النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10817 الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 الموافق 12 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

كفانــــا دلـــع

رابط مختصر
العدد 10044 السبت 8 أكتوبر 2016 الموافق 7 محرم 1438

للرئيس الأمريكي السابق جون كينيدي جملة شهيرة يخاطب فيها أبناء بلده: «لا تسأل عما يمكن أن تقدمه لوطنك، بل اسأل نفسك أنت عن الذي يمكن أن تقدمه لوطنك»، وفي السياق ذاته يقول الأديب اللبناني العالمي جبران خليل جبران «ويل لأمة تأكل ما لا تزرع، وتلبس ما لا تحيك».
من الصعب قياس مساهمة كل فرد فينا في نجاح أمتنا، ولكن الإنتاجية الوطنية في النهاية ليست أكثر من مجموع جهودنا المشتركة.
لقد خلقنا الله لننتج، ولنعمر هذه الأرض، حالنا كحال باقي مخلوقاته الحية، ولطالما أعجبت بالتنظيم الذي يبديه النحل والتفاني الذي يعمل فيه للحافظ على الخلية والانتاج، وكذلك ينظم النمل نفسه بدقة حتى يتمكن من الحفاظ على الانتاجية، أيضا الحيوانات المفترسة لا يأتيها صيديها بسهولة، وحتى عندما يلاعب الحيوان أطفاله فإن هذا اللعب لا يأتي من فراغ وإنما مهم جدا من أجل تقوية العضلات والبقاء على قيد الحياة.
في هذا الوقت لا يمكنني إلا أن أعبر عن صدمتي وحزني عندما أقرأ دراسة صادرة عن وزارة العمل في المملكة العربية السعودية ذكرت أن انتاجية الموظف الحكومي هناك لا تتعدى ساعة واحدة في اليوم، في حين أنها تصل في المعايير الدولية إلى 7 ساعات، وبالمناسبة هذه ليست اول دراسة تشير إلى انخفاض معدل الإنتاجية لدى الموظف، ونخلص منها إلى نتيجة مفادها أن الموظف الحكومي يحتاج إلى اسبوعين حتى ينجز ما ينجزه موظف آخر في يوم واحد، أو بمنعى آخر نتحاج إلى 8 أو 9 موظفين حكوميين حتى ينتجون ما ينتجه موظف واحد خلال عد الساعات نفسها!.
إن الاعتقاد الراسخ في منطقتنا حول أن القطاع العام يجب أن يكون قطعة الاسفنج التي تمتص العمالة الفائضة في سوق العمل أضر كثيرًا باقتصادنا وحتى بنظمنا السياسية، ويصبح التوظيف في القطاع العام لا يعتمد على الاحتياجات الفعلية لتسيير مصالح الدولة والناس، وإنما مجرد وسيلة لتوزيع عوائد أموال النفط على المواطنين، وهكذا يصبح لدينا قطاع عام متضخم متبلد ثقيل الحركة يعمل بأقل من 15% من طاقات كوادره.
ورغم الانفتاح على الاقتصاد العالمي، وقوانين العمل الحر، يجب أن تبقى الأولوية للمواطن حتى في الوظائف، وذلك لإتاحة مجال أكبر أمام بقاء خير البلد في البلد، ولكن يجب أن نضمن أن تؤدي السعودة أو البحرنة أو الكوتتة إلى الحفاظ على معدلات الانتاجية كما هي -إنما لم نقل زيادتها- وليس العكس.
في أجواء العمل الصيحة تطبق نماذج ومعايير عالمية للانتاجية، بحيث يعرف كل موظف في المؤسسة ما هي المهام المطلوب إنجازها وبما يتفق مع إمكانياته ووصفه الوظيفي، ودوره في تحقيق الأهداف الكبرى في المؤسسة، والمديرين الجيدين يعرفون كيف يستخرجون أحسن ما في موظفيهم، وهم في ذات الوقت لديهم صلاحيات التنبيه وحتى التسريح إذا لزم الأمر.
قد يعتقد البعض أن التطبيق الصارم لتلك المعايير في المؤسسة سيؤدي إلى نشر الخوف بين الموظفين، لكن العكس هو الصحيح، حيث أن تفعيل الموظفين ورفع انتاجيتهم من شأنه رفع مستوى رضاهم الوظيفي، وزيادة حظوظهم في الترقية والحصول على المكافآت.
الفساد آفة الآفات، لكن هل هناك آفة يمكن أن تفوقه في آثارها المدمرة على الاقتصاد والمجتمع؟ نعم، إنها آفة الهدر، ويمكن القول إن الهدر هو فساد مقنن، أو فساد أبيض إن جاز التعبير، وما يراكم مشكلة الهدر هي البيروقراطية والبطالة المقنعة وعدم تأهيل الموظف وتحديد المواصفات القياسية للموظف، فيما نجد أن دولا ركزت على رأس المال البشري والاستثمار فيه كاليابان وماليزيا ونجحت في ذلك عن طريق المحور التعليمي ومخرجاته.
نعيش الآن مرحلة تولي جيلاً من القادة الشباب في الخليج العربي ملفات كبرى يغلب عليها الطابع الاقتصادي، ويتمثل هذا الجيل في صاحب السمو الملكي الأمير حمد بن سلمان آل خليفة ولي العهد في مملكة البحرين، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد في المملكة العربية السعودية، ونظراء لهم في الصف الأول من القيادة في دول الخليج العربي الأخرى.
يحمل هذا الجيل من القادة طموحات كبرى لتعزيز النهوض بأوطانهم ومواجهة التحديات، ولديهم رؤى واضحة مرسومة متكاملة. هذه الرؤى تضع تنمية المواطن في صلب اهتمامها، ولا يمكن لها أن تنجح كما يجب إلا في حال شاركنا جميعا في تحقيقها.
وإن التوجه الذي أعلنه سمو ولي العهد الأمير سلمان بن حمد آل خليفة في الملتقى الحكومي الأخير بشأن تسريع عملية الاعتماد على القطاع الخاص في توفير الخدمات فيما تكتفي الحكومة بدور المنسق يضع العربة على السكة الصحيحة، ولا شك أنه يتطلب اتخاذ اجراءات ربما تكون مؤلمة، لكنها في ذات الوقت تضع حدًا لاعتبار القطاع العام مكانًا للباحثين عن الأمان الوظيفي المستدام دون اعتبار للإنتاجية.
أصل أخيرًا إلى القول إن القاعدة الأولى التي يجب أن نضعها نصب أعيننا إذا أردنا تثبيت أقدامنا أكثر في رمال هذا الشرق الأوسط المتحركة هي أنه يتوجب علينا المزيد من العمل، كل في موقعه، أما القاعدة الثانية فهي ألا ننسى القاعدة الأولى مطلقا حتى ولو عادت الرياح لتجري بما تشتهي سفننا.


*الرئيس التنفيذي لمجموعة بروموسيفن القابضة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا