النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10756 الخميس 20 سبتمبر 2018 الموافق 10 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

قلــــبي علــــــى ولـــــدي

رابط مختصر
العدد 10048 الأربعاء 12 أكتوبر 2016 الموافق 11 محرم 1438

رحم الله جدتي لأبي لطيفة بنت عامر الذوادي فقد كانت دمعتها على خدها دائما، وكانت تقضي جل وقتها اما في الطبخ أو الاعتناء بنخيل بيت جدي في الجسرة أو في «سف» خوص النخيل لتصنع منها «السفر». هواية تهدي بعضها إلى الأهل والبعض منه ترسله للسيدات اللاتي يذهبن إلى سوق الأربعاء فيبعنه لها بروبيات قليلة لشراء بعض مستلزمات البيت.
كانت رحمها الله عندما تمر بها ضائقة أو يكدر خاطرها أمر تستشهد بالأمثال أو بالأقوال المأثورة، أو بما تحفظ من الشعر، خصوصا عندما يغيب عنها الأبناء أو عندما تتذكر عمتي شمة الله يعطيها الصحة والعافية التي تزوجت من ابن عمها المرحوم صالح بن علي الذوادي طيب الله ثراه وسكنوا عند الأهل هناك في دارين بالمنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية.
كان من بين ما تحفظ الشعر الذي مطلعه:
حمام تاروت ما مروا عليك طيراني طير محني وطير أريش العين.
وتاروت أو جزيرة تاروت هي في المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية وكانت بها عيون ماء ونخيل واشتهر فيها «حمام تاروت» وكان بينها وبين دارين طريق زراعي جميل زرته أول مرة في الخمسينيات من القرن الماضي عندما استقلينا «اللنج».
من فرضة المنامة إلى فرضة الخبر ومن هناك أخذنا النقل العام إلى دارين بصحبة جدي محمد بن صالح الذوادي يرحمه الله.
كانت الجدة لطيفة تردد على مسامعي ذلك القول: «قلبي على ولدي، وقلب ولدي على الحجر» ولم أكن استوعب وأنا الطفل الصغير ذلك، وأحسبه من الأقوال التي هكذا تقال من غير مناسبة معينة ومع الوقت بدأت تشرح لي الغرض من هذا القول؛ فقد كانت تقول: «إن الأم يا ولدي مهما كبر أبناؤها وربما تزوجوا فإن قلبها يظل معلقا بهم، يريد أن يطمئن عليهم، ويسأل عنهم في الصغيرة والكبيرة في حلهم وترحالهم، بينما الأولاد أو البنات قد يكونون ساهين، تشغلهم الحياة وظروفها، وتقلب الأيام بحلوها ومرها وهم قد لا يشعرون بشعور أمهم التي لا تغمض لها عين أو يطيب لها خاطر إلا عندما تطمئن أن أبناءها بخير».
كذلك تمضي الجدة في تفسيرها قائلة «يا بني ستدرك حر الأولاد عندما تكون إن شاء الله أبًا لأبناء أو أحفاد عندها ستدرك كم هو غال وعزيز الضنى»، فعلاً أتذكر دائمًا قول الجدات والأجداد الذين كانوا يرددون على مسامعنا الصغيرة تلك الهواجس والآلام والشعور بخوف الفقد والضياع فمهما كبرنا وتفرقت بنا السبل وارتبطنا بأسرة وأولاد وبيوت فإن شعور هؤلاء الآباء والجدات والأجداد لنا بأننا مازلنا صغارًا نحتاج إلى العناية والاهتمام والسهر والاطمئنان علينا ليلاً ونهارًا.
نعم نحن شرقيون ونعتز بشرقيتنا لأننا نسمع أن هذا الشعور ليس موجودًا أو على الأقل ليس بالحدة في الغرب مثلما هو عندكم أنتم الشرقيون، قد يكون هو كذلك عند شعوب أخرى لكننا فطرنا على التعلق بالأبناء والأحفاد وعقيدتنا الإسلامية الغراء أكدت على أن «الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً» سورة الكهف الآية 46.
ونحن في مجتمعاتنا الشرقية نؤمن بالأسرة الممتدة التي يطلق عليها علماء الاجتماع في عصرنا هذه التسمية.
فقوة الأبناء بعلمهم وجهدهم وعرقهم وحسن خصالهم وصفاتهم وشمائلهم تقوي الأسر ويكونون مدعاة لفخر آبائهم وعندما يشق الأبناء طريقهم في الحياة ويكونون فاعلين في عطائهم لمجتمعهم فإن المجتمعات تقوى وتزداد الأواصر فيما بينهم وبالتالي تقوى البلدان والأمم بطاقة الشباب وقدرتهم على التفاعل مع المتغيرات وتبقى اللحمة الأسرية هي الأساس وهي اللبنة الأولى للمجتمع.
نعم كان الأجداد و الآباء بفطرتهم مدركين مسؤولياتهم تجاه أبنائهم و أحفادهم، و لا يجب أن نلومهم إن هم قلقوا على أبنائهم، و سهروا الليالي الطول من اجل ضمان سلامتهم و عودتهم إلى حضن الوطن إن تغربوا لأسباب طلب العلم أو لأسباب أخرى..
وإننا لنعجب الآن ونحن نسمع ونقرأ بما تمليه التشريعات الأممية في حقوق الطفل، والعنف الأسري وضرورة الالتزام بالقوانين الوضعية في مثل هذه الظروف، ونغض النظر عن التعاليم العقيدية والقيم والأعراف والتقاليد التي التزمت بها مجتمعاتنا منذ الأزل في المحافظة على الأطفال والسهر على راحتهم وبناء الأسرة على الحب والتفاهم والتعاون والتضامن صحيح ان هناك للأسف الشديد تقصيرات تحدث بسبب أو لآخر أو لظروف استثنائية إلا أن المسؤولية تقع علينا جميعاً كآباء ومربين وأصحاب عقيدة وفكر ومؤسسات دينية أو تربوية أو اجتماعية؛ فماذا نقول لأطفال شردوا وتغربوا وتيتموا وهجروا؟! ألا يتحمل الضمير الإنساني الأممي مسؤوليته؟!، أين تلك القوانين الوضعية التي تبنتها المنظمات الدولية وسوقت لها في بلادنا وبلاد غيرنا؟!! هل نكيل بمكيالين؟! هل ما عندهم غير ما عندنا؟!
نعم أعود إلى ما آمن به مجتمعنا وأتمسك بما كان يمليه على أجدادنا وآبائنا ضميرهم الإنساني الرفيع وشعورهم بأن، «قلبي على ولدي».
وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا