النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10754 الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:42PM
  • العشاء
    7:12PM

كتاب الايام

الإسلام الغاضب وظاهرة ترامب

رابط مختصر
العدد 10086 السبت 19 نوفمبر 2016 الموافق 19 صفر 1438

جاء فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأمريكية صادمًا لكافة استطلاعات المؤسسات البحثية الأمريكية، ومحبطًا لجميع توقعات المحللين والخبراء السياسيين والإعلاميين، سواء في أمريكا أو في بقية دول العالم، ومزلزلاً لكل القواعد والأعراف السياسية والدبلوماسية، ومفجعًا لمشاعر الملايين في دول العالم وبخاصة في الدول العربية والإسلامية، كل هؤلاء راهنوا بل وأيقنوا فوز المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون التي تتمتع بخبرات سياسية ودولية واسعة لا يتمتع بها المرشح الجمهوري المنافس ترامب، لكن الناخبين الأمريكيين قلبوا جميع التوقعات واختاروا بأغلبية واضحة 289 نقطة للمرشح الجمهوري، مقابل 218 نقطة للمرشحة الديمقراطية... ما الأسباب والعوامل التي جعلت الأمريكيين يفضلون المرشح الجمهوري، المتهم في عفة لسانه وسلوكه، على المرشحة الديمقراطية العفيفة اللسان والسلوك؟!
سيذكر الكتَّاب والمحللون العديد من الأسباب والعوامل والتفسيرات التي رجحت كفة ترامب على كلينتون، لكن أبرزها، حسب ما أتصور، هو الإسلام الغاضب، وهو مصطلح صكه زعيم النهضة التونسي في وصف تنظيم داعش وأمثاله من التنظيمات الإرهابية، هذه التنظيمات العدوانية التي ابتلت بها المجتمعات العربية والإسلامية، بسلوكها الإجرامي المدمر للأنفس والأوطان، استطاعت اختراق الحواجز الأمنية للمجتمعات الغربية والأمريكية، وغزوها في عقر دارها، ونجحت في نشر الفزع والترويع بين مواطنيها، وتهديد أمنها واستقرارها، وضرب مصالحها، وقد ساعد على نجاح هذه التنظيمات الإرهابية في استهدافها المجتمعات الغربية والأمريكية، أن الاستحكامات الأمنية الغربية والأمريكية، رخوة، بسبب تقيدها بمواثيق حقوق الإنسان، وبسبب الفلسفة العقابية الغربية التي تراعي حقوق الجاني بأكثر من حقوق المجني عليه! هذا الضعف الكامن في الأنظمة الديمقراطية الغربية، في مواجهة تهديدات الإسلام الغاضب وأخطاره، استدعى رد فعل غاضب مماثل أو أشد من قبل هذه المجتمعات تجاه نخبها الليبرالية الحاكمة والعاجزة عن حمايتها، لتجد في التيار اليميني الشعبوي المخوف من الآخر، بغيتها وملاذها الذي يوفر لها الحماية والأمن.
ظاهرة ترامب، جزء من ظاهرة أكبر، هي ظاهرة تنامي التيار القومي المتعصب، المتوجس من الآخر الأقلوي أو المهاجر، والذي وجد في مناخ تزايد الخوف المجتمعي، والعجز الأمني مجالاً واسعًا لاكتساب المزيد من الأنصار والمتعاطفين والمؤيدين، ترامب في أمريكا، ولوبين في فرنسا، وأمثالهما في أوروبا، جزء من نخبة سياسية اجتماعية فكرية متصاعدة، استطاعت إقناع المواطنين في أوروبا وأمريكا، بأنها الأقدرعلى قيادة مجتمعاتها والارتقاء بها، والأقدر على حمايتها أمنيًا، بإجراءات أقوى وأنجع وأكثر ردعًا في مواجهة هذا الإسلام الغاضب، من الإجراءات الأمنية المتبعة!
نجح رموز وقادة التوجهات القومية اليمينية، بخطابهم الشعبوي المؤثرعاطفيًا، في كسب الرأي العام في دول أوروبا وأمريكا، وما بريكزيت أو الانفصال البريطاني إلا أحد تجليات نجاح المد اليميني البريطاني المتوجس من الآخر المهاجر على هويته وثقافته واستعلائه، ونجاح ترامب في الوصول إلى سدة الرئاسة الأمريكية بهذا الفارق الملحوظ، ما هو إلا تجلٍ آخر لهذا المد اليميني المتصاعد والذي سيحكم أوروبا غدًا، كردة فعل على عجز أنظمتها في التصدي لتحديات ما يسمى بالإسلام الغاضب!
أخيرًا: يبقى أن نتساءل كما تساءل كثيرون: هل يصح وصف ما يقوم به أتباع داعش والقاعدة وبوكوحرام والتنظيمات الإرهابية الأخرى بأنه منطلق من إسلام غاضب؟!
لا أراه وصفًا صحيحاً، لا دينيًا ولا منهجيًا ولا واقعيًا، أما دينيًا: فأعمال هذه التنظيمات لا تمت إلى الإسلام ولا إلى أي دين بأي صلة، فكيف يوصف بأنه إسلام غاضب؟! أما منهجيًا: فلأن من خرج غضبًا لله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام لظلم وقع عليه أو لإصلاح يجاهد في سبيله، لا يستهدف الأبرياء الآمنين في أماكن تجمعاتهم ومرافقهم الحيوية، والنساء في مأمنهن، والأطفال والطلاب والطالبات في مدارسهم، وأما واقعيًا: فلأن هؤلاء لم يتمردوا وينقلبوا على مجتمعاتهم، كردة فعل على غياب حريات مزعوم، أو عدالة اجتماعية مدعاة، هؤلاء انطلقوا، ومنذ البدء، من منطلقات أيدلوجية معلنة، طلاب سلطة وحكم، يريدون إحياء الخلافة المندثرة، ويسعون لاستعادة أوهام الماضي الذي صوروه مجيدًا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا