة لم يشأ السنعوسي وهو في كاليفورنيا أن يكون بعيدًا عن أعمال الخير. فقد نشط على صعيد جمع التبرعات من الكويت وخارجها من أجل شراء بيت كبير على شارع «فرمونت» بوسط لوس أنجيلوس لتحويله إلى مركز اسلامي يخدم مسلمي كاليفورنيا. وبالتزامن مع ذلك راح الرجل يوثق علاقاته مع أهل الفن والإعلام وشركات الإنتاج الامريكية لإنتاج مجموعة من الأفلام عن دول الخليج.


لكن ماذا حدث بعد أن أنهى السنعوسي دراسته في كاليفورنيا؟
لم يشأ الرجل أن يعود إلى بلاده فور تخرجه لأسباب لخصها بقوله: «أولها ذلك التحدي الرهيب الذي استفز كل حواسي وقدراتي بإنتاج فيلم (الرسالة)، وإيماني بأنه سيكون أفضل إنجاز للإعلام الكويتي والعربي في ذلك الوقت ولسنوات طويلة، وثانيها هو ارتباطي بالعمل في شركة امريكية لها مكتب في لبنان، قدرت أنها تشكل فرصة للاحتكاك بمدارس إعلامية متقدمة وأساليب عظيمة في ممارسة المهنة».


ولهذين السببين كتب السنعوسي إلى مسؤوليه في الكويت طالبًا منهم إجازة من دون راتب، فوافقوا، الأمر الذي شجعه على السفر إلى بيروت والاستقرار فيها مع أسرته لأكثر من عام. لكن هنا حدث ما لم يكن يتوقعه! إذ جاءه اتصال من الكويت يستعجله العودة لمقابلة وزير الإعلام آنذاك سمو الشيخ صباح الأحمد الجابر. فلملم حوائجه البسيطة وعاد إلى وطنه معتقدًا أن زيارته لن تمتد إلا لأيام معدودات، فإذا بالوزير يأمره بالبقاء قائلاً: «إنت إشقاعد تسوى في أمريكا ولبنان؟.. تعال امسك التلفزيون».


وهكذا عاد السنعوسي بعد سنوات الغربة إلى بيته الأول، لكن بوصفه مديرًا للتلفزيون، وهو المنصب الذي شغله لمدة تسعة أشهر فقط (ما بين نوفمبر 1971 وأغسطس 1972) لأنه رقي بعدها إلى منصب وكيل وزارة الإعلام لشؤون التلفزيون مع زيادة راتبه من 165 إلى 320 دينارًا. فما الذي لاحظه من متغيرات في تلفزيون الكويت؟
لقد وجده اكتسب بعدًا جديدًا بتأسيس «تلفزيون الكويت من دبي» الذي بدأ في سبتمبر 1969 بثًا يغطي إمارات دبي والشارقة وعجمان بإدارة الإعلامي الكويتي محمد المهنا، علمًا بأن هذا الجهاز تم إغلاقه نهائيًا في ديسمبر 1972 بسبب تأسيس حكومة دبي لقناتها الرسمية الخاصة قبل عام من ذلك التاريخ. كما وجد أن تلفزيون الكويت قد استحدث قناتين جديدتين بقدرات إشعاعية موجهة أقوى من أجل بث البرنامج الثاني، ودعم بث البرنامج الأول أيضا كي يغطي أطراف الأراضي الكويتية.


وهكذا راح السنعوسي يواصل ما بدأه في الستينات لجهة الإخراج والتخطيط البرامجي والإنتاج والتنسيق والإعداد وصناعة إعلام مرئي حديث ومتطور. وبعد أن صار وكيلاً لوزارة الإعلام أمر بتنفيذ خطط تتعلق بقياس الرأي وتطوير الشعب والوحدات التلفزيونية. كما تم في عهد إشرافه على التلفزيون، افتتاح «مجمع الإعلام» الذي بدأ كفكرة سنة 1962 وتم إنجازه سنة 1979، وكذلك منح القناة التلفزيونية الثانية دورًا مركزيًا في النهوض بالموسيقى والغناء وفن الأوبريت. ومن الأشياء التي يفتخر الرجل بإنجازها وهو وكيل لوزارة الإعلام تقديم برامج المناظرات التلفزيونية التي بدأت بالمناظرة التاريخية حول تأميم النفط في منتصف السبعينات بين وزير المالية والنفط عبدالرحمن سالم العتيقي والنائب اليساري في مجلس الأمة عبدالله النيباري.

 

ومن الأمور الأخرى التي يفتخر بها كثيرًا نجاح تلفزيون الكويت في إنتاج برامج ومسلسلات محلية خالدة على رأسها «مسلسل درب الزلق»، وبالتالي زيادة حصة البرامج المنتجة محليًا إلى أكثر من 54% من إجمالي البرامج المعروضة على الشاشة، من بعد أن كان التلفزيون مضطرًا في الستينات إلى الاعتماد بكثافة على الانتاجين المصري واللبناني. ويعزي السنعوسي النجاح في زيادة الإنتاج المحلي من البرامج، وظهور وتكاثر الشركات الخاصة في مجال الإنتاج التلفزيوني والتوزيع بالكويت في منتصف السبعينات إلى «عدم وجود محظورات مجتمعية كتلك التي راعتها تلفزيونات ناشئة في المنطقة، خاصة بالنسبة لظهور المرأة أو الموضوعات التي يتم تناولها، وهكذا فقد حقق التلفزيون في عام 1970 انطلاقة ممتازة في تنويع البرامج الدينية والثقافية والترويحية والمنوعات والبرامج الإخبارية والخاصة والرياضية وبرامج المرأة والطفل إلى جانب ما قدمه من مسلسلات وتمثيليات ومسرحيات وأفلام سهرة عربية وأجنبية».


وجملة القول إن السنعوسي استطاع أن يرسم اﻻبتسامة على شفاه الكويتيين والخليجيين بأعماله الفنية الخالدة عندما كان وكيلاً لوزارة الإعلام. لكن البعض من أعداء الفرح راح يتدخل في عمله ناقدًا وواشيًا وجاعلاً من نفسه رقيبًا وحسيبًا، على الرغم من أن وزير الإعلام الشيخ صباح الأحمد الجابر (أمير الكويت الحالي) نفى للسنعوسي أن تكون هناك خطوط حمراء حينما سأله عن ذلك قائلاً «إنت ينيت؟» (هل جننت؟). ويعترف السنعوسي أنه وزملاءه في جهاز التلفزيون لم يقاوموا بالشكل الكافي حملة الترهيب التي قادها تيار الاخوان المسلمين من خلال جمعية الإصلاح «وابنها المدلل أحمد منصور» (المذيع الحالي في قناة الجزيرة) ضده شخصيًا بسبب رقصة هنا أو قبلة هناك في الأفلام المعروضة. بل يعترف أنهم فرضوا على أنفسهم رقابة ذاتية راحت تتضاعف يومًا بعد يوم درءًا للمتاعب مع التيار الديني المحافظ.


في 13 مايو 2006 صدر قرار بتعيين السنعوسي وزيرًا للإعلام في حكومة الشيخ ناصر المحمد الصباح خلفًا للوزير المستقيل أنس الرشيد. وقد استمر الرجل في منصبه هذا إلى حين تقديمه لاستقالته في 17 ديسمبر 2006. وفي هذا السياق كتب أحمد بودستور في الوطن الكويتية (21/‏5/‏2016): «عندما تسلم الإعلامي الكبير محمد السنعوسي منصبه كوزير للإعلام كانت عنده رؤية واستراتيجية لتطوير الوزارة وإعادة الزمن الجميل ولكنه اصطدم في ذلك الوقت بأعضاء مجلس الأمة وخاصة المحسوبين على التيار الديني؛ ولأنه ﻻ يعرف المجاملة وطق الطار بالمقلوب وتقديم التنازﻻت للفكر الضيق الذي كان يهيمن على مجلس الأمة فقد استقال من منصبه بعد 6 شهور تقريبًا لأنه ﻻ يستطيع العطاء في أجواء ملوثة تحارب كل فكر مبدع».
وباستقالته من منصبه أنقذ السنعوسي حكومة الشيخ ناصر المحمد من السقوط والدخول في مشاكل مع نواب مجلس الأمة، ولاسيما من التيار الإسلامي. وقد ثمن رئيس مجلس الأمة وقتذاك جاسم الخرافي قرارالسنعوسي ووصفه بالتضحية التي يشكر عليها والنابعة من حرصه على استتباب الهدوء والابتعاد عن التوتر.


زائر
عدد الأحرف المتبقية
   =   

تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة
  إقرأ في عدد اليوم
  الأيام "واتساب"

المواضيع الأكثر قراءة

هل تراقب ابنك - ابنتك في كيفية إستخدام وسائل التواصل الإجتماعي؟