النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10812 الخميس 15 نوفمبر 2018 الموافق 7 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:34AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

الدرة.. إيلان.. وعمران.. وماذا بعد؟!!

رابط مختصر
العدد 10005 الثلاثاء 30 أغسطس 2016 الموافق 27 ذي القعدة 1437

 يقال إن صورة واحدة تغني عن ألف كلمة، صورة تحمل قصة ومعنى، ومعبرة عن مأساة، عن صدمة، قد تبكي الملايين وتحرك الضمائر وتزلزل الإعلام وتلهب مواقع التواصل.. ولكن لا شيء غير ذلك..!!
هل نذكر صورة الطفل السوري عمران، ابن الخمسة أعوام بوجهه الصغير الملطخ بالدماء والأتربة، بعد انتشاله من تحت الأنقاض، وعلامات الذهول والحيرة والإنهاك والصدمة على وجهه كما لو أنه لم يفهم أبدًا ما حل به، لم يكن حتى يبكي، وكأنه يجسد مقولة إن الأطفال رمز البراءة ولا علاقة لهم بالصراعات والحروب..!!
قبل عمران، خرجت إلى الرأي العام قبل أكثر من عام صورة الطفل إيلان، هل تذكرونه، ابن الثلاثة أعوام الذي لفظت الأمواج جثته الى شاطئ تركي، وهي صورة عبَّرت عن فظاعة مشهدية الموت التي تختزلها، ولذلك تحولت الى رمز لمعاناة اللاجئين الهاربين في زوارق الموت.. وقبل هذا وذاك هل تذكرون صورة محمد الدرة الطفل الفلسطيني الذي قتله الإسرائيليون وهو يحتمي بوالده في سبتمبر سنة 2000، وهي الصورة التي هزَّت مشاعر العالم حينها سرعان ما عادت هذه المشاعر الى غفوتها.!!
هل يحتاج العالم إلى مزيد من صور الأطفال العرب ينكل بهم ويروعون ويقتلون ويذبحون كي يحرك ساكنًا إزاء ما يجري في فلسطين، وحيال هذا الذي يجري الآن في بلد يتعرض يوميًا لتدمير قلَّ مثيله في التاريخ بسبب صراع دولي لا يأبه لا بالسكان، ولا بالعمران، ولا بالتاريخ، ولا بالإنسانية، ولذلك ظلت صور الموت والقتل والدمار ماثلة في الأذهان بصورة يومية، مدن تسوى بالأرض، والموت يطارد أرتالاً من البشر بأعمار شتى، ومئات المراكب غير الشرعية تعج بالذين يطوفون مع أمواج البحر الى حيث لا يعلمون، ما يعلمونه فقط أنهم راغبون بالرحيل والخلاص.. قد يصلون بسلام وقد لا يصلون، ويعلمون ايضًا أن هناك من لا يأبه لهم، حتى لو بات الموت عندهم هو القاعدة والحياة هي الاستثناء..!!
المشكلة، هذه الصورة أو تلك تداولها العالم ساعات، أيام، أشهر، ثم تقبع في الذاكرة، كما هو الحال مع صور ومآسٍ تتواصل، آلاف الأطفال الذين قتلتهم الطائرات والقنابل والبراميل والمذابح، واذا كان هناك من افترض أن مشهد الطفل عمران مفبرك بعناية، وأن المشهد برمته تمثيلي لاستغلاله إعلاميًا، -افترض البعض ذلك فعلاً- وإذا كان من حق هؤلاء أن يفترضوا ما يشاؤون، فإنهم لا يستطيعون أن ينكروا او يشككوا في أن الحرب والعدوان والإرهاب قضت على الآلاف من عمران الحقيقيين الذين ذهبوا ضحايا الحروب العبثية تارة، وضحايا لعبة العنف والأصوليات التكفيرية من كل حدب وصوب ولون وعقيدة تارة أخرى..!!
المعلق الأمريكي نيكولا كريستوف كتب في نيويورك تايمز «إنه وأفراد عائلته فجعوا بموت كلبة العائلة.. حقًا لكل حياة قيمة إنسانية..»، هو يقول ذلك، يا ترى هل يمكن أن يهتم الأمريكان بالسوريين وأطفالهم وبمعاناتهم، وبمعاناة مدن وبلدان عربية أخرى منكوبة بصراعات النفوذ والهيمنة والحروب طالما انهم يقدرون أن لكل حياة قيمة إنسانية، وهل يمكن لتلك الصور التي شاءت الأقدار أن توثق وتحرك الضمائر أمام المئات من المآسي والفواجع والكوارث اليومية الى لا تذكر لا من قريب او بعيد لأطفال لا يعيشون طفولتهم، وبأيادٍ فقدت الرحمة والبصيرة، وأناس بين التشرد والدفن أحياء وسط مشاهد دموية ودمار وعالم بات فيه الصمت الصارخ، او التواطئ الصارخ سيد الموقف.. عالم المنتصر فيه مهزوم..!!
لا أعرف متى ستستمر صورة عمران في الأذهان، تتداولها الأخبار، وتكتب عنها الأقلام، تمامًا كما هو الحال مع صورة إيلان، ثم ينسى العالم الطفلين لتستيقظ الضمائر على وقع صورة موت او قتل طفل آخر في مجزرة أخرى وجدت من يوثقها ويتعاطفوا ويبثها للعالم.. وكأن ما جرى ويجري من صراعات وحروب وجرائم وضرب استقرار دول وتجارة في الدمار والخراب، ناهيك عن هؤلاء الذين يقتلون ويرتكبون الجرائم وينشرون صناعة الرعب باسم الدين ويزرعون الفتن ويروعون تحت شعاراته ويحجمون العقل ويخلقون جهنم الأحقاد، كأن كل ذلك ليس كافيًا تجاه هذه الجرائم والكوارث والمذابح التي نرى خلالها حشودًا من البشر تقاد الى الموت من دون حساب وسط حالة استثنائية من الأخطاء والأخطار والعنف والانحطاط وكل ما يؤدي الى تطبيع الظلم، وتطبيع القتل، والصراعات حول من يصل الى جهنم أولاً.. !!
 التوحش لا يتوقف عند هذا الحد، هو يأتي من كل حدب وصوب، دعونا كمثال، مجرد مثال، نلفت عنايتكم وانتباهكم الى صورة طفل فلسطيني في منطقة بريف حلب الشمالي لم يبلغ الثانية عشرة من عمره، نشرت وسائل الإعلام صورته في الأيام الماضية وهو يذبح في سيارة نصف نقل بالسكين من الوريد الى الوريد على يد مسلحين يمثلون «حركة نور الدين زنكي» التي تصنفها واشنطن معارضة معتدلة..!! رفع أحدهم رأس الصغير من شعره وهو ينقط دمًا، فعلوا ذلك لزعمهم أنه يقاتل ضدهم..!!.. مشهد من الصعب استيعابه مهما كانت الذرائع لأنه يرسل الأطفال الى حتفهم قبل الأوان تحت مبررات خبيثة وضالة ومضللة، ولأنه يخلق واقعًا من التعاسة والمأساوية لا يفرز نصرًا من أي نوع، ولعله أخيرًا أحد أوجه الفوضى الخلاقة التي بشرنا بها ساسة أمريكيون، هل تذكرون..؟!
 نعود إلى سيرة الطفل عمران، فقد طالعتنا هيلاري كلينتون وهي تعلق على حادثة هذا الطفل بالقول: «هذا هو عمران.. وهو على قيد الحياة، وأراد أن تعرفوا ذلك..».
عرفنا يا سيدتي، وعرفنا أن هناك ضمائر تستيقظ فجأة لصور الأطفال قبل صور البالغين او تكون هذه الصور عندهم أكثر وقعًا، وعرفنا أيضًا أن هناك من يذرف إحساسًا بالعار مما يجري، وعرفنا أن هناك من هو متقاعس او متواطئ او عاجز، وعرفنا أن هناك من يقتل باسم الدين، او من قمقم أحقاد مذهبية لا يراد لها أن تنام، وعرفنا أن إسرائيل من خلف الستار هي المستفيدة من كل النكبات، وعرفنا أن هناك لاعبين كبار وصغار ومن لفَّ لفهم قد يختلفون فيما بينهم ولكن الأكيد أنهم متفقون علينا، متفقون على استنزافنا والتفريق بيننا وتفتيتنا، وعرفنا أن أخيرًا أن هناك مذنبين، حتى بالصمت العاجز هم مذنبون ولكن: ماذا بعد..؟!! هذا هو السؤال الملح وهو مقرون بسؤال ملح آخر: هل باتت مراهنتنا على غدٍ أفضل لنا ولأجيالنا المقبلة إسرافًا في التفاؤل..؟!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا