النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10756 الخميس 20 سبتمبر 2018 الموافق 10 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

عن التسامح

رابط مختصر
العدد 10093 السبت 26 نوفمبر 2016 الموافق 26 صفر 1438

ليس من الممكن أن تترسخ ثقافة التسامح، في ظل الإقصاء والتهميش الاجتماعي، فالمجتمعات المليئة بالشكوك والكراهية، مجتمعات لا تشجع على الحوار الوطني والتوافق!
لم تكن أعمال العنف، والتعصب، ومصادرة الحقوق، ورفض فصل الدين عن السياسة سوى تحديات كبيرة أمام التسامح!
ومن هنا، فإذا كان مفهوم التسامح لدى البعض، اتخذ كشعارٍ لإطفاء بؤر التوتر والفتن والأحقاد، فإن حل الخلافات والنزاعات على أساس احترام الآخر، واعتماد حقوق المواطنة للجميع، ونبذ العنف والإرهاب، وضمان الحريات، قاطرة تؤدي أن يكون التسامح ركيزة حضارية للمجتمع الديمقراطي.
وإذا كان مفهوم التسامح - في نظر الكنيسة - استطاع تجاوز حدود الدين واقترن بحرية التفكير وبدأ ينطوي تدريجيًا على منظومة من المضامين الاجتماعية والثقافية الجديدة، فإن المفهوم المعاصر للتسامح يقوم على مبادئ حقوق الإنسان العالمية، ومن هنا لقد ربطت وثيقة اعلان المبادئ العالمي الصادر في نوفمبر 1995 بين التسامح وحقوق الإنسان والديمقراطية والسلم؛ وبالتالي ارتقت بالتسامح الى صورة قيمة قانونية تتطلب الحماية من قبل المجتمع الدولي.
وفي هذا الإطار ترى الفدرالية السورية لهيئات حقوق الإنسان في دراسة لها عن مفهوم التسامح، في مواجهة كل أشكال التعصب والتطرف والانغلاق إنه كلما غابت ثقافة الإقرار بالتعدد والاختلاف والتكافؤ والمشاركة داخل المجتمع، كلما اتسع المجال أكثر أمام ظاهرة عدم التسامح.
وترى أيضًا أن سلوك الأفراد والجماعات مازال متأثرًا الى حدٍ بعيد بثقافة التسلط والهيمنة، وادعاء امتلاك الحقيقة، لأن التربية العائلية مازالت تقوم في الغالب على سلطة الأب ووجوب طاعته، وعدم المشاركة من طرف باقي أفراد الأسرة فيما يقرره، كما أن التربية في المدرسة مازالت تقوم على التلقين، وتصور المعلم بأنه لا ينطق إلا بالحقيقة التي لا تحتاج الى نقاش، ولا تقبل رأيًا مخالفًا، والنشاط الديني لبعض الجماعات يقوم على التشدد والغلو والتطرف، وتكفير من لا يشاطرهم نفس الأفكار المتطرفة، والابتعاد عن المجادلة بالتي هي أحسن، والتنكر للاجتهاد، وكذلك بالنسبة للطقوس التقليدية للعمل، بالإدارات ومؤسسات الشغل ما زالت - رغم وجود قوانين حديثة - تضع المسؤول أو رب العمل في موقع (المعلم) والموظفين والعمال في موقع (المتعلمين) الذين ما عليهم إلا تنفيذ التعليمات والأوامر، والويل والثبور لمن يحاول إبداء أفكار تناقض او تعارض او تنتقد ما يراه او يقوله المسؤول، او يحاول تنبيهه الى خطئه، او تجاوزه لصلاحياته، وكذلك فإن السلوك السياسي كثيرًا ما يقوم على إقصاء المعارضة او تحجيمها، وتغيب الممارسة الديمقراطية السليمة، فكل هذه العوامل والمؤشرات تهيئ التربة الخصبة لنمو ظواهر التعصب والتشدد وعدم التسامح!
وأما وعلى الصعيد الدولي إن ما يطبع علاقات الدول من عدم التكافو، وترجيح مصالح التكتلات الدولية الكبرى، ونزعة الهيمنة واستعمال القوة، ينعكس بكيفية سلبية على دول العالم الثالث، وخاصة تلك التي لاتزال تائهة في البحث عن طريق النمو، او لا تحسن استعمال مواردها، أو تفتقر لمقومات النهوض الذاتي، مما يجعلها عرضة لليهمنة والاستغلال من طرف الدول العظمى، ليس بحكم ما لهذه الأخيرة من قوة اقتصادية فحسب، وإنما كذلك بسبب نفوذها السياسي داخل المحافل الدولية، فتأتي ممارستها في كثير من الأحيان مناقضة لقيم التسامح، ومبادئ حقوق الإنسان التي يتحدث عنها المنتظم الدولي وهيئاته المتختصة، وتنعقد بشأنها العديد من المؤتمرات، وتدرج قواعدها ضمن صكوك ومواثيق دولية تبقى سجينة الإطار النظري، او تستعمل سلاحًا من طرف الدول العظمى، والمؤسسات الدولية الخاضعة لهيمنتها، في مواجهة بعض الأنظمة السياسية في دول العالم الثالث، بقصد ابتزازها، او عزلها داخل المجتمع الدولي!
وفي ذات السياق تقول الدراسة: من أغرب المفارقات التي تميز عصرنا الحاضر، أن بعض الدول التي تعتبر نفسها «قدوة» في الديمقراطية وحقوق الإنسان تسهم بطرق مباشرة أحيانًا وغير مباشرة أحيانًا اخرى، في إذكاء ظاهرة عدم التسامح في البلدان المتخلفة، قصد إخضاعها لهيمنتها الاقتصادية والسياسية، كما تساهم في إعاقة تنميتها، وذلك بالحرص على إرساء نظام اقتصادي عالمي يكرس الاختلالات القائمة، ويعمق أكثر الهوة الموجودة بين الشمال والجنوب، وينهك جهود الدول السائرة في طريق النمو، في عملية تسديد الديون وفوائدها، مما يجعلها تواجه صعوبات اقتصادية واجتماعية كثيرة تهدد استقرارها، وتزرع بداخلها بذور الاضطراب والعنف. وليس غريبًا أن تكون الأسلحة الفتاكة التي تحصد الأرواح البشرية، وتدمر العمران، وتهدد الموارد في بلدان العالم الثالث على الخصوص، من صنع نفس الدول المنادية بالسلم والتسامح وحقوق الإنسان.
وحينما تصل العقوبات السياسية والاقتصادية المفروضة على بعض الدول باسم منظمة الأمم المتحدة، تحت ضغوط الدول العظمى، الى درجة إهدار أرواح عشرات الآلاف من الأبرياء، من أطفال وشيوخ ونساء، بسبب الحصار المؤدي الى التجويع والحيلولة دون الحصول على الدواء، في هذه الحالة لا نكون أمام صورة من الصور البشعة لعدم التسامح فقط، او أمام تخلي المنتظم الدولي عن المبادئ التي تأسس من أجلها، وإنما تكون أمام وضع تنعدم فيه أي قيمة من القيم الإنسانية!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا