النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10814 السبت 17 نوفمبر 2018 الموافق 9 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27AM
  • المغرب
    4:48AM
  • العشاء
    6:18AM

كتاب الايام

المحطات الثلاث المهمة في تاريخ البحرين

رابط مختصر
العدد 10040 الثلاثاء 4 أكتوبر 2016 الموافق 3 محرم 1438

خلال حديثه في الملتقى الحكومي الذي عقد بتاريخ (18 سبتمبر 2016م) ذكر سمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة نائب رئيس مجلس الوزراء ثلاث محطات مهمة في تاريخ البحرين المعاصر وهي: تأكيد استقلال البحرين عام (1971م)، وقيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام (1981م)، وإنهاء الخلاف الحدودي مع دولة قطر الشقيقة عام (2001م).
وتعتبر المحطات الثلاث إنجازات وطنية مهمة تحققت مع تأسيس الدولة الوطنية الحديثة في عهد المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، وحددت مسار مملكة البحرين ونهجها واستراتيجيتها لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وهي إنجازات لم تأتِ من فراغ، بل كان ورائها رجال دولة صاحبوا تلك المرحلة وعانوا وبذلوا من الجهد الكثير لجعل التحديات محفزات للتقدم بقيادة مهندس الاستقلال ورجل الدولة الأول صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس مجلس الوزراء.
لقد شاءت الأقدار أن أكون شاهدًا على المحطات الثلاث، ومعاصرًا لكل تفاصيلها، وقريبًا من أصحاب القرار، ويعيدني شريط ذكريات تلك الفترة إلى دروس الولاء والوطنية والاخلاص والالتزام، التي تجسدت جميعها في تلك الأحداث المهمة من تاريخ البحرين المعاصر الذي سطرت مراحله قيادات فذة ورجال عظام.
من وجهة نظري فإن المحطة الأولى تعد من أصعب محطات تاريخ البحرين، كونها حددت مصير شعب عكس إيمانه واحترامه لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة التي تدعو إلى حل الخلافات والنزاعات بين الدول بالطرق السلمية، ذلك الشعب الذي أراد أن يقدم للعالم ثقافته العربية الأصيلة وإيمانه الراسخ بالتسامح وقبول الآخر كأساس لبناء الحضارة الإنسانية.
فعبر تاريخها، تمكنت البحرين من الوصول دومًا إلى حلول سلمية لقضاياها الداخلية والإقليمية، لتكون سبب رئيس في تثبيت دعائم أمن واستقرار منطقة الخليج العربي التي تعرضت منذ ثمانينيات القرن الماضي إلى حروب وصراعات ومحاولات سعت جميعها إلى إبعادها عن مسار التطور والتنمية.
فبعد انسحاب بريطانيا من شرق السويس عام (1968م) والذي أعطى الولايات المتحدة الأمريكية الضوء الأخضر لتحل محلها كضامن لأمن الإمارات المترامية على رمال الخليج الساخنة والتي كان عليها أن تدخل عالما جديدا بعد استقلالها في السبعينيات، وجدت البحرين نفسها أمام إيران الشاه (بوليس الخليج) والقوة الإقليمية الكبرى التي كانت تدعي بأن البحرين جزء من الإمبراطورية الشاهنشاهية، وكانت وراء فشل مفاوضات قيام (الاتحاد التساعي) بين البحرين وقطر ومشيخات الساحل المتصالح بسبب الضغط الذي مارسته طهران على إمارات الساحل المتصالح بعدم قبول البحرين عضوًا في الاتحاد، وما تبع ذلك من زيارات واجتماعات سرية في جنيف بين البحرين وإيران، انتهت باقتناع إيراني بعروبة البحرين، احتاجت إيران على إثره لمخرج تستطيع من خلاله إقناع شعبها بالحقيقة بعد سنوات من الادعاءات الباطلة، فتم الاتفاق بين البلدين على إجراء تقصي للتحقق من رغبات شعب البحرين، الذي أكدت نتائجه القاطعة عروبة البحرين كدولة مستقلة ذات سيادة ورفع علمها في الأمم المتحدة عام (1971م).
أما المحطة الثانية فقد تمثلت في قيام (مجلس التعاون لدول الخليج العربية) والذي كان صاحب فكرة انطلاقته المغفور له صاحب السمو الشيخ جابر الأحمد الصباح أمير دولة الكويت، وكانت الخشية من تداعيات الحرب العراقية الإيرانية التي اشتعلت في (سبتمبر 1980م) هو الدافع الأساس لقيامه، ولقد عشت لحظة بلحظة كواليس الاجتماعات التحضيرية لبحث النظام الأساسي للمجلس في (الرياض والطائف وخميس مشيط)، وشهدت إدراك قادة مشيخات الخليج الصغيرة لحجم المسؤولية التاريخية والتحديات والمخاطر التي تواجههم أمام المد (البعثي العربي) في العراق وسوريا، و(القومي العربي) في مصر، و(الشيوعي) في اليمن الديمقراطي، و(الثورة الخمينية) في طهران والتي لم تكن أهدافها معروفة وواضحة آنذاك، إلا أنهم أدركوا بأن العلاقات الخليجية الإيرانية التي بدأت دخول معترك الدبلوماسية الدولية والمصالح السياسية لا يمكن أن تستمر وتزدهر في ظل احتلال الجزر الإماراتية الثلاث الدال على الأطماع الإيرانية الهادفة لأن تكون لها اليد العليا والنفوذ والسيطرة في منطقة الخليج الغنية بالثروات النفطية الهائلة وما تتميز به من موقع استراتيجي يتحكم بخطوط الملاحة الدولية.
لقد استطاع وزراء خارجية دول مجلس التعاون آنذاك (صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الصباح، والمغفور له سمو الأمير سعود الفيصل، وسمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة، ومعالي أحمد خليفة السويدي، والشيخ أحمد بن سيف آل ثاني، ومعالي يوسف بن علوي عبدالله) أن يأسسوا لقيام مجلس التعاون بعد اجتماعات مكثفة ومفاوضات طويلة ومعقدة لحرصهم على ألا تثير بنود النظام الأساسي للمجلس غضب عراق صدام حسين وإيران الخميني، لذلك كان لتسميته (مجلس التعاون) مقصد بأن المجلس ليس منظمة (سياسية)، لتشهد المنطقة ميلاد (مجلس التعاون لدول الخليج العربية) بتوقيع القادة المؤسسون على نظامه الأساسي في القمة الخليجية الأولى التي عقدت في مدينة أبوظبي بتاريخ (25 مايو 1981م)، واختيار الرياض مقرًا له، والدبلوماسي الكويتي رئيس بعثة الكويت في نيويورك عبدالله يعقوب بشارة أمينا عاما، واستطاع المجلس خلال سنواته الـ (35) وبتماسك قادته أن يواجه الكثير من التحديات ويحقق الكثير من الإنجازات من أجل الوصول إلى التكامل المنشود وتحقيق المواطنة الخليجية الكاملة التي هي الطريق إلى قيام الاتحاد الخليجي.
أما المحطة الثالثة فتمثلت في إنهاء الخلاف الحدودي مع دولة قطر الشقيقة عام (2001م) والذي كاد أن يتسبب بانهيار منظومة مجلس التعاون عندما أصرت دولة قطر في القمة الخليجية التي عقدت في الدوحة عام (1990م) على ضرورة إيجاد حل لخلافها مع البحرين حول جزر حوار واعتباره البند الوحيد على جدول أعمال القمة التي كان أمامها حدثا أكثر أهمية آنذاك وهو الاحتلال العراقي للكويت، ونتيجة للإصرار القطري على عدم مناقشة أي موضوع آخر قبل بحث الخلاف، انسحب صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس مجلس الوزراء ورئيس الوفد البحريني لولا تدخل المغفور له الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود والتقييم الواعي لسمو رئيس الوزراء وإدراكه لضرورة تنحية أي خلافات جانبًا في سبيل بحث التداعيات الخطيرة للاحتلال العراقي على الكويت الشقيقة.
إلا أن ما تم التوصل إليه في الدوحة أصبح مصدر خلاف حاد بين البلدين، بعدما قامت دولة قطر في (يوليو 1991م) برفع دعوى منفردة أمام محكمة العدل الدولية استنادا إلى تفسيراتها بأن قرار قمة الدوحة يجيز لها ذلك إذا لم يتمكن الوسيط (المملكة العربية السعودية) من حل الخلاف في غضون ستة أشهر، في الوقت الذي كان موقف البحرين يقوم على ان ما تم الاتفاق عليه في الدوحة بأن اللجوء إلى المحكمة الدولية يجب أن يتم بتوافق الطرفين لرفع الدعوى لمحكمة العدل الدولية إذا لم يتمكن الوسيط من حل الخلاف بينهما.
وبكل تلك التداعيات بدأت المرحلة الاولى لتتبعها المرحلة الثانية والمهمة التي كلف بها سمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة وزير الخارجية آنذاك، وقاد سموه فريق البحرين لمتابعة الخلاف في محكمة العدل الدولية بنجاح بفضل خبرته واتصالاته ورحلاته المكوكية ومتابعته المستمرة وتقديمه الأدلة والبراهين والوثائق العثمانية والبريطانية والهندية الدامغة التي استخرجها الفريق القانوني من مصادرها الرئيسية وساعدت على إصدار المحكمة حكمها النهائي الملزم وغير القابل للاستئناف في (مارس 2001م) وانتهى إلى أن جزر حوار جزء لا يتجزأ من البحرين، وبذلك انتهى الخلاف البحريني القطري، وتوج ذلك النصر المحطة الثالثة من تاريخ البحرين الحديث في ظل العهد الزاهر لصاحب الجلالة الملك المفدى، وفتح الطريق لعودة الدفء للعلاقات البحرينية القطرية وتفعيل العلاقات الأخوية بين البلدين وإنشاء اللجنة العليا المشتركة للتعاون برئاسة وليي العهد، والتي أكدت في أول بيان لها على العمل على توفير الآليات الجديدة للتعاون، وكان أهمها إنشاء مؤسسة جسر البحرين وقطر، والتوقيع على اتفاقية إنشاء (جسر المحبة) والعديد من الاتفاقيات التي تصب في صالح التعاون التجاري والاقتصادي والاستثماري والدبلوماسي.
ومن خلال قراءتي للأحداث الراهنة في المنطقة والعالم، أرى أنه قد تضاف إلى المحطات الثلاث التي تناولها سمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة في حديثه خلال الملتقى الحكومي محطة تاريخية رابعة ستتطلق في (ديسمبر 2016م) باستضافة المنامة للقمة الخليجية، والتي تعقد وسط حالة توتر وصراعات وحروب وأخطار محدقة بدول مجلس التعاون، تتطلب مواجهتها تظافر الجهود لحماية المكتسبات الخليجية التي تحققت خلال سنوات عمر المجلس بالعمل على:
- تنشيط وتفعيل الخطط والاستراتيجيات التكاملية والوسائل العملية المقبولة التي تمكن المجلس من تعزيز المواطنة الخليجية للوصول للاتحاد الخليجية للتصدى لما يقوم به الأصدقاء قبل الأعداء من ممارسات وتدخل واضح ومستفز في شؤونها الداخلية باستغلال شعارات حماية حقوق الإنسان التي أصبحت ثوبا فضفاضا.
- العمل بجد للتغيير التدريجي نحو المشاركة الوطنية في الحكم بإنشاء المجالس النيابية والبلدية المنتخبة كمرحلة أولى في طريق بناء المجتمع الخليجي القائم على المساواة والعدالة وتطبيق القانون على الجميع دون تمييز.


المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا