النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10759 الأحد 23 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

(قانون جاستا) الخيار الأمريكي الصعب للعلاقات السعودية الأمريكية

رابط مختصر
العدد 10033 الثلاثاء 27 سبتمبر 2016 الموافق 25 ذي الحجة 1437

دخلت دول مجلس التعاون في خط المواجهة مع الصديق والحليف الأمريكي الذي ترتبط معه بتعاقدات ومصالح استراتيجية تتجدد يومًا بعد يوم خصوصًا في ظل ما تعانيه المنطقة من تدهور أمني وتفاقم لنشاط التنظيمات الإرهابية المختلفة، وذلك بإقرار الكونجرس الأمريكي لقانون (العدالة ضد رعاة الإرهاب) والمعروف باسم (قانون جاستا)، والذي يهدف إلى توفير العدالة لضحايا الأعمال الإرهابية التي ترتكب على الأراضي الأمريكية وتوفير الغطاء القانوني لأهاليهم لإقامة دعاوى قضائية أمام المحاكم الأمريكية ضد الأشخاص أو البلدان المشتبه في تمويلهم لتلك الأعمال، وهو يختلف عن قانون الإرهاب السابق الذي كان يسمح لضحايا الإرهاب الأمريكيين برفع الدعاوى ضد الدول المصنفة رسميًا من قبل وزارة الخارجية الأمريكية كدول راعية للإرهاب كإيران وسوريا، والتي ليست من بينها المملكة العربية السعودية.
فقد أصدرت عدد من دول مجلس التعاون والأمين العام للمجلس والأمين العام لجامعة الدول العربية بيانات عكست القلق البالغ من إقرار القانون الذي سوف يؤسس لسابقة خطيرة في العلاقات الدولية وسيهدد استقرار النظام العالمي لما سيترتب عليه من أضرار اقتصادية عالمية كبيرة، وسيحمل بواعث للفوضى وعدم الاستقرار في التعاملات الدولية، وسيتيح للدول الأخرى الفرصة لإصدار قوانين مشابهة ستؤثر سلبًا على الجهود الدولية لمحاربة الإرهاب، كما أنه يتناقض مع ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي وأسس العلاقات الدولية التي تقوم على مبادئ المساواة في السيادة وحصانة الدول والاحترام المتبادل وعدم فرض القوانين الداخلية لأي دولة على الدول الأخرى.
وحسب النظام فقد رفع القانون لمصادقة الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي استخدم يوم الجمعة الماضية (23 سبتمبر 2016م) حق النقض (الفيتو) لعدم تمريره وذلك لأسباب ذكرها في رسالته الموجهة إلى الكونجرس وتضمنت المبررات الآتية:
• يحيد القانون عن المعايير والممارسات المعمول بها منذ فترة طويلة تحت قانون الحصانة السيادية للدول الأجنبية، ويهدد بسلب الإجراءات القضائية من جميع الحكومات الأجنبية في الولايات المتحدة، بالاعتماد فقط على المزاعم.
• سوف يزعزع القانون المبادئ الدولية القائمة منذ فترة طويلة بشأن الحصانة السيادية، ويضع مكانها قوانين إن طبقت على الصعيد العالمي ستكون لها تداعيات خطيرة على المصالح الوطنية الأمريكية.
• من شأن رفع الحصانة السيادية عن الحكومات الأجنبية (التي لم يتم تصنيفها كدول راعية للإرهاب) في المحاكم الأمريكية أن يهدد بتقويض المبادئ التي حمت الولايات المتحدة وموظفيها منذ فترة طويلة.
• يمكن للقانون تشجيع الحكومات الأجنبية للعمل على أساس المعاملة بالمثل والسماح لمحاكمها المحلية لممارسة الولاية القضائية على الولايات المتحدة، ما سوف يؤثر على الأصول الأمريكية المملوكة في الخارج لتلبية تلك الأحكام، وينبئ بعواقب مالية خطيرة.
• ستكون للقانون تداعيات خطيرة على علاقات الولايات المتحدة الأمريكية مع شركائها وسيؤثر على تعاونهم في قضايا الأمن الوطني الرئيسية بما في ذلك مبادرات مكافحة الإرهاب في وقت حاسم يسعى فيه الجميع إلى بناء التحالفات وليس خلق الانقسامات.
• القانون يقوض مصالح الولايات المتحدة الأمريكية ولا يسهم في حمايتها من هجمات مستقبلية.
ويتضح من سياق رسالة الرئيس أوباما الموجهة إلى الكونجرس والتي ضمنها مبررات رفضه لقانون جاستا الآتي:
1. عدم رغبة الرئيس أوباما في مزيد من التدهور في العلاقات السعودية الأمريكية وهدم آخر جسور التواصل وبناء الثقة بين البلدين في ظل ما يواجهه الاقتصاد الأمريكي من أوضاع صعبة بهدف ضمان بقاء الأصول والسندات وأذون الخزانة والأوراق المالية السعودية المختلفة والتي تصل إلى ما يقارب (750 مليار) دولار.
2. التخوف من قيام بعض الدول بسن قانون مشابه على الأفراد والساسة والجنود الأمريكيين الذين شاركوا في أعمال عنف وقتل وتعذيب وإبادة، كما حصل لسكان مدينة هيروشيما اليابانية في الحرب العالمية الثانية، وإبادة الشعب الفيتنامي، وتعذيب السجناء العراقيين في سجن أبو غريب، والمعتقلين في معتقل غوانتانامو.
إلا أن استخدام الفيتو الرئاسي لا يمنع الكونجرس من إصدار القانون إذا ما أقره مجددًا مجلسا الشيوخ والنواب بغالبية الثلثين، وهو أمر غير مستبعد في ظل هيمنة الجمهوريين على المجلسين، كما أنه قد يوافق عليه مباشرة الرئيس الأمريكي القادم وذلك تنفيذًا لتعهداته الانتخابية لضمان الفوز بالرئاسة.
ولتفسير إقرار الكونجرس الأمريكي لهذا القانون والذي أعد ضد المملكة العربية السعودية تحديدًا، ولمعرفة تطورات الموضوع لابد من استعراض الحقائق الآتية:
• إثر هجمات (سبتمبر 2001م) الإرهابية في نيويورك شكل الكونجرس الأمريكي لجنة لتقصي الحقائق، لبحث وجمع أكبر قدر من المعلومات حول تخطيط وتمويل وتنفيذ تلك الهجمات، وانتهت اللجنة إلى تقرير فاق (800) صفحة.
• قررت إدارة الرئيس السابق جورج بوش حجب الفصل الأخير من التقرير والمكون من (28) صفحة عن الجمهور لأسباب تتعلق بالأمن القومي، ليستمر محاطًا بجدار من السرية حتى عهد الرئيس باراك أوباما، ويتناول ذلك الفصل بزعم الإدارة الأمريكية دور المملكة العربية السعودية في هجمات (سبتمبر 2001م)، وظهر الجدال بشأنه في (أبريل 2016م) مع مناقشة الكونجرس لمشروع قانون (العدالة ضد رعاة الإرهاب - قانون جاستا).
• في (15 يوليو 2016م) أعلن رئيس وكالة المخابرات المركزية الأمريكية رسميًا بأن الصفحات المحجوبة من التقرير برأت السعودية من هجمات (سبتمبر 2001م)، وكشف بأنها ستتاح للعامة بعد أن وافقت وكالات الاستخبارات وأجهزة إنفاذ القانون ووزارة الخارجية الأمريكية على نشرها.
• ظهرت ادعاءات بوجود (80.000) وثيقة جديدة سرية بحوزة مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي عرفت باسم (قضية ساراسوتا) وتتعلق مجددًا بدور المملكة العربية السعودية في هجمات (سبتمبر 2001م).
وبقراءة متأنية لتطورات الأحداث وتجدد الادعاءات والمزاعم الأمريكية بشأن علاقة المملكة العربية السعودية بهجمات (سبتمبر 2001م) يمكن استنتاج أن الأهداف من كل ذلك هي:
• الابتزاز والحصول على تعويضات مالية ضخمة لتعويض شركات وبيوتات المحاماة التي تبنت رفع الدعاوى وضخت أموالاً طائلة لإثارة الرأي العام الأمريكي للضغط على الكونجرس لإصدار القانون.
• إبقاء الأصول السعودية الضخمة تحت رحمة القضاء الأمريكي، لضمان عدم سحب الحكومة السعودية لأصولها أو استخدامها ضد المصالح الأمريكية مهما كانت الظروف، خصوصًا بعد اعتماد السعودية لسياسة (التوجه شرقا)، والتي ترجمتها زيارات ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى الصين والتوقيع على مجموعة كبيرة من الاتفاقيات في مختلف المجالات تقوم في مجملها على أساس تعزيز العلاقات السعودية الصينية، وسوف تتبعها زيارات أخرى إلى روسيا والهند ترى الإدارة الأمريكية فيها تهديدًا لنفوذها في الخليج العربي الذي يعتبر عصب الامدادات النفطية لكافة أنحاء العالم خصوصًا بعد فشل انتاج النفط الصخري كبديل لنفط الخليج والشرق الأوسط بسبب ارتفاع تكلفة إنتاجه في ظل تهاوي أسعار النفط في الأسواق العالمية.
والآن، تقف العلاقات الخليجية الأمريكية التاريخية والاستراتيجية التي مضى عليها أكثر من خمسين عامًا أمام مفترق طريق، بعد أن ازدادت توترًا بسبب إقرار الكونجرس لقانون جاستا، والدعم الأمريكي اللا محدود لتغيير الأنظمة الخليجية القائمة في إطار تنفيذ خطة (الثورة الخلاقة) التي أعدتها وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس في (أبريل 2005م) لتشكيل الشرق الأوسط الجديد كردة فعل مباشرة لهجمات (سبتمبر 2001م)، وبعد ضرب مصالحها مع حلفائها التقليدين في المنطقة عرض الحائط بالتوقيع على الاتفاق النووي الإيراني في (يوليو 2015م) والذي فتح لإيران أبواب المنطقة العربية على مصراعيها، فأصبحت العراق وسوريا ولبنان في دائرة النفوذ الإيراني الكامل، وصارت للأقلية الحوثية في اليمن اليد العليا في تقرير مصيره، وتحولت مياه الخليج الدافئة إلى ملعب للزوارق الحربية الإيرانية لاستعراض قوتها وإبراز نفوذها وتأكيد دورها في المنطقة، وتغذيتها للصراع الطائفي في البحرين والكويت والسعودية، وتسييسها لموسم الحج واستغلاله لخدمة مصالحها السياسية الخبيثة القائمة على أهداف الثورة الخمينية، والإضرار بالمملكة العربية السعودية والنيل من مكانتها الدولية والإقليمية بالدعوة لتشكيل هيئة دولية إسلامية لإدارة الحج بهدف شق صف الأمة الإسلامية.
وفي ظل المعطيات الحالية وتطورات الأحداث الجارية وما سبقها من تغيير استراتيجي واضح في السياسة الأمريكية الهادفة إلى إسقاط الأنظمة الخليجية عمومًا، فإن على دول مجلس التعاون منفردة أو مجتمعة تأسيس قنوات جديدة للتعاون مع الجانب الأمريكي وتكوين (لوبي خليجي في الكونجرس الأمريكي) على الفور من خلال التمويل السخي للحملات الانتخابية الأمريكية في إطار خطة عملية واضحة تهدف إلى التأثير على قرارات الكونجرس لصالح دول مجلس التعاون خصوصا في (كيفية التعامل مع الرؤية الأمريكية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان والمساهمة الوطنية في إدارة شؤون البلاد ورعاية مصالح المواطنين)، وذلك لحماية سيادتها الوطنية واستقلالها وتعزيز علاقاتها ومصالحها مع الولايات المتحدة من أجل مستقبل أفضل للجانبين.
المحلل السياسي للشؤون
الإقليمية ومجلس التعاون.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا