النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10755 الأربعاء 19 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

الموقف المصري في مجلس الأمن الدولي وأسبابه

رابط مختصر
العدد 10054 الثلاثاء 18 أكتوبر 2016 الموافق 17 محرم 1438

وصف مندوب المملكة العربية السعودية الدائم لدى الأمم المتحدة الموقف الذي اتخذته مصر -العضو العربي بمجلس الأمن الدولي- بتأييدها مشروع القرار الروسي الأخير بـ «المؤلم»، وذلك خلال جلسة مجلس الأمن الطارئة التي عُقدت بتاريخ (8 أكتوبر 2016م) لبحث الأوضاع في سوريا بعد تحذيرات المبعوث الأممي من احتمال تدمير الأحياء الشرقية من مدينة حلب بالكامل خلال الأشهر المقبلة إذا ما استمرت الغارات الجوية (الروسية السورية) بالكثافة التي تشهدها حالياً، ولم ينل هذا المشروع العدد الكافي من الأصوات لإقراره، حيث وافقت عليه (روسيا، الصين، فنزويلا، مصر)، بينما رفضته (بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية).
وبحكم عملي السابق كدبلوماسي عملتُ طويلاً في الأمم المتحدة، لا أعتقد أن الدبلوماسية المصرية العريقة تجهل الموقف الذي كان عليها اتخاذه، وهي الممثل العربي في مجلس الأمن وتربطها بالمملكة العربية السعودية خصوصاً ودول مجلس التعاون عموماً، علاقات قوية وتاريخية ساعدتها على تجاوز الفترة الصعبة التي هدَّدت دورها ومكانتها كدعامة رئيسة من دعائم الأمن القومي العربي، إذ كان على مصر أن تقف ضد ذلك المشروع أو تقف على الحياد منه على أقل تقدير انسجاماً مع الموقف الدولي ومع التوافق العربي، وخصوصاً أنها تعلم جيداً بأن روسيا ستستخدم حق النقض (الفيتو) ضد مشروع القرار الفرنسي الداعي إلى وقف إطلاق النار في حلب، وفرض حظر فوري للضربات الجوية وطلعات الطائرات الحربية فوقها، وإيصال المساعدات الإنسانية دون عراقيل إلى السكان المحاصرين، وبذلك الفيتو سقط مشروع القرار الذي كان من المؤمَّل أن يسهم في تخفيف المعاناة الإنسانية التي يعانيها سكّان مدينة حلب السورية.
ويُعدّ هذا الفيتو هو الخامس الذي تستخدمه روسيا ضد المشاريع المقدَّمة لإنهاء النزاع في سوريا، حيث تحوّل الفيتو إلى (مصيبة) حلَّت على العالم، ويعتبر سببًا مباشرًا لاستمرار الصراعات والحروب والإرهاب، وسبب رئيس لعدم التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية رغم مرور أكثر من ستين عاماً عليها في أروقة الأمم المتحدة بسبب (الفيتو) الذي استخدمته الإدارة الأمريكية أكثر من (40) مرة؛ ما تسبَّب بإحباط الشارع العربي وقيام حرب (1967م) وحرب (1973م) لتحرير فلسطين والأراضي العربية المحتلة، وبروز حزب الله الإرهابي في لبنان الذي استخدم شعار (مقاومة الاحتلال الإسرائيلي) كغطاء لتنفيذ أهداف ثورة الخميني، ونشر التشيع في الوطن العربي ومَـدّ النفوذ والهيمنة الفارسية على الدول العربية التي أكَّدها الواقع والتصريحات الإيرانية المتكررة، ومنها تصريح الأمين العام لجمعية أنصار الثورة الإسلامية والنائب في البرلمان الإيراني (علي رضا زاكاني) المقرَّب من المرشد الأعلى للجمهورية في (4 فبراير 2014م) بأن (ثلاث عواصم عربية هي بغداد ودمشق وبيروت في قبضة إيران، وأن صنعاء هي العاصمة العربية الرابعة تحت القبضة الإيرانية).
إلى جانب ظهور المنظمات الإرهابية المتعددة كداعش وجبهة النصرة وغيرهما، وما قامت به من أعمال قتل وعنف وإرهاب بعيدة كل البعد عن القيم والمبادئ الإسلامية السمحة.
وعودٌ على بدء، لماذا اتخذت جمهورية مصر العربية هذا الموقف الغريب والغامض عند التصويت على مشروعي القرارين الفرنسي والروسي؟
لقد برَّر المندوب المصري الدائم لدى الأمم المتحدة ذلك الموقف بأن (القاهرة تؤيِّد كل الجهود الهادفة إلى وقف معاناة الشعب السوري، وأنها صوتَّت بناءً على محتوى القرارين وليس من منطلق المزايدات السياسية التي تعيق عمل مجلس الأمن)، واتهم الدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن (الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبريطانيا والصين) بأنها السبب الرئيس في فشل المشروعين نتيجة الخلافات بينهم.
وبحسب قراءتي لواقع الأحداث؛ أرى بأن هذا التصريح ليس سوى توضيح دبلوماسي لما وراء الموقف المصري من حسابات سياسية ودبلوماسية تتلخَّص في الآتي:
- توجّه تدريجي نحو تغيير الموقف المصري السياسي تجاه سوريا، قائم على التطورات العسكرية والنجاحات الميدانية التي حقّقها النظام في حلب بدعم من (روسيا وميليشيات إيران وحزب الله الإرهابي)، الذي ترى القاهرة بأنها ستؤدي إلى استعادة كافة الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة؛ لذلك أوجدت لها خط رجعة يساعدها في تحسين صورتها أمام النظام السوري، وجسر يمهِّد لإعادة لفتح قنوات العلاقات العربية السورية من جديد بما يعزز موقفها كقائدة للعمل العربي المشترك. وانطلاقاً من ذلك فليس بمستبعد أن تركّز الدبلوماسية المصرية جهودها لإعادة سوريا إلى مقعدها في مجلس جامعة الدول العربية؛ على اعتبار أن الحل السياسي أصبح الورقة الوحيدة المتبقية والرابحة لحل الأزمة السورية، وإنهاء معاناة الشعب السوري بعد هزيمة المعارضة عسكرياً في حلب وغيرها.
- ساعد التردد الأمريكي لحل الأزمة السورية، والتحالف الأمريكي الروسي لضرب المعارضة السورية تحت غطاء محاربة إرهاب داعش، نحو مزيد من التقارب بين (الموقف المصري) و(الموقف الروسي السوري)؛ خاصة مع ثبات الموقف الروسي من الأزمة السورية، وانعكاس ذلك -كما تتصور القاهرة- على تطوير العلاقات (المصرية - الروسية) خاصة ما يتعلق منها بالسماح للسيّاح الروس بالسفر إلى مصر، إلى جانب تأجير روسيا لقواعد عسكرية مصرية -حسبما تناقلته الأنباء- ستعزز الدور المصري في الاستراتيجية العسكرية الروسية في منطقة الشرق الأوسط بعد انتهاء الأزمة السورية. كل تلك العوامل ساعدت على التحول الاستراتيجي في السياسة المصرية تجاه سوريا.
ومما لاشك فيه فإن الموقف المصري سينعكس سلباً على العلاقات العربية المصرية على مختلف الصعد، وبالأخص مع الدول التي لها وقفات تاريخية داعمة لمصر كالإمارات والبحرين والسعودية التي عبَّرت عن خيبة الأمل الشديدة عندما وصفته بـ «بالمؤلم»، خصوصاً وأنه لم يضع في حساباته الدعم المالي الكبير الذي قدَّمته دول الخليج العربي لتقوية الاقتصاد المصري الضعيف، وعلاج ما تتعرَّض له العملة المصرية من هبوط شديد، وتجنب الآثار المترتبة على قرار تعويم الجنيه المصري الذي أتُخذ منذ (مارس 2016م) لإنقاذ الاقتصاد المتردي والقضاء على مشكلة نقص احتياطي العملة الأجنبية، إلى جانب ندرة الدولار في السوق المصرية بسبب الأوضاع الأمنية وتراجع قطاع السياحة الذي يجلب عائدات سنوية تصل إلى (12 مليار دولار)، ويشكَّل مصدر أساسي في الدخل القومي.
والآن، وبعد اختلاط أوراق الأزمة السورية بسبب تداخل المصالح الدولية والإقليمية والتي يدفع ثمنها الشعب السوري، والتطورات الجارية في اليمن، والتصعيد الدولي ضد دول التحالف العربي بعد قصف مجلس للعزاء في صنعاء يوم (8 أكتوبر 2016م) الذي انتهى تحقيق قيادة قوات التحالف الحيادي والقياسي في أسبابه إلى أن (قيادة الجيش اليمني قدَّمت معلومة مغلوطة بوجود قيادات حوثية مسلحة في موقع محدد في مدينة صنعاء؛ وعلى إثرها أجاز مركز توجيه العمليات الغارة دون الحصول على إذن قيادة التحالف).
وقيام الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح وحلفائه الحوثيين بالدعوة إلى زيادة التصعيد العسكري ضد المملكة العربية السعودية، وتداعيات الملف النووي الإيراني الذي أعطى إيران الضوء الأخضر لمد نفوذها وسيطرتها على المنطقة العربية، والتصعيد الروسي باتخاذ ميناء طرطوس السوري قاعدة دائمة للأسطول البحري، تبقى الحقيقة المؤلمة بأن هناك تغييراً جليّاً لقواعد اللعبة السياسية التي مضى عليها أكثر من خمسين عاماً، وأن العرب وبسبب انقساماتهم وتشتتهم يمرون بمرحلة قاسية من تاريخهم الحديث قد تؤدي في الفترة القادمة إلى إعادة رسم الحدود الجغرافية السياسية في منطقة الشرق الأوسط بما يتفق والمصالح الدولية الكبرى دون غيرها.
] المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا