النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10756 الخميس 20 سبتمبر 2018 الموافق 10 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

قراءة في كتاب «أحداث فبراير - مارس 2011»

رابط مختصر
العدد 10019 الثلاثاء 13 سبتمبر 2016 الموافق 11 ذي الحجة 1437

الكتاب من تأليف الصديق الدكتور يعقوب يوسف الجناحي، والعنوان الكامل للكتاب هو «أحداث فبراير - مارس 2011 وتفاقم أزمة اليسار في البحرين»، والكتاب صدر حديثا (2016)، فالكتاب من عنوانه يقرؤ ويفهم، فمع الأحداث التي عصفت بالمجتمع البحريني تلازمت معها مسارات متعددة، مختلفة إلى مستويات التناقض الحاد، فالمؤلف لا ينظر الى الأحداث بمعزل عن آثارها العميقة في جسم المجتمع بمختلف إتجاهاته وبالأخص في جسم اليسار، وأخص الأخص يسار «جمعية المنبر التقدمي» الذي استقال المؤلف من قيادتها في 30  يونيو 2011، فقد كان في جسم الجمعية وهو أدرى بمدى تأثير الأحداث فيها وتفاعل الجمعية مع تداعيات وتبعات أحداث 14 فبراير 2011.


في اعتقادي أن المؤلف خص الجمعية التي كان ينتمي إليها لسببين أساسيين، أولهما خاص وهو كونه قريبًا من هذه الجمعية، وهو أدرى بالمفاصل المنفتحة فيها وتلك المنغلقة وخاصة الانغلاق الذي استتبع الأحداث وتماهت الجمعية معها، والسبب الثاني عام يتعلق بالطبيعة اليسارية الأصيلة للجمعية، هذه الجمعية خرجت من رحم اليسار، أي يسار الماركسية العلمية، قبل أن يكون هناك أي يسار آخر على الساحة السياسية في البحرين. فهذا اليسار هو المؤشر الذي يعول عليه كيسار، هذا اليسار الذي ولد يسارًا ومن المفترض فيه أن يكون الآن يسارًا ومن مستلزمات واجبه أن يحافظ على يساريته العلمية مستقبلاً. 


والكتاب رغم طابعه التوثيقي إلا أنه ليس توثيقًا تقليديًا لأحداث تلاطمت بها وفيها جميع القوى والفئات وكادت أن تنزلق إلى متاهات كارثية مثلما الحال في عدد من دول «الربيع العربي»، حيث إن بعضًا منها قد تغيرت فيها القيادات السياسية ولكنها مازالت تعاني التبعات الحرجة للتغيير، ودول أخرى انزلقت الى متاهة الحروب الأهلية وتتحارب الأطراف فيها بسيوف الطائفية. 
اعتمد المؤلف هيكلة مبسطة سلسة لمحتوى الكتاب، فهو يأتي في ثلاثة فصول وملحق وثائقي. 


يتميز هذا التوثيق بأنه توثيق لمعايشة حية مع الأحداث ونشاطها وتفاعلاتها وتبعاتها وتطوراتها وما يجب عمله من أجل صون التوافق الوطني ووحدته، فالمؤلف يعيش الأحداث لحظة بلحظة، وتوثيقه ليس توثيقًا تقليديًا للأحداث بقدر ما هو معايشة مع طبيعة الأحداث في آثارها وتبعاتها وما هو السبيل الى تدارك المخاطر قبل استفحالها. 
الفصل الأول يتكون من تسع مقالات كتبها المؤلف ونشرت على صفحات جريدة الأيام، وهذه المقالات تستعرض الأحداث بصيغة تجمع بين الحدث وتحليل الحدث والاجتهاد في وضع حلول عملية للأحداث التي خلقت أزمة قائمة، ويعتمد نهجًا فكريًا متزنًا عماده توزع موازين القوى القائمة والقدرة الفعلية والفاعلة لكل طرف يمسك بوجه من أوجه القوة دون المساس بمكانة القوى كلها، ويؤكد المؤلف على أهمية الاعتماد على حلول عملية،

وأنه لا يمكن لهذه الحلول أن تكون مجدية إن لم تكن مبنية على قاعدة مرجعية قوامها الأدوات الوطنية الموجودة على أرض الواقع الوطني والتي يمكن التوافق حولها والانطلاق منها الى آفاق التوافق الوطني وفك عقد الأزمة، والنقطة المحورية في لملمة الواقع المتأزم يراها في أهمية وضرورة الحوار الوطني واعتماد الميثاق الوطني مرجعًا أساسيًا في هذا الحوار، إضافة الى المبادرة التي طرحها سمو ولي العهد الأمير الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة.
تسعة مقالات، رغم محدوديتها عدديًا، إلا أنها تغطي الأحداث بكل تبعاتها ومبادرات الحل لها وتوفي الحاجة الوطنية الى إعادة اللحمة اليها.


والكتاب يُقْرَأ من عنوانه، فالمقال الأول عنوانه «الإسراع في الحوار في إطار مرجعية الميثاق» 24 فبراير 2011، مقال ساخن مع بداية تسخين أجواء الحدث، والمقال الثاني يستحث الخطى في إتجاه الحوار والعنوان المعبر هو «ألم يحن الوقت لبدء الحوار؟» 5 مارس 2011، أي عشرة أيام بعد المطالبة الاولى للحوار عبر المقال الأول، فالمؤلف رأى أن الأحداث تتصاعد وتزداد سخونة بينما مبادرات الحل ساكنة في مكانها جامدة، والمقال الثالث بعنوان «الانتظار قد طال» 8 مايو 2011، أي بعد شهرين من المقال الثاني، من «ألم يحن الوقت لبدء الحوار؟» إلى «الانتظار قد طال»، بين السؤال والقرار نستطيع أن نتحسس المعاناة التي كان يعيشها المؤلف، هذه المعاناة التي كان المؤلف يتمنى أن تزول، ولكنها بقت ومازالت باقية، فاللحمة الوطنية مجروحة في نفس المؤلف، وطبعا في نفس كل مواطن غيور.


وآخر ثلاثة مقالات تعبر عن تفاقم الأحداث إلى أزمة الفتنة والارهاب وما يجب عمله لتدارك الأزمة التي استفحلت الى منزلقات مؤلمة، فالمقال السابع يتحدث بألم وحرقة وبعض من الغضب تحت عنوان «لا للفتنة لا للارهاب» 6 مارس 2014، أي عام بعد أن طال الانتظار لبدء الحوار، ينتقل المؤلف من الخطوات شبه السلمية الى موقع تطورات حارقة من الفتنة والارهاب، ورغم هذا التطور الدرامو-عنفي فإنه لم ييأس بل يبادر في المقال الثامن الى «التوافق الوطني الطريق لاستعادة اللحمة الوطنية لشعبنا» 29 يونيو 2014، ستة أشهر بعد المقال الذي ينذر بأن غياب الحوار قد ترك الساحة لتطورات العنف والارهاب،

ومازال ثابتًا في موقعه وموقفه الداعي إلى الحوار والتوافق الوطني، خاتمة المقالات التسع تشير الى تحول نوعي آخر من طلب الحوار إلى «ليكن ردنا بوحدتنا ضد الفتنة وإرهابها الدموي»، فقد تغير الحال الى وجود فتنة وارهاب، وإنه من أولويات المحافظة على الوطن ضرورة التصدي للفتنة والارهاب، بمعنى أدق «حرب وطنية ضد الفتنة والارهاب»، فتنة وارهاب يعششان في ثغور الوطن والضرورات الوطنية تقتضي استئصالهما، ولكن رغم هذا التطور الدرامو-دموي إلا أن المؤلف عنده أمل كبير بالحوار، فهو بطبعه إنسان إيجابي الطبع.


الفصل الثاني حجمه النصي ثلاثة أضعاف الفصل الأول، وهذا يعكس أهمية المحتوى، هذا المحتوى الذي يخط تفاصيل التداعيات والتأثيرات على قادة اليسار أصحاب الحسابات السياسية والاجتماعية في المنبر الديمقراطي، وهذا الفصل هو رسم للمسار الموازي والمتفاعل مع الفصل الأول، وهو أكثر إيلامًا ومعاناة للمؤلف، وهذا المسار المتوازي يمثل أزمة قائمة بحد ذاتها، أزمة تسببت بها الأحداث وأحدثت شرخًا وبلبلة في جسم اليسار المتمثل في «المنبر التقدمي»، فمع بدايات الأحداث وتطوراتها لم يعد هذا اليسار بذاك اليسار المتماسك، عاش المؤلف في هذا البيت اليساري منذ بداية ولادته الفكرية، فرضع من مبادئ فكر اليسار العلمي وترعرع وهو يتغذى من معين الفكر في هذا البيت، فكان الأمل كبيرًا بأن يكون هذا البيت حاضنًا لحسابات علمية دقيقة تصب في صالح التوافق الوطني، وأن ينأى هذا البيت بنفسه من التعاطي العاطفي مع الأحداث وتجنب الانزلاق الى مواقع التشدد وتداعياته اللاحقة الى فتنة الطائفية. 


في الفصل الثاني يوثق المؤلف بدايات هذا اليسار المتمثل في جبهة التحرير الوطني، ومن سرية العمل الجبهوي إلى العلنية الديمقراطية استجابة وانسجامًا مع المشروع الاصلاحي لجلالة الملك بتأسيس «المنبر التقدمي الديمقراطي».  
الأحداث الكبيرة تحدث تأثيرات كبيرة، وتفرض على دروب الحياة، وخاصة السياسية منها، مفترق طرق تفرق السائرين على الدرب، وهذه حقيقة يشهد التاريخ لها، فكل الحركات الدينية والفكرية والسياسية شهدت هذا المفترق والتفريق مع الأحداث الكبيرة، فمن هذه الوجهة الجدلية بين طبيعة الحدث وحجمه من جهة وتفاعل المحيط معه فإن الذي تعرض له اليسار له مسوغاته التاريخية بمزيج من الفكر والعاطفة، والأحداث الكبيرة لا يمكن إلا أن تجر معها الفكر ممزوجًا بالعاطفة، وهذا المزيج هو الكيمياء الذي يتواجد معه مفترق الطريق وبمقتضاه يكون التفريق، فريق هنا وفريق هناك، وثالث الفرقاء محتار بين الاثنين، وهذه هي طبيعة الأمور والاشياء، طبيعة لا يمكن تجاوزها.


يعرج المؤلف بعد النشأة التاريخية السرية الى العلن الديمقراطي، ومع العلن الديمقراطي مواجهة الحياة السياسية أساسًا، ومواجهة المنعطفات الحادة والأحداث بمختلف مستوياتها وأحجامها، احداث عام 2011 كانت التجربة الأولى أمام هذا اليسار مع نشاطه العلني وتحت مرآى وسمع المجتمع، والتجربة بتداعياتها كانت حادة مؤلمة ومدعاة للتفرقة. عناوين الفقرات ناطقة بمحتوى النص، فيتحدث المؤلف عن خلافات داخل المنبر قبل الأحداث، وهذا كذلك أمر طبيعي لأن التحول من السر الى العلن يعد تغيرًا نوعيًا، ومع التغير النوعي تنفتح أبواب الاجتهاد الى مفاهيم مختلفة، ومنها الخلافات،

و«بداية الخلافات في المنبر»، فالمؤلف يكشف عن الخلافات قبل الأحداث مع التحول النوعي، ويعرج بعد ذلك الى «أحداث فبراير 2011» التي عمقت الخلافات، فيتحدث المؤلف عن «موقف المنبر من الأحداث» وعن «المؤتمر السادس والانعطاف الى الوراء». يؤكد المؤلف أن الأزمة في المنبر لم تترك على عواهنها بل انبرى لها أهل الوعي والصلاح والإصلاح لحل الأزمة «مساعٍ جديدة لحل الأزمة في المنبر» وإعادة اللحمة الى التنظيم، ونتيجة لهذه الجهود صار «الاتفاق على ورقة نقدية وإقرار الاتفاق النقدي»، إلا أن شرخ الأزمة كان أعمق من ان تعالجه ورقة نقدية و«... إقرار الاتفاق التوافقي»، فلم تلتزم قيادة المنبر بالاتفاق. 


وتوالت أنشطة المنبر وجهوده في مواكبة الأحداث بموقف شبه متحالف مع استقطاب «جمعية الوفاق»، فعقد «المؤتمر الاستثنائي يناير 2015» و«مهرجان المنبر الخطابي في نادي العروبة» وتحدد «تأجيل المؤتمر السابع» والأزمة قائمة وقيادة المنبر في حالة من التمترس وانعدام المرونة أمام مقترحات المؤلف «سبل خروج المنبر من أزمته». 
فمخرج الفصل الأول هو «فشل الحوار» ومخرج الفصل الثاني هو «فشل خروج اليسار من أزمته».


 الفصل الثالث بعنوان «الخاتمة»، هو فصل التفاعل الكيميائي الداخلي، ومن منظور علم الكيمياء البحت فإن التفاعل في حاجة الى عامل مساعد (محفز) كي تتم العملية الكيميائية بالمنتج المطلوب والذي يتمناه جميع الفرقاء. هذه الخاتمة تتميز بحرارة متصاعدة في مطبخ الفرقاء المنقسمين، ويبدأ الفصل بعنوان كاشف لوجه من أوجه الأزمة التي يعيشها المنبر التقدمي وهو «انعقاد المؤتمر السابع» الذي فشل في انعقاده في الوقت المحدد بسبب السلبية في تجاوب الأعضاء للترشح للجنة المركزية، وهذا جانب حيوي وسلبية التعاطي معه يحمل دلالات حرجة تؤشر إلى أن الأزمة تتخطى كونها سياسية بحتة، إذ أن هناك ترددًا وفتورًا بين الأعضاء في تحمل مسؤوليات العمل التنظيمي، هذا الجانب من الأزمة هو الأعمق من الاختلاف في الشؤون السياسية، وهذا الجانب نقله المؤلف بحيثياته دون أن يعرف طبيعته، وكأني به أراد أن يترك هذا التعريف لتفسيرات القارئ. 


بين نتائج المؤتمر السادس الذي أفرز قيادة أثارت جدلاً سياسيًا وخلافات بين الأعضاء واستقالات وتوجس وترقب المؤتمر السابع انقسم أعضاء المنبر بسبب اختلاف الرؤى بين القيادة وفريق من الأعضاء يتبوبون أماكنهم في اللجنة المركزية والمكتب السياسي، إضافة الى تسرع القيادة في طرد عضو في اللجنة المركزية وقائد نقابي بارز، القيادة المتمخضة من المؤتمر السادس واجهت أوضاعًا سياسية وتنظيمية شائكة، وأسوؤها ما عبَّر عنها المؤلف بهذه الكلمات «عجيب أمر هذه القيادة أنها بخفة وسهولة تتجاوز قرارات المؤتمر والاتفاقات التي تهدف الى إصلاح الخط السياسي والفكري للمنبر واستعادة وحدته»، إضافة الى إصرار القيادة على إلقاء كامل المسؤولية على الحكومة بشأن الحوار الوطني.


ومع انعقاد المؤتمر السابع وصعود قيادة جديدة فإن المؤلف يستبشر خيرًا خاصة وان القيادة الجديدة ألمحت الى جوانب إيجابية في خطابها الذي غطى الجوانب السياسية والتنظيمية. 
خاتمة الكتاب هو «ملحق وثائقي» له أهميته في توفير المصداقية المطلوبة لما ورد في فصول الكتاب، وهو يتضمن كما من البيانات والبلاغات والرسائل النقدية والمقابلات الصحفية التي صدرت من مختلف الجهات السياسية والتحالفات التي تضم عددًا من التنظيمات السياسية، وهذا الملحق أعطى قيمة أكاديمية للكتاب.


إن الكتاب يهم جميع الذين يعيشون الأحداث التي عصفت بالوطن، من جهات حكومية وجهات شعبية ومؤسسات المجتمع الوطني، وأرى أنه جدير وضروري للقراءة، لأنه الكتاب الوحيد الذي وثق الأحداث وتداعياتها وتبعاتها والتطورات الطائفية التي تمخضت عنها، والحلول الناجعة التي يمكنها أن تعيد اللحمة الى الصرح الوطني.

الكتاب هو قراءة يسارية علمية للأحداث.
 

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا