النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10759 الأحد 23 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

تحريـر العقــول..!!

رابط مختصر
العدد 10061 الثلاثاء 25 أكتوبر 2016 الموافق 24 محرم 1438

قبل أي برنامج حكومي يستهدف تطوير وتقديم الخدمات الحكومية بجودة عالية وبلوغ انطلاقة جديدة من العمل الحكومي يوفر البيئة المحفزة للإبداع والابتكار والمناخ الداعم لبيئة الأعمال والاستثمار وتعزيز تنافسيتها بكل احترافية، وتحقيق انطلاقة تنموية نوعية ومرحلة جديدة للعمل الحكومي تستوعب متطلبات الحاضر ومتغيرات المستقبل، وغيرها من الأهداف والتطلعات وكل الكلام الكبير والجميل الذي قيل في شأن الملتقى الحكومي الذي انعقد مؤخرًا ووصف بأنه مبادرة استثنائية للارتقاء بمخرجات العمل الحكومي، وخلق إدارة مدركة لدورها، مرنة وفاعلة ومتحررة من الرواسب المزمنة والقيود التي تكبلها، ازاء ذلك لابد من التأكيد على أمر بالغ الأهمية سيكون من الخطأ الفادح تجاهله اذا كنا نسعى حقًا لتحقيق تلك الأهداف، أمر يمكن اختزاله تحت عنوان «تحرير العقول» ودونه نكون كمن يحرث في البحر!
تحرير العقول هو الهدف الأول، وإذا اعتبرنا أن كل الأهداف المعلنة تصب في مجرى الإصلاح الإداري، فإنه علينا أن نفهم بأن الإصلاح الإداري ليس فقط عددًا من المشار يع والبرامج المعدة للتأهيل والتطوير الإداري، بل هو الى جانب ذلك، وربما قبل ذلك يتضمن اقتلاع ثقافة سائدة وبناء ثقافة بديلة تعتمد على زرع أفكار الإنجاز والمبادرة والابتكار والإبداع؛ لأن الإدارة المكبلة، أو العاجزة، أو عديمة الكفاءة، او الهرمة، او المتضخمة او المتكلسة، او الخاضعة لمواقع النفوذ والتي تخدم أصحاب الحظوة والمحاسيب والمحسوبيات والولاءات التي تضرب في الصميم قواعد الجدارة والاستحقاق، هذه الإدارة التي سمحت للبيروقراطية ان تتفشى وتفتح ابوابًا لإعاقات ومعوقات مفتعلة، هذه الإدارة لا يمكن أن تقود الى تغيير، ولا يمكن لمن كانوا وراء القصور او العجز او الفشل او الخلل ان يقودوا اي عملية إصلاحية في الإدارة الى النجاح، والعقول التي جرتنا الى خيبة الأمل والإحباط لا يمكن أن تذهب بنا الى التفوق والنجاح والعصرنة والى الدور الجديد المفترض للإدارة الحديثة والفاعلة بإنسانها ونصوصها وطرقها وأساليبها ومفاهيمها.
 ليس من الحكمة تجاهل ذلك وليس من الحصافة استسهال التعقيدات التي يمكن ان تحصدها تلك الأهداف ما لم يلازم ذلك نقلة نوعية في العقلية الإدارية المؤهلة، هي حجر الزاوية والقادرة على تنفيذ عملية النهوض بالإدارة الحكومية وبلوغ تلك الأهداف، والعقول التي قد تلبس ثوبًا جديدًا وتستخدم أدوات جديدة وتتحدث بلغة جديدة وتساير التوجهات الجديدة المعلنة، وتؤكد بأنها حليف استراتيجي لهذه التوجهات والأهداف، ولكن بالعقلية القديمة، العقلية التي لم تعجز فقط عن توفير البيئة المحفزة للتطوير والإبداع والابتكار والخدمات ذات الجودة العالية، بل علاوة على ذلك فاقمت من السلبيات وحرمتنا من فرصة التحديث الحقيقي وكانت في حالات كثيرة منبعًا الهدر الحقيقي للأموال والإمكانات والطاقات وتطفيش الكفاءات، وهذه النوعية ممن يتصدرون واجهة المسؤولية في مواقع إدارية شتى التعامل معها او إعطائها الفرصة مضيعة للوقت ولن يكون إنجازها سوى التعثر والإخفاق على ارض الواقع الحي، الأمر الذي قد يفضي الى إعادة انتاج الأوضاع المراد تغييرها وربما بشكل أسوأ!!
نخلص إلى أن تحرير العقول هدف يجب أن يخرج من مجرد كونه مطلبًا، أو أمنية، أو شعارًا قد يقتنع به الوزراء وأصحاب القرار الى فعل حقيقي على كل مسارات العمل العام، في جميع المجالات والقطاعات، ولن تكون هناك جدوى وقيمة وفاعلية ومردود من تبني سياسات او توجهات او إصدار تشريعات وقرارات تخدم عملية النهوض بالواقع الإداري دون وجود عقول متحررة من البيروقراطية ومن التفسير الضيق للقوانين واللوائح والنظم وقادرة على تحديث الإدارة، إدارة تقوم على الشفافية والإجراءات الميسرة والتي لا لبس فيها ولا غموض ولا تعقيد ولا ازدواجية في المهام والصلاحيات، إدارة تدرك بأنه مثلما الطموحات العالية مشكلة فان الإحباطات الشديدة مشكلة أكبر، لا تستبعد عنصر الوقت عند دراسة المشكلات والانتظار حتى تتفاقم، ولا تستخدم المسكنات او الحلول الجزئية لبعض جزئيات المشاكل، إدارة تقوم على أساسيات وثوابت ترتكز عليها ألا تفاجئنا كل يوم بقرار جديد او توليفة من الإجراءات التي يدفع ثمنها المواطن والتاجر والمستثمر، إدارة تعرف ترتيب الأولويات، لا تتمسك بالمظهرية ولا تطلق شعارات تفوق قدراتها وتفرغ هذه الشعارات من مضمونها لتصبح بلا معنى، ولا تطرح استراتيجيات او مشاريع لا ترفع المعنويات ولا تحقق مردردًا على أرض الواقع سوى إشاعة الفشل والإحباط، إدارة لا تتعامل بحساسية شديدة من ذكر المشكلات ويكون كل كفاءتها النكران والمكابرة والالتفاف، ولا تتعامل بنظرة جزئية للمشكلات ولا تستغرق في الفرعيات، عقلية لا تحول المشكلات والعيوب الى مصائب، قادرة على خلق منظومة قيم من الجدية والأمانة والنزاهة والشفافية ولا تتهاون ازاء اي انحرافات او رشاوى لا تحت الطاولة او فوقها، ولا خلف الأبواب او عبر وكلاء، ولا تتردد في المساءلة والمحاسبة، إدارة وراؤها عقلية لا تجعل من يوجه لها ملاحظة او نقد او شكوى مشكوكًا في نواياه مهما كان نقده وجيهًا ومنطقيًا ومطلوبًا!!
بإيجاز شديد، ما نحتاجه هو استيعاب أن أي تغيير او تطوير حقيقي يحتاج الى عقول جديدة، عقول تبدع في كل مجال، نحتاج الى روح مختلفة، وثقافة ليست موجودة لا تغفل عنصر الوقت وتؤمن بأن صناعة المستقبل لا تحتاج الى تنظير، ولا تنتظر توجيهات عليا، ولا تعليمات عن بعد، ولا نمطية تقليدية في العمل، ولا تعاني من بيروقراطية تعجز عن فهم التحديات ورصد التغيرات والتنبوء بمتطلبات المستقبل.. لا يكفي ان نرفع شعارات وأهداف التغيير وبناء المستقبل الواعد قبل الوقوف على مقدار الخلل الذي أصابنا، قبل مواجهة النظم والانساق القيمية السلبية التي سادت وتغلغلت في المجتمع، وقبل ان نضع حدًا لكل هؤلاء الذين لا يمتلكون اي كفاءة في كثير من مواقع العمل والمسؤولية سوى كفاءة ترويض الفشل والمراوحة والإبقاء عليهما.
التحدي الحقيقي ان تبعث مخرجات الملتقى روحا جديدة في الاداء الحكومي على السطح وفي الاعماق وتمكن اصحاب الكفاءه ان يكونوا في الصدارة دوماً.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا