النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10813 الجمعة 16 نوفمبر 2018 الموافق 8 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:37AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

إحياء الأمة العربية

رابط مختصر
العدد 10086 السبت 19 نوفمبر 2016 الموافق 19 صفر 1438

عندما أفكر في الأخطار الكبرى التي تواجه عالمنا اليوم، لا أجد أن المخاوف من الإسلام والتدين بشكل عام مبررة، فالإسلام أكبر بكثير من الخلافات الصغيرة بين السنة والشيعة، أو بين المذاهب والحركات داخله، أو حتى بين «المعتدلين» و«المتطرفين»، وإنما خوفي الأساسي هو على العرب والعروبة.
كإنسان عربي، بل عروبي، أشعر بالألم وأنا أرى حال أمتي اليوم وقد تكالبت عليها الأمم، قوى عظمى مثل الولايات المتحدة وروسيا، ولاعبين إقليميين مثل إسرائيل وتركيا وإيران، وحتى إثيوبيا التي تناوش مصر بشأن مياه النيل، حتى أني أشعر وكأن الجميع من حولننا قد اصطفوا لنهش قطع من أمتنا.
لقد أصبحنا ضعفاء إلى درجة بات بإمكان الجميع استغلالنا، فيما المدن العربية الكبرى مثل دمشق وحلب والموصل وعدن وصنعاء وبنغازي وطرابلس وغيرها تكمن في الأنقاض، ولا أعتقد أن التاريخ سوف يغفر للقادة العرب الذين جروا على دولهم هذا الدمار وأوصلونا إلى الدرك الأسفل من العجز والضعف والهوان.
لقد بدأت أتعب بشدة من أولئك الكتّاب والمحليين السياسيين الذين يعملون على صياغة مقالات طويلة ومملة يحملون فيها روسيا أو إيران أو الولايات المتحدة وغيرها مسؤولية ما يحصل في دولنا من حروب ودمار، فأنا لا ألوم هذه الدول المفترسة التي رأتنا ضعفاء فانقضت تمزق ما تبقى من أجسادنا الميتة المتحللة، فهم يعملون أولاً وأخيرًا وفقًا لمنطقهم القائل إذا لم ينتهزوا هم فرصة التهامنا فسيقوم غيرهم بذلك.
كل من القوى العاتية وتلك الأقل عتوًا عندما ترى طريدة تذبح أمامها سترغب بالتأكيد في قطعة منها، والعالم العربي طريدة كبيرة ووليمة دسمة جدًا!
أنا لا ألوم الأقوياء، لأن الإرادة القوية تستغل دائمًا الضعفاء، وإنما ألوم الضعفاء لأن خوفهم وخنوعهم أوصلهم إلى هذا المستوى المتدني جدًا قلة الحيلة والاكتفاء بتلقي الصدمات، ولم يستخدموا عقولهم وإمكانياتهم كما يجب لتقييم الوضع وفعل شيء حياله.
عندما كنت صغيرًا، تعلمت أن العالم كله مهدًا لأقدامي، وهذا الدرس ملأني على الدوام بالحماس والشجاعة والإقدام، وحتى عندما كنت أخسر كل شيء، أعود إلى أعماق ذاتي وأشحذ همتي وأبدأ من جديد، وأنجح من جديد.
زيارات قمت بها إلى القاهرة وطرابلس وبيروت ودمشق في شبابي أقنعتني أن العالم العربي كان مقدرًا لأشياء عظيمة إذا وقفنا معًا. لقد كان العالم العربي في الخمسينات والستينيات من القرن الماضي موضع إعجاب بل وحسد من العالم المتحضر بسبب السرعة التي كان يتطور فيها ويخطو بثقة نحو مستقبله.
أنا هنا لست في صدد مناقشة ما حدث من أخطاء أودت بنا إلى ما نحن عليه الآن، خاصة وأن هناك من كتب أبحاثًا أكاديمية ومجلدات في ذلك، لكني أظن أن الجواب على هذا السؤال بسيط جدًا.
إن حل هذا الوضع المزري هو من الضخامة والتشعب بحيث لا يمكن توكيل قياداتنا به، فهي مشغولة بإطفاء ما أمكنها من حرائق الأزمات التي ما إن أخدمت واحدة منها حتى عادت واندلعت بشكل أكثر لهيبا واتساعا.
كما أننا رأينا أن الحل لا يعني أبدًا النزول إلى الشوارع لتدمير أنظمتنا السياسية، والسير وراء سراب الربيع السحري الذي لم يوصلنا إلا إلى خريف الدماء والدمار وخسارة مكتسبات سنوات طويلة من التنمية.
أيضا لا يمكننا انتظار المثقفين ليجترحوا لنا الحل في منطقة بات فيها من يستحقون لقب فيلسوف أو مفكر قليلون جدًا.
بدلا من كل ذلك، يتعين علينا جميعا أن نستيقظ ونشخص مشاكلنا بدقة، ونعترف أنه يتعين علينا فعل شيء حيالها، ونبادر إلى مشروع إنقاذ قومي نساهم جميعًا فيه، وأنا لا أدعي أننا يجب أن نفعل هذا من أجل أولادنا، ولكن ربما لأجل أحفادنا.
نحن بحاجة إلى تشخيص وضعنا كمستهلكين فشلوا في معرفة أننا بحاجة أيضا إلى أن نكون منتجين، ومن بيننا من ولد ليرفل في ثروة فاحشة جالسًا مكتوف الأيدي وجاهلاً بجيرانه الذين يموتون جوعًا، ومن بيننا من يظهر أنه مؤمن ورع لكنه يدعو إلى القضاء على كل من يختلفون عنه، ومن بيننا ايضا من يدعي أنه من أكثر المدافعين عن المرأة لكن في تصرفاته وفي قرارة ذاته يريد لها أن تكون مواطنة درجة ثانية، يرفل هو في الملذات فيما تحرم هي حتى من حقها في التعليم أو العمل.
ذات يوم كان هناك ما نسميه «الأمة العربية»، كان موجودًا لأننا شعرنا أننا جزء منه، ونريد أن نسهم في نهضته وإعلائه، وكنا شبابًا مثاليين أرادوا تعزيز توحيد الأمة في مواجهة التحديات، وتحقيق النمو ورفع معدلات الرخاء والتنمية معتقدين أن من حق الجميع التمتع بها.
إن الأمة العربية لا تعني نهاية الدولة الوطنية العربية، بل تعني الإحساس بالانتماء لمجتمع مشترك وقضية مشتركة بين هذه الدول، إنها شعور أننا كنا «كل» أكبر من «مجموع أجزائه».
هذه الأمة العربية لم تعد موجودة عندما تجزأت وحدتها، وأصابنا إما هاجس الفوقية وتمييز أنفسنا عن الآخرين، أو محالة عزل وتحييد كل من نشعر أنه يختلف عنا بالمعتقد أو التوجه داخل مجتمعاتنا.
فشلنا في الاعتراف بأننا كعرب جميعًا جزء من مشروع مشترك يجعلنا أقوى وأغنى من جميع أعدائنا، فانهار حلم العروبة خطوة خطوة، ووصلنا إلى الحالة المزرية التي نعيشها اليوم.
أنا شخصيًا أدين بكل شيء للأمة العربية، ولقد أمضيت حياتي العائلية والمهنية أتشارك في ثمار هذه الشجرة التي كانت عظيمة ذات يوم، ولكنها تبدو الآن قد جفت، بل يبست.
أنا لا أخشى على نفسي، ولا يساورني قلق شديد حيال الجيل القادم، فأينما توجد حياة يوجد أمل، والأمة العربية لديها قوى كامنة ودماء شابة وموارد يمكن أن تجعلها عظيمة مرة أخرى، ولكن فقط عندما تكون هذه الأمة جاهزة للعظمة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا