النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10816 الاثنين 19 نوفمبر 2018 الموافق 11 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:39AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

اذبحوا الطفل

رابط مختصر
العدد 10009 السبت 3 سبتمبر 2016 الموافق غرة ذي الحجة 1437

نحن جمعيًا، مسلمون ومسيحيون ويهود، ننظر إلى مسيرة النبي، الملك الحكيم، سليمان، على أنه نموذجا للحكمة والعدالة، ومن ذلك قصة دخول امرأتين عليه وكانتا متزوجتين من أخوين ويعيشان في بيت واحد، سهت إحداهما ليلاً وخنقت رضيعها إلى جوارها عن طريق الخطأ، فقامت في حين غفلة من المرأة أخرى وأخذت ابنها ووضعت الرضيع الميت مكانه، إلا أن الحيلة لم تنطلِ على المرأة لمعرفتها بابنها، فقررتا الاحتكام لدى سليمان.
سمع سليمان حجج المرأتين مطولاً فيما كلتيهما تدعيان أمومة الطفل، فما كان منه في نهاية المطاف إلا أن نادى على سياف وأمره بشق الطفل إلى نصفين بحيث تأخذ كل منها النصف، فاضطربت والدة الطفل الحقيقية وسألت سليمان أن لا يقتله ويعطيه لغريمتها، بينما كان رد الأخرى جافيًا ووافقت على شق الطفل لكي لا يكون لأيهما، حينها علم سليمان أيهم أم الطفل الحقيقية وهي تلك التي آثرت أن تفقد طفلها على أن تراه يقتل.
اليوم السيف يخيم بل ويقسم أكثر من بلد عربي كون الكثير من «الأمهات» يدعين أن لديهن الحق في تقرير مصير الشعب في هذا البلد، ومن الإنصاف القول إن العديد من «الأمهات» الذين يدعون أحقيتهم بالطفل السوري اليوم لن يعترضن على رؤية سياف الملك سليمان يقطع هذه الأمة أمام أعينهن، وهذا ما يجعل اداعائاتهن حول حرصهن على سوريا والشعب السوري بلا معنى.
بشار الأسد يدعي ويطالب بأن يكون الأب الذي لا غنى عنه للشعب السوري، فكيف يمكن فهم حبه المزعوم لهذا الشعب فيما هو يلقي عليه براميله المتفجرة ويمزقه أشلاءً كي يثبت أبوته؟
وبالمثل، يدعي كل من خامنئي وبوتين وأوباما و«الخليفة» البغدادي وأردوغان وغيرهم بأنهم يقومون بما عليهم من أجل إنهاء هذه الأزمة، وأنهم الآباء الشرعيون للحلول، ولكن في الواقع العديد منهم يحملون السيوف التي تمزق جسد الشعب السوري، والعديد منهم في حقيقة الأمر هو أب شرعي للنزاعات في العراق وليبيا واليمن وغيرها.
حتى لو كنا نتابع كل تطور وتحول في هذه الصراعات، فقد بات عصيًا علينا أن نفهم بالضبط ماذا يجري ولماذا، فماذا يعني أن الروس والأمريكيين يجرون مفاوضات حول التنسيق المشترك؟ أو أن أردوغان سافر لإجراء محادثات مع بوتين؟ وهل التوغل التركي في شمال سوريا يهدف لتدمير داعش أم القومية الكردية؟. هل يمكن لأي شخص الادعاء بأن لديه تصورًا واضحًا للخروج من هذه الفوضى؟
العنف في سوريا يقودنا إلى التفكير في شريعة الغاب، ولكن حتى الصراع في الغابة يدار بطريقة تضمن استمرارية التنوع الحيوي بأعداد متوازنة من جميع الأنواع التي تعيش هناك، كما أننا لا نرى القرود تتعمد حرق بيئتها، والأسود أيضا تصطاد فرائسها دون محاولة إبادة تمامًا.
أتذكر كيف أنه بعد 9/11 صورت وسائل الإعلام عناصر تنظيم القاعدة على أنهم وحوش تعيش في الكهوف، ولا يمكن التفاوض معها، ويجب تدميرها قبل أن تتمكن من تدمير الحضارة البشرية، لكن ما حدث هو أنه خرج علينا أبو مصعب الزرقاوي وحركته الجهادية في العراق، والتي ارتكبت جرائم عنيفة، حتى أن أسامة بن لادن نأى بنفسه عن الفظائع التي ارتكبوها، وأخيرًا كانت هناك داعش التي لم يكتفِ عناصرها بقتل آلاف الأبرياء، وإنما حولوا منهج القتل الجماعي الشنيع الى شكل من أشكال التفنن والتلذذ بالقتل، وهو ما يجعل كل أسلافهم يبدون مثل قطط أليفة!.
لا يمكن أن نتصور أننا سنرى أفظع من جرائم داعش التي لم يتخيلها العقل البشري، لكن بعد خمس سنوات أخرى من الفوضى والمذابح سنرى الجيل الذي نشأ على هذه الفظائع لديه القدرة على أن يكون أسوأ من داعش بعشرين مرة.
في دراما شكسبير «روميو وجولييت» عاشقان قادهما حبهما إلى حتفهما نتيجة لصراع بين عائلتين، نرى أن أحد اللحظات الأكثر شهرة هي طعن الشخصية الرئيسية حتى الموت كجزء من هذا الصراع، فيما هو يصرخ في لحظات موته: «وباء الطاعون سيعم كل بيوتكم!».
بعد خمس سنوات من الصراع في سوريا بتنا نسمع الصرخة ذاتها من العديد من السوريين، ومن غير المجدي أن نسأل ما إذا كانوا شبيحة أم معارضة، يقفون في صف روسيا أو أمريكا، إيران أو تركيا، هم يصرخون فقط: «الطاعون على كل بيوتهم»!
لو كان سليمان بيننا اليوم، فسيكون من الواضح له مباشرة الادعاءات الكاذبة لتلك الجهات التي تدعي أنا تملك الحق الإلهي للتدخل في شؤون غيرها، ولربما قال انه سيطبق نفس الاختبار مرة أخرى: أولئك الذين لا يكترثون بتقسيم وتقطيع أوصال هذه الأمة لا يمكن أن يهتمون لمصيرها.
في سوريا واليمن والعراق وليبيا قصص مؤلمة لأمهات وآباء أفجعهم رؤية أطفالهم أشلاء ممزقة، هؤلاء الأمهات والآباء الحقيقيين هم إما محاصرون حاليا تحت وابل القصف الروسي وبراميل بشار من جهة، والقتل الهمجي لداعش من جهة أخرى، وإما يتلحفون العراء في مخيمات اللجوء، أو تتقاذفهم زوارق الموت البحرية إلى أراض بعيدة.
وسط صخب الأصوات في مجلس الأمن وفي المؤتمرات الدولية في الفنادق السويسرية الفاخرة حيث يزعم العديد من الأطراف أن لديهم الحق في الكلام نيابة عن سوريا، تظهر المأساة في كون أن الأمهات السوريات الحقيقيات جرى نسيانهن منذ فترة طويلة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا