النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10815 الأحد 18 نوفمبر 2018 الموافق 10 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

لا تكثر الدوس يا خلي

رابط مختصر
العدد 10083 الأربعاء 16 نوفمبر 2016 الموافق 16 صفر 1438

كانت الجدات تكرر على مسامعنا هذا القول «لا تكثر الدوس يا خلي يملونك، لا أنت بولدهم ولا أنت طفل يربونك».
وهذا القول كان يحتاج منهن إلى تفسير، فقد كن يحذروننا بأن زيارات الآخرين تكون بحساب، وعند الحاجة، وإن البقاء والمكوث عندهم أيضا يكون بمقدار فلا نثقل عليهم ونحملهم فوق طاقتهم، ونقتطع من وقتهم الشيء الثمين..
لم تكن أبواب جيراننا مغلقة، ولم يأنفوا أن نأكل عندهم وجبة، وربما استحسنوا أن ننام عندهم ونبقى نلعب مع أولادهم من هم في أعمارنا، فقد آمنوا واستقر في وعيهم الفطري أننا مثل أبنائهم، ويسعدون أن يروا الجميع تحت نظرهم ورعايتهم واهتمامهم.
قد نتوسع أكثر فتكون هناك زيارات للأهل والأقارب والأصدقاء في مدن البحرين وقراها، وكنا نصطحب جداتنا للمكوث عندهم يومين أو ثلاثة لصعوبة الانتقال وعدم توفر المواصلات بالشكل الذي نألفه اليوم، ومن جهة أخرى لتوطيد العلاقات وتجديد الذكريات، والحديث عن الأهل الماضين الذين رحلوا عن دنيانا وتركوا أطيب الأثر، فكان التواصل الحميمي المباشر هو وسيلتهم قبل أن يصل إلينا الهاتف فينقلنا من حال إلى حال.
وكانوا بفطرتهم أيضا وبإحساسهم المجتمعي يدركون بأن للزيارة وقتًا محددًا وبأن لاحتمال أهل البيت طاقة معروفة ولذلك استخدموا أحيانًا عبارة «أحب الله من زار وخف» أي أنه مرحب بزيارته لكن عليه ألا يثقل على أهل البيت، فتكون زيارته خفيفة مضمونًا وموضوعًا وشكلاً.
في وقتنا الحاضر قلت هذه الزيارات أو تلاشت إلا من رحم ربي، لكننا اليوم نعيش ظاهرة اجتماعية جديرة بالدراسة والتأمل، هي ليست منبتة الصلة عن تقاليد اجتماعية قديمة وموروثة فقد كانت مجالسنا مدارسنا كما يقال وكان لا يخلو بيت من بيوتنا بهندسته القديمة من مجلس هو للعائلة وزوارها وهو أيضا للجيران ولمن يأتي إليهم قاصد من البلاد أو خارجها. فكانت المجالس عامرة خصوصًا طوال شهر رمضان والأعياد والمناسبات السعيدة للأسرة وللجيران غير أن المجالس في مملكة البحرين في أيامنا قد تطورت، وأخذت طابعًا مميزًا، وشهدت نقلة نوعية وشكلية وعلى علماء الاجتماع في بلادنا دراستها والتأمل في معطياتها ومخرجاتها.
فقد أصبحت المجالس في المحافظات الأربع يومية وعلى مدار الأسبوع بحيث يتعذر على المرء ان يقوم بواجب الزيارة لهم جميعًا، والبعض آثر أن يلتزم بزيارة مجلس بعينه لأنه من خلاله سيرى أبناء البحرين الآخرين الذين أخذوا على انفسهم عهدًا بأن يزوروا جميع المجالس، هذا بخلاف شهر رمضان الفضيل الذي تزداد بطبيعة الحال أعداد المجالس، ويعد لها برنامج يوزع على وسائل الإعلام حتى بات الوفاء بتلبية زيارتهم شبه مستحيل.
عمومًا هذه المجالس اليومية أو الأسبوعية في بلادنا هي ظاهرة صحية ففيها تعرفنا على الكثير من الشخصيات واستفدنا من الأفكار والآراء التي كانت تتداول بينهم في الشأن الديني والسياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي والرياضي. وإن كنت شخصيًا قد اقترحت على بعض أصحاب المجالس في المحافظة الجنوبية والمحافظة الوسطى سابقًا بأن نستمع إلى تجارب الرعيل الأول وسيرة حياتهم ومشوار أعمالهم والظروف التي مروا بها وما وصلوا إليه لكي نستفيد من وجودهم ونشعرهم بأهميتهم وأهمية تجربتهم في الحياة فيشعرون بالرضا النفسي ونأنس بحكمتهم علنا نقتدي ببعض ما حققوه في مسيرتهم الطويلة من العطاء الوطني الذي نتشرف ونعتز به، وآمل أن يتواصل أصحاب المجالس في تحقيق هذه الفكرة مع استضافة الشخصيات المؤثرة في مجتمعنا في المجالات المختلفة أسوة بما تقوم به بعض المجالس، فكم نحن بحاجة إلى هذا التواصل المجتمعي وأن يستمع الواحد منا إلى الآخر فنتبادل الأفكار والتجارب ويكون عندنا الحوار الديمقراطي المبني على الاحترام وتقبل الرأي والرأي الآخر ونؤسس لتقاليد وقيم يحترمها المجتمع تسهم في بنائه وتطوره وتثقيف أبنائه.
كانت أنديتنا الرياضية والثقافية والاجتماعية في زمن مضى تقوم بجزء من هذا الدور، وكان الشباب يتوافدون على هذه الأندية وهم بشوق إلى الرياضة والمعرفة والأنشطة الاجتماعية والثقافية المتعددة إلا أن هذه الأندية لم تعد تقوم بهذا الدور إلا في النادر وفي مناسبات محددة، وأصبحت بعض مجالسنا تقوم الآن بجزء من هذا الدور التنويري وإن كان الشباب قلما يحضرون إلى هذه المجالس، الأمر الذي يتطلب منا المراجعة والدراسة والتأمل.
ستبقى مجالسنا مدارسنا وسيظل شعب البحرين متمسكًا بعاداته وتقاليده وأعرافه وحريصًا على تواصله الاجتماعي ساعيًا إلى الألفة والمحبة والتراحم والتكافل.
 وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا