النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10758 السبت 22 سبتمبر 2018 الموافق 12 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

مِنْ أَيَّةِ وُجْهَةٍ جاء أعداء الموسيقى؟!!!

رابط مختصر
العدد 10089 الثلاثاء 22 نوفمبر 2016 الموافق 22 صفر 1438

تلازم الإنسان مع لغتين منذ أن ارتقى ذهنه وتفتح، لغة العقل والمنطق للتواصل فيما تقتضيه حوائج الحياة والمعاش، ولغة المشاعر والنفس للارتقاء بمشاعر الناس إلى أعالي الروح حيث الفضيلة والجمال. لغة العقل للتواصل بكلمات منطوقة وجمل مرتبة ترتيبًا منطقيًا لتبادل المعاني والمفاهيم بين المتكلم والمخاطب، وتطورت هذه اللغة التي استحدثها الانسان من كلام منطوق مسموع الى أبجدية الحروف وكلمة الأحرف وجمل الكلمات بخطوط مرئية مقروءة، وهكذا تطورت اللغة من نطق - سمع خالص إلى خط مرئي - مقروء. وتفجرت أمام هذا الارتقاء من المنطوق الى المرسوم آفاق الإبداع الفكري في رسم الكلام الجميل البليغ، وكان أرقى رسم لهذا الإبداع هو قطوف الشعر.
وبالتوازي والتوازن مع هذه اللغة العقلية لضرورات التواصل تنامت لغة المشاعر والنفس لمخاطبة الروح، فالإنسان في ماديته البيولوجية لا تكتمل هويته كإنسان إلا بالعقل والروح، فأوجد الإنسان للعقل وبالعقل لغة، وأوجد للروح وبالروح لغة، وهكذا اكتملت إنسانية الإنسان على قاعدة لغتين، فإذا انهارت لغة انهارت أختها اللغة الموازية. أختان متلازمتان تلازم المنطق بالفضيلة. لغة الكلم ولغة النغم، وتعانق الكلم والنغم في أحضان الشعر والغناء. هكذا الانسان ومنذ نشأته الأولى يمخر عباب البحر بمجدافين، وهكذا يرتقي الانسان عبر العهود والقرون بمنطق الكلم وبديع الشعر وبأنغام الوتر والطبل والناي ومفاتيح البيانو وقوس الكمان وتراتيل الأناشيد والغناء وهذه كلها آيات للغة النغم، ولغة النغم هي الموسيقى، فلا يستقيم كلام دون موسيقى، ولا موسيقى دون كلام، ولا يمكن للإنسان أن يرتقي سلم الحضارة والرقي دونهما، فعشاق اللغتين هم أصحاب الحضارة والسلم والحياة، وعلى النقيض فإن أعداء الكلم في المنطق والشعر وأعداء النغم والغناء في الموسيقى هم أعداء الحضارة ودعاة الحروب والموت والدمار.
مثلما للغة التواصل أبجدية وكلمة وجمل، كذلك الموسيقى، لغة الموسيقى ترتكز على مجالين من مجالات العلم، هما علم الفيزياء وعلم الرياضيات، فكل نغمة لها تردد ثابت وقوة متفاوتة وهذا يدخل في علم الفيزياء، والنغمة الواحدة بثبات ترددها تتعدد في درجات قوتها، مثل تعدد القوة بين صوت الطفل والمرأة والرجل، والنغمة الواحدة هي بمثابة الحرف، ومع نغمتين او أكثر تتشكل الكلمة الموسيقية، ومن جملة الجمل تتشكل المقطوعة الموسيقية الكاملة. وكل جملة موسيقية تساوي أختها اللاحقة في وزن النغم، ومجمل الأنغام في تركيبة الجملة الموسيقية تتشكل على وقع ثابت، مثلما نبض القلب، يختاره المؤلف الموسيقي حسب متطلبات المنتوج الموسيقي المراد إسماعه للناس، وهذا الوقع الثابت هو الميزان الذي يعتمده المؤلف في المقطوعة الموسيقية، ولهذا الميزان حسابات تدخل في علم الرياضيات.
وإذا ما جمعنا في البناء الموسيقي علم الفيزياء وعلم الرياضيات والمنتوج الفني فإننا نجد أنفسنا أمام كيان عظيم جبار يتخطى دائرة الفن ويتعدى سطوح الطرب إلى آفاق رحبة من الجمال الذي ينادي بالفضيلة، وليس عجبًا أن المدارس الموسيقية في ألمانيا تضع الموسيقى في دائرة الفلسفة، وليس في دائرة الفن. الصرح الموسيقي ينتج ثمارًا فنية راقية تتمتع بما يكاد أن يكون الجمال كله، جمال يروض النفس ويفتح أمام هذه النفس السبيل الى الفضيلة والانسانية ومن ثم إلى معالي الروح.
اليونان، يونان الانسان والعلم والفلسفة والأدب والفنون، وقبل ألفين وخمسمائة عام كانت تضع الموسيقى في مناهجها التعليمية وتمزج مادة الموسيقى مع مادة الفلسفة. وربط اليونان المنتوج الفني للموسيقى بأغراض إنسانية متعددة، من مجالات العبادة والأفراح والأحزان وكذلك العلاج. وقبل اليونان كان للموسيقى مكانة مرموقة عند الحضارات التي توالت على أرض الرافدين من سومريين وآشوريين وبابليين، وعند الحضارة الفرعونية الزاخرة بالعلم والطب والفن والنحت والبناء وهم أصحاب علوم مازالت عصية علينا الى يومنا هذا. فلا عجب أن تكون الموسيقى هي صوت الحضارات.
هكذا كان شأن الموسيقى ومازال في المجتمعات المتحضرة التي تسعى بشكل دائم على تطوير حضارتها والارتقاء بإنسانيتها إلى كمال الجمال والفضيلة، وهذا هو مسار الارتقاء والرقي في حياة الإنسان.
إن للموسيقى وقعًا ناعمًا مهذبًا مؤدبًا على النفس البشرية، والنفس التي تتشرب بأنغام الموسيقى ترتقي إلى مراتب النفس الفاضلة. ومن كان يستنكف عن هذه النعمة الفاضلة، نعمة الموسيقى، فقد ظلم نفسه، ومن أراد أن يطعن في هذه النعمة ويجعلها محرمة على الناس أجمعين فقد جاء بإفك عظيم...
فلا أدري من أين جاء نوابنا ا... ل... ك...ر...ا...م بهذه النزوة الفالتة التي لا تنم سوى عن جهل فاضح مفضوح مذموم... يا سادة يا ك...ر...ا...م تعلموا من المثل الشعبي الذي يقول ويعلم «رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه»، وهذا المثل ينطبق عليكم بالكامل والكمال.
اليوم تحرمون الموسيقى، وغدًا تحرمون السلام الوطني، وبعد غدٍ سوف تحرمون موسيقى الشرطة والجيش، والله أعلم ما الذي سينتظرنا منكم بعد كل هذه النزوات التي لا أساس لها، لا أساس ديني ولا علمي ولا أخلاقي...
من أين أتيتم بهذه النزوات المخزية يا نواب يا ك...ر...ا...م...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا