النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10761 الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 الموافق 14 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

كل وقت ما يستحي من وقته

رابط مختصر
العدد 10034 الأربعاء 28 سبتمبر 2016 الموافق 26 ذي الحجة 1437

عبارة كنا نسمعها على لسان الأجداد والآباء كلما تغير الجو بين صيف وشتاء وبالكاد نعرف في بلادنا الربيع والخريف، هذه العبارة تقول: «كل وقت ما يستحي من وقته» وهي عبارة دقيقة ومعبرة وترضي من يتبرم من حر الصيف، وبرد الشتاء ولذلك فقد كان للصيف ملابسه وإجراءاته وخيراته أيضًا، كما كان للشتاء ملابسه وإجراءاته وبالقطع خيراته، والناس كانوا قنوعين بما تفرضه أقدار الزمان وتقلب الأجواء.
وكعادة الأمثال أو الأقوال أو الحكم الشعبية في مجتمعنا فهي تنصرف إلى أمور حياتية أخرى فقد أطلقوا هذا القول على كثير من المتغيرات الحياتية أو الاجتماعية أو الاقتصادية قناعة منهم أنه لكي تستقيم الحياة ويتوازن الناس مع أنفسهم أولاً ومع الآخرين فلابد أن يجدوا من العبارات والصيغ ما يدخل في نفوسهم الطمأنينة والاستقرار ويتوازنون مع المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، فكانت هذه العبارة لا تطلق فقط على التغيرات المناخية ولكنها أصبحت تطلق بشكل أوسع خاصة من أولئك الذين خبروا الحياة وامتلأت تجربتهم بالمعطيات الكثيرة وعاشوا وتعايشوا مع المتغيرات، فأصبحت هذه العبارة ماثلة في أذهانهم، اطمأنوا إليها وتعايشوا معها وتدخل في نفوسهم الطمأنينة والقناعة والرضا، فبدلاً من القول الذي يزيد ويستزيد ويدخل في النفس الكدر والغصة والضيق والتذمر، فإن هذه الكلمات تذيب الجليد وتخلق التوازن وتزيل الغضب والحنق وتجعل مجالات التأمل واردة في حل الكثير من المشاكل.
قد نواجه في حياتنا الكثير من المنغصات وقد نواجه التغير في المفاهيم والعادات والتقاليد، وبالتأكيد قد نواجه مشكلة تتعلق بطبيعة الفروق بين الأجيال، وهذا مربط الفرس، إذ علينا أن نقر بأن التغيير في سرعة الإنجاز والحرص على التغيير في أنماط السلوك دائمًا نجد أن هناك مكانًا للأخذ والرد. كنا في جلسة تباينت فيها الفروق العمرية بين المشاركين في مهمة وطنية، فالبعض كان يأخذ على الشباب رغبتهم في سرعة الوصول إلى أعلى المراكز من دون عناء، بينما أنبرى آخر بأن وصف الشباب بعدم الشعور والإحساس بالمسؤولية، بينما لام آخر عدم احترام الشباب لمن هم أكثر منهم خبرة وتجربة، وعدم استعدادهم للتعلم من الآخرين. هذه الآراء وغيرها تجاه الشباب من أجيال سبقتهم ذكرتني بأيام شبابنا عندما كنا نذهب إلى المقاهي المنتشرة في فرجاننا بالمدن والقرى، وكنا نسمع من الرجال الذين يترددون على هذه المقاهي ممن هم طبعًا يكبروننا سنًا بمراحل نفس الآراء ونفس الملاحظات والانتقادات مع الفارق في المعطى الحضاري، فلم تتواجد عندنا طبعًا الهواتف النقالة ولا وسائل التواصل الاجتماعي المعهودة حاليًا في زماننا، ولكننا كنا نسمع منهم تخوفات حول مستقبلنا ومستقبل بلادنا، وكانوا قلقين علينا إذ لم يكن بيننا وبينهم حوار، ولم يفتحوا قلوبهم لنا، ولكننا كنا نستمع إليهم وهم يروون قصة كفاحهم وتعبهم وسهرهم على لقمة العيش، والظروف القاسية التي مروا بها، والمنغصات التي تعرضوا لها وضيق ذات اليد، وقلة الحيلة ويكررون على مسامعنا بذلهم وعطاءهم وحرصهم ولا مانع من استعراض بطولاتهم كل ذلك من أجل أن نتعلم منهم ولعل فيما يقولونه ما يرسخ في أذهاننا ونقتدي به، بل نتعلم منه الكثير، وليتهم أدركوا ما يطلق عليه التربويون في زماننا أهمية مراعاة الفروق الفردية بين الناس.
ولكنهم بلا شك كانوا رسل خير، بل كانوا حريصين علينا وعلى مستقبلنا وإن كانوا في قناعة أنفسهم وبحكم تربيتهم الدينية الفطرية يؤمنون بالقضاء والقدر خيره وشره، وكانوا على قناعة راسخة بأن الله سبحانه وتعالى لا يريد إلا خيرًا لعباده، وإن الخالق جلا وعلا لا يضيع عباده، ولكنهم كانوا يشعرون بواجبهم الفطري بضرورة الخوف والخشية على الأجيال التي تأتي بعدهم. تغربوا، سافروا، طرقوا أبواب الرزق في كل مكان، حافظوا على بلادهم، عاشوا لمجتمعهم، صانوا القرابة، راعوا حق الجار، التزموا بموجبات المواطنة، نبذوا الفرقة، والخصام، عاشوا ليومهم تكافلوا من أجل مجتمعهم، حرصوا على الخلفة، آمنوا بأن الكون لا يعمر إلا بكثرة الأبناء والأحفاد وبأن الرزق بيد الله تعالى، لكنهم خافوا على الأبناء وكانوا حريصين على أن نتبع خطاهم مع قناعتهم بأنهم لا يودون أن نقاسي ما تعرضوا هم له في حياتهم.
إنها معادلة صعبة، لكنهم بعد أن شعروا بأن التعليم كانت فيه الفائدة اطمأنت قلوبهم وإن كانوا ليسوا معنيين بالمراحل الدراسية التي تحن فيها أو قطعناها مع إيمانهم بأن التعليم أفضل شيء هم وثقوا به.
هل نحن اليوم كآباء وأجداد نقلق مثلما هم قلقوا؟! هل نطمئن إلى سلامة المناهج التعليمية في مدارسنا الحكومية والخاصة؟! هل من حقنا أن نتدخل في خياراتهم؟!
أحسب أننا نشعر أنه من مسؤوليتنا أن نوفر لهم التعليم المناسب، وأن نضمن لهم استقرار وأمن الوطن، وأن نحرص على وحدة المجتمع وتكاتفه وتعاونه وأن نبذل الغالي والنفيس من أجل عدم شعورهم بالنقص والحاجة والعوز والأهم أن نشعرهم بالتوازن مع أنفسهم ومجتمعهم و أن نؤمن بما آمن به أسلافنا: «بأن كل وقت ما يستحى من وقته».
وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا