النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10757 الجمعة 21 سبتمبر 2018 الموافق 11 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    7:09PM

كتاب الايام

الانقلاب على أمريكا

رابط مختصر
العدد 10068 الثلاثاء 1 نوفمبر 2016 الموافق غرة صفر 1438

بعد مرور عام على التدخل الروسي العسكري المباشر في سوريا والذي بدأ في (سبتمبر 2015م) بذريعة المحافظة على وحدتها واستقلالها وسيادتها الوطنية ومحاربة أعمال العنف والإرهاب بالقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي شوَّه صورة الإسلام وأعطى الفرصة لقيام تحالف دولي ضده بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ومشاركة فاعلة من عدد من دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك في إطار حملة سياسية وعسكرية استغلتها روسيا لتحقيق أهدافها وأطماعها في منطقة الشرق الأوسط، لابد من حدوث انقلاب دولي في الأزمة السورية.
فمنذ اندلاع الاحتجاجات في مدينة درعا السورية ضد القمع والفساد وكبت الحريات والمطالبة بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية في (مارس 2011م)، لم يعرف العرب كيفية احتواء هذه الأزمة ومعالجة أمرها بمساعدة الشعب السوري لتحقيق أهدافه في إقامة نظامه التعددي الديموقراطي، فكانت الثورة السورية أحد نتائج الربيع العربي.
لقد سارت جامعة الدول العربية في طريق محفوف بالمخاطر بتأييدها لمظاهرات الشوارع التي انطلقت في (سوريا واليمن وليبيا وتونس ومصر) تحت غطاء المطالبة بالتعددية والديمقراطية وحماية حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير، وباء دعمها السياسي بالفشل الذريع، لأن الهدف من تلك المظاهرات أكبر مما كان يتصوره قادة الدول العربية، فالهدف الحقيقي منها هو تنفيذ الخطة الأمريكية المرسومة منذ (أبريل 2005م) بتغيير جميع الأنظمة العربية القائمة دون استثناء وعلى مراحل، وهذا ما تم فعلاً في عدد من الدول، إلى حين أدرك العرب بأن التدخل الأمريكي والأوروبي في شؤونهم الداخلية سيؤدي حتمًا إلى تقويض النظام العربي القائم منذ الحرب العالمية الثانية.
ولكي تستقيم الأطماع، ويستمر التدخل الخارجي الأجنبي في الشأن الداخلي العربي، وجدت روسيا فرصتها العظيمة لتحقيق أهدافها وأخذ نصيبها مما يجري من خلال تدخلها السياسي والميداني العسكري في الأزمة السورية، فتبلورت سياستها في الخطوط الاستراتيجية الآتية:
1. استعادة دورها الدولي والإقليمي المفقود بعد انسحابها من أفغانستان عام (1979م)، وما ترتب عليه من انهيار النظام الشيوعي، والخسائر السياسية والاقتصادية التي تعرضت لها في العراق وليبيا.
2. استغلال الموقف الأمريكي المتردد لحل الأزمة السورية نظرًا لسياسة الرئيس باراك أوباما بعدم التورط العسكري المباشر في سوريا لما سببه التدخل الأمريكي في العراق من نتائج مدمرة، بالعمل على تحويل سوريا إلى قاعدة تحقق بقاء دائما لروسيا في منطقة الشرق الأوسط وتحكمًا إقليميًا مؤثرًا في المنطقة العربية بصورة خاصة.
3. استخدام سوريا كورقة ضغط تستغلها روسيا لحل مشاكلها العالقة مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي على الجبهة الأوكرانية بعد دخول أوكرانيا عضوًا في الاتحاد الأوروبي وما يمثله ذلك من تهديد للأمن الوطني الروسي.

4. زيادة حصة روسيا في سوق السلاح الدولي، باستخدام الساحة السورية ميدانًا مفتوحًا لبيان قدرة وقوة وفاعلية السلاح الروسي من أجل تسويقه في الشرق الأوسط كبديل عن السلاح الأمريكي، والذي أصبح بيعه خاضعًا لاعتبارات عدة منها وضع حقوق الإنسان في الدول، وأقرب مثال على ذلك تعليق الإدارة الأمريكية لصفقة بيع عدد من الطائرات المقاتلة إلى البحرين بعد أن أبلغت الإدارة الأمريكية الكونجرس بأنها (لن تستكمل الموافقة على شراء البحرين ما يصل إلى (19) طائرة مقاتلة من طراز (F-16) من شركة (LOCKHEED MARTIN) حتى تحرز تقدما في ملف حقوق الإنسان).
5. الحصول على النصيب الأكبر من عمليات إعادة بناء ما دمرته الحرب في سوريا بعد انتهائها للتعويض عن خسائرها، حيث تشكل المصالح الاقتصادية هدفا مهما للتدخل الروسي في سوريا.
أعتقد أن على الولايات المتحدة الأمريكية إعادة النظر في موقفها من الأزمة السورية بتعزيز علاقاتها مع حلفائها التقليديين في المنطقة وخاصة المملكة العربية السعودية، والتخلي عما يعكر صفو هذه العلاقات بسبب خططها واستراتيجيتها القائمة على تغيير الأنظمة العربية وخلق حالة من الفوضى والصراعات الطائفية، خاصة بعد التداعيات الأخيرة وزيادة حدة التصريحات وتعليق عدد من الاتفاقيات بينها وبين روسيا، وبعد قيام روسيا بنشر منظومة (S300) الدفاعية في قاعدة طرطوس البحرية السورية في رسالة إلى واشنطن بعدم القيام بأي تحرك عسكري بعد أن حقق التدخل الروسي أهدافه وسط الموقف الأمريكي المتردد، والموقف العربي الذي لم يجد غير البيانات المنددة بعد كل اجتماع لمجلس جامعة الدول العربية، وموقف الاتحاد الأوروبي الذي يعيش في حالة ذهول بعد الانسحاب البريطاني منه والخوف من انتقال عدوى الانسحاب إلى دول أوروبية أخرى. من جانب آخر، فإن على دول مجلس التعاون الخليجي وفي ظل تداعيات الأزمة السورية، وآثارها المدمرة على مستقبل الدول العربية وشعوبها، وانحراف السياسة الأمريكية نحو ما يهدد أمن واستقرار الخليج العربي بعد الاتفاق النووي الإيراني الذي ترتب عليه تقارب أمريكي أوروبي إيراني، أن تدرك بأن أمنها واستقرارها يتطلب انقلابًا خليجيًا على العلاقات الأمريكية، وذلك باستخدام إمكانيات وقدرات دول الخليج المتاحة لتحقيق مصالحها وتثبيت أمنها وأمن شعوبها، وأهمها تقوية الترابط والتحالف الخليجي لدعم منظومة مجلس التعاون بعد مرور أكثر خمسة وثلاثين عامًا على إنشائه باستكمال المواطنة الخليجية التي ستخلق أرضية مشتركة للتفاهم المشترك، وإزالة الحواجز والحساسيات القبلية القديمة، وبناء الثقة للوصول إلى الاتحاد الخليجي الذي سيكون الدرع الواقي من أي أطماع أو تهديدات خارجية، وإغلاق الباب أمام أي ثغرات للتدخل في الشؤون الداخلية الخليجية وخاصة ما يتعلق منها بقضايا حقوق الإنسان التي أصبحت الوسيلة الجديدة لابتزاز الدول وتسييس قضاياها في المحافل الدولية أو من خلال العلاقات الثنائية.
وللوصول إلى ذلك، فإن تنفيذ (رؤية الملك سلمان بن عبدالعزيز) المقرة في قمة الرياض في (ديسمبر 2015م)، والتي جمعت الرؤى والأفكار التي تقدم بها أصحاب الجلالة والسمو خلال مسيرة السنوات الخمس والثلاثين الماضية ولم ينفذ أي منها حتى الآن، هو السبيل الفعلي لتنفيذ مقترح المغفور له خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود بـ (الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد) الذي أعلنه في قمة الرياض في (ديسمبر 2011م)، وذلك عبر التعجيل في إقامة أهم ركائز الاتحاد الخليجي بإمكانية الاتفاق بين عدد من دول المجلس على إجراءات استكمال المواطنة الخليجية الكاملة على أن تتبعها بقية الدول متى ما كان الوقت مناسبًا لها، خصوصًا بعد تعليق بند الاجماع الذي تنص عليه المادة التاسعة من النظام الأساسي للمجلس، ما سيقود المجلس -بلا أدنى شك- على خط الوصول إلى محطة (الاتحاد الخليجي) المنشود.

]  محلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا