x
x
  

مقالات - قضايا

العدد 10028 الخميس 22 سبتمبر 2016 الموافق 20 ذي الحجة 1437
 
 

عكرت الغارة التي شنّتها قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة يوم الأحد الموافق 18 سبتمبر 2016 التي استهدفت قاعدة عسكرية سورية، مياه العلاقات الأمريكية - الروسية المتوترة. فقد أدى ذلك إلى تبادل الاتهامات بين واشنطن وموسكو، وتهديديات بشأن مستقبل الهدنة الهشة القصيرة، المتفق عليها من أجل إدخال المعونات للمناطق السورية.
انعكس ذلك في جلسة مجلس الامن، التي عقدت يوم الاحد، والتي فشلت «في التوصل لقرار حول الغارة الامريكية على دير الزور، فيما شهدت تلك الجلسة الطارئة التي عقدت، على خلفية مقتل عناصر من الجيش النظامي في هذا القصف، تبادل الاتهامات والانتقادات الشديدة بين الجانبين الروسي والأمريكي».


فبينما بادر مبعوث روسيا لدى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين إلى اعتبار أن الهجوم يضع علامة استفهام كبيرة جدا بشأن مستقبل الهدنة، (مضيفًا أنه) أمر مثير للشكوك أن تختار الولايات المتحدة هذا التوقيت بالذات لتوجيه ضرباتها الجوية... (مؤكدًا) أنا أعتقد أن هذا لم يكن مصادفة خاصة وأن الغارة تأتي قبل يومين فقط من دخول الترتيبات الأمنية الروسية الأمريكية حيز التنفيذ، سارعت الخارجية الروسية، إلى التحذير، في تهديد مباشر لواشنطن من «أن الاستفزازات العديدة من قوى المعارضة السورية وانتهاكات نظام وقف إطلاق النار قد تؤدي إلى انهيار الاتفاقيات الروسية – الأمريكية».


لكن تشوركين، إدراكًا منه لحساسية الموقف، وتعقد مسالك الأزمة السورية، لم يشأ أن يوصد الباب كلية في وجه عودة الجميع إلى طاولة المفاوضات، فسارع إلى القول بأن موسكو ترى أن هناك «ضبابًا وتشوّشًا حول من هو صاحب القرار الحقيقي في الإدارة الأمريكية.. إذ أننا لا نعلم من اتخذ مثل هذا القرار الذي يشكل مغامرة متهورة أهو البيت الأبيض؟ أم البنتاغون؟ منوهًا بأن واشنطن تحاول حماية جماعات إرهابية في سورية، منها جبهة النصرة».


من جانبها اختارت واشنطن طريق التصعيد الإعلامي، مرافقًا للتصعيد العسكري، فأعطت التحالف الذي تقوده الضوء الأخضر كي يعترف بأن «طائراته شنت هجومًا على شرقي سوريا». وعلى نحو مواز اكتفت بالاعتذار عن «أسفها عن مقتل الضحايا بصورة غير متعمدة»، (مضيفة) «إن طائرات التحالف أوقفت ضرباتها لدى إبلاغها بوجود القوات السورية في المنطقة».
لكنها عادت، وبشكل موازٍ كي تنتقد على لسان مندوبة الولايات المتحدة سامنثا باور «روسيا بسبب دعوتها لاجتماع عاجل في المجلس، وهو ما وصفته بأنه مغرض وينم عن النفاق، (مضيفة) في تصريحات للصحفيين إن روسيا بالفعل بحاجة إلى وقف سعيها لتسجيل نقاط سياسية رخيصة والتفاخر واستخدام الحيل والتركيز على الأمور المهمة، وهو تنفيذ شيء تفاوضنا بشأنه بنية طيبة معهم».


تثير تلك الهجمات وردود الفعل السريعة والغاضبة بين الطرفين مجموعة من التساؤلات وراء الدوافع التي حدت بالولايات المتحدة إلى القيام بها أولاً، وردود الفعلية الروسية الغاضبة والحادة ثانيا. على انه قبل تشخيص الأسباب الكامنة وراء ذلك الهجوم، لا بد من التأكيد على حقيقة واضحة وضوح الشمس وهي أن الأمر لم يكن فعلاً عفويًا أو إجراء خاطئًا، لأسباب كثيرة ليس هنا مجال سردها. يثبت ذلك، بشكل جلي، ردة الفعل الأمريكية.


أول ما تشير له تلك الهجمات هي أنها بمثابة رسالة واضحة من الأمريكان موجهة لموسكو مباشرة تحذرها من استغلال أي بوادر لرجحان كفة موازينها على أرض المعركة لانتزاع مكاسب غير مقبولة لصالح المحور السوري - الإيراني، وان واشنطن ما يزال بين يديها من الأوراق العسكرية التي بوسعها أن تضعها على طاولة المفاوضات، ومن شأنها ترجيح كفة حلفائها. هذا يعني - كما يبدو - أن هناك خلافًا روسيًا - أمريكيًا على مفاصل خارطة طريق إعادة ترتيب البيت السوري من الداخل، وأن هذه الاختلافات جوهرية وليست شكلية كما توهم البعض بعد الاتفاق على هدنة وقف إطلاق النار.


ثاني تلك الاحتمالات هو ان هناك عقبات تقف في وجه الاتفاق الشامل بشأن إعادة رسم حدود خارطة الشرق الأوسط الجديد، مصدرها الاختلاف على توزيع الحصص، ليس، بالضرورة، بين الفرقاء الدوليين، ولكن بين الحلفاء الإقليميين. فقد جرت تحولات نوعية كبيرة في مشهد التحالفات الإقليمية في المنطقة خلال الأشهر القليلة الماضية، لعل الأبرز فيها كان وضع حد للتوتر بين تل أبيب وإسطنبول من جانب، وتعكر نسبي /‏ طفيف، لم يطفو على السطح بعد في العلاقات الإيرانية - العراقية، وهناك التقارب الملحوظ بين موسكو والرياض، الذي لا يسر واشنطن ولا حتى دوائر تحالفاتها.


ثالث هذه الاحتمالات، وهو ضئيل الحظ نسبيًا، أن واشنطن وتل أبيب أحستا باقتراب نضج الطبخة، وأن حصة الأخيرة لن تكون مرضية لها، ومن ثم جاءت تلك الغارة المفاجئة كي تغطي على الغارات الجوية الإسرائيلية الأخيرة على مواقع لمدفعية الجيش النظامي في الجولان المحتل، وما تلي ذلك من «إعلان وسائل إعلام رسمية سورية عن قيام جيش النظام بإسقاط طائرة حربية إسرائيلية وطائرة دون طيار خلال تلك الغارات»، ونفي الجانب الإسرائيلي لتلك الخسائر. الغارة الأمريكية تغطي على العدوان الإسرائيلي وتبيح لها إعطاء تل أبيب الكرسي الذي تريده على طاولة المفاوضات.


في مجمل الأحوال ستكشف الأيام المقبلة أن الغارة الأمريكية لم تكن خطأ، وأن وراءها الكثير من المقاصد السياسية التي ستترك آثارها عميقة على مستقبل المنطقة السياسي. الملفت للنظر هنا هو ذلك النشاط الإعلامي والسياسي الإيراني الذي أعقب الحادث، والصمت العربي الخجول الذي ساد إثره. 


فقد بادرت طهران على لسان المتحدث الرسمي باسم الوزارة الإيرانية، بهرام قاسمي باعتبار «هذا الفعل الذي تزامن مع هجوم تنظيم (داعش) الإرهابي، يدل على الدعم الأمريكي للجماعات الإرهابية في سوريا كما يعتبر الفعل انتهاكًا للسيادة السورية».
وبالمقابل لم نقرأ أو نشاهد، باستثناء الموقف السوري وهو أمر متوقع، أي موقف عربي يشخص الغارة أو يصفها، دع عنك شجبها او تبريرها.


زائر
عدد الأحرف المتبقية
   =   

تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة
  إقرأ في عدد اليوم
  الأيام "واتساب"

المواضيع الأكثر قراءة

هل تراقب ابنك - ابنتك في كيفية إستخدام وسائل التواصل الإجتماعي؟