النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10759 الأحد 23 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

الإرهاب يحدد مستقبل العلاقات العربية الأوروبية والأمريكية

رابط مختصر
العدد 9998 الثلاثاء 23 أغسطس 2016 الموافق 20 ذي القعدة 1437

تمرّ العلاقات العربية الأوروبية الأمريكية بمرحلة هي الأصعب في تاريخها الحديث؛ ما يستوجب معها إعادة تأسيسها وفق معايير جديدة ورؤى واضحة قائمة على المصالح المتبادلة والشفافية والثقة، حيث تتعرَّض تلك العلاقات لحالة عدم استقرار وفوضى وتوتر لم يسبق لها مثيل بسبب تفاقم ظاهرة الإرهاب والعنف وانتشار الفكر الديني المتطرف وما تبعه من عمليات إجرامية غير مسبوقة في التاريخ تبنتها جماعات تدّعي الإسلام للأسف وما هي إلا جماعات إرهابية متشدّدة أخذت أبعادًا مختلفة في عالميتها وانتماءاتها سواء في لبنان أو العراق أو سوريا أو الكويت والبحرين وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية؛ ما هيأ الظروف المناسبة جدًا لبروز اليمين المتطرف في أوروبا وأمريكا للوصول إلى الحكم كما هو في دونالد ترامب المرشح القادم لرئاسة أعظم دولة في العالم، وزعيمة التطرّف ماري لوبان في فرنسا، وغيرها من الدول التي شعرت شعوبها ولأول مرة بالتهديد والخطر وانعدام الأمن والاستقرار، واهتزت مبادئها التي قامت عليها حضارتها المتمثلة في الحرية والعدالة واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون.
فتلك الجماعات «كتنظيم القاعدة، وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وجبهة النصرة، وحزب الله، والحشد الشعبي، وغيرها» ودون اكتراث بالفطرة الإنسانية السليمة ودون مراعاة لتعاليم دين قامت على أُسس من قيم التسامح والمساواة والاعتدال ومنها حضارتنا العربية الإسلامية وتعايشت عليها الحضارات الإنسانية عبر العصور؛ فإن تلك الجماعات تستهدف حياة البشر دون تمييز، وزادت في ممارساتها اللا إنسانية بابتكار أساليب وحشية في عمليات القتل الجماعي وتعذيب الضحايا بدمٍ بارد كالإغراق والحرق والتفجير وقطع الرؤوس مع استخدام أحدث التقنيات في تصوير ونشر تسجيلات مرئية لتلك العمليات البشعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي للفت الأنظار وبثّ الرعب في نفوس المعارضين لفكرهم الوحشي المتطرف، كما تضطهد تلك الجماعات الأقليات العرقية والدينية، وتعمل على تشريدها وهدم موروثها الحضاري والثقافي، وتسلب ممتلكاتها وتُقيِّد حرياتها، وتهجم وتسيطر على مدن بأسرها وتعلن الحرب على دول ذات سيادة في المحيط الإقليمي والدولي، ثم تأتي لتقيم دولاً وممالك إسلامية بقوانين وتشريعات تعود إلى عصور بائدة ليس لها صلة بالخلافة الإسلامية الأولى في مكة والمدينة وهي منهم براء.
لذلك فإن القضاء على تلك الجماعات الإرهابية ومواجهتها يستوجب بداية البحث في الأسباب الرئيسية التي ساعدت على ظهورها وانتشارها، والتي أستطيع إيجازها في الآتي:
1. المشروع الإيراني الطائفي: والذي يشكِّل تهديدًا خطيرًا على كيان الأمة العربية والإسلامية؛ خصوصاً بعد نجاح الثورة الخمينية عام (1979م) وتبني الدستور الإيراني لمبدأ «تصدير الثورة» ونظرية ولاية الفقيه التي تعتبر نظرية متطورة في الفكر السياسي الشيعي، أخرجت المذهب الشيعي من العزلة إلى إقامة دولة قوية، فقدَّمت إيران نفسها المسؤولة عن الطائفة الشيعية المضطهدة والمظلومة تاريخيًا في شى بقاع الأرض، وهي التي تملك مفاتيح خلاصهم وحريتهم، وأنها الوحيدة التي تقف أمام المخططات الإسرائيلية والأمريكية، فامتلكت بذلك الغطاء الذي كفل لها تأييد بعض الشعوب العربية.
2. عدم حل القضية الفلسطينية: وهي قضية العرب الأولى المستمرة كقضية دائمة في دهاليز الأمم المتحدة وبند دائم على جدول أعمال الجمعية العامة منذ ما يزيد على ستين عاماً، بسبب الفيتو الأمريكي ضد كل قرار من شأنه التوصل إلى حل للصراع العربي الإسرائيلي، الذي استخدمته الإدارة الأمريكية أكثر من (40) مرة منذ تأسيس الأمم المتحدة، لتؤكد للعالم عجزها التام عن تحقيق أهداف ميثاقها، وتُعلن بكل وضوح عن حرصها اللامحدود على حماية أمن ووجود «إسرائيل»، حتى وإن كانت السبب وراء كل ما يعانيه الشرق الأوسط من أزمات وإرهاب وعنف وصراعات وحروب، ولتظل فلسطين سجن كبير تحيط به القوات الإسرائيلية على امتداد الحدود، وشماعة للدول الفاشلة والأحزاب الإرهابية المتطرفة لتأخذ من «تحرير فلسطين» وسيلة  لممارسة أبشع أنواع الإرهاب والعنف وتهديد أمن واستقرار واستقلال وسيادة جميع الدول العربية دون استثناء.
3. استمرار الأزمة السورية: نتيجة توافق المصالح «الأمريكية الروسية الإيرانية التركية» مع استمرار احتدام الوضع المتدهور في الشرق الأوسط لتحقيق مصالحهم الاستراتيجية، حيث تعمل جميعها لتحقيق أهدافها ومصالحها ضاربة بعرض الحائط تطلعات الشعب السوري وأحلامه بإقامة دولة القانون والتعددية السياسية، لتستمر الأزمة السورية وتوابعها المأساوية منذ (مارس 2011م) وحتى يومنا هذا، من دون التوصل إلى حل سياسي ينهي وطأة المعاناة الإنسانية التي يعانيها الشعب السوري.
وعليه، فإن على الدول الكبرى في مجلس الأمن الدولي - وليس الأمم المتحدة ـ العمل على حل قضية الإرهاب التي صنعتها بيدها من خلال ثلاثة محاور رئيسية هي:
المحور الأمني والعسكري: ويتطلَّب أن تكون هناك آلية دولية حاسمة لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم (2178) الصادر في (سبتمبر 2014م) تحت الفصل السابع والمتعلِّق بمنع تدفق الإرهابيين إلى سوريا والعراق لما يشكله ذلك من مخاطر على العالم أجمع.
المحور المالي: وذلك بقطع الشريان المغذي للجماعات الإرهابية والذي يمكَّنها من شراء السلاح والذمم وإغراء أصحاب النفوس الضعيفة من الشباب بمختلف الوسائل الخبيثة، وهذا يستوجب إيجاد آلية دولية لتنفيذ قرارات مؤتمر مكافحة تمويل الإرهاب المنعقد في مملكة البحرين في (نوفمبر 2014م) والذي انتهى بإصدار «إعلان المنامة» لتجفيف منابع الدعم والتمويل المادي والعسكري واللوجيستي للمتطرفين التكفيريين، ليتم بذلك كسب نصف المعركة ضد الإرهاب خصوصًا بعد أن تفاقم خطر الجماعات الإرهابية بحصولها على أسلحة ثقيلة استطاعت من خلالها الاستيلاء على مدن بأكملها واتخذتها كمقرات لتخطيط وتنفيذ عملياتها الإرهابية.
المحور الفكري: وذلك بمحاربة أيديولوجيا التطرف التي هي الأساس الذي تقوم عليه الجماعات الإرهابية، فهذا الفكر الشاذ يُحرِّف الفطرة الإنسانية السليمة ويشوّه تعاليم الدين الإسلامي الحنيف ويسيء إلى مبادئه، وهنا تكمن أهمية دور رجال الدين والعلماء والمراكز والمؤسسات الدينية في شتى أنحاء العالم عبر الوقوف صفًا واحدًا للتصدي لهذا الفكر الضال ونبذ وتجريم جميع الأفكار التي يستند إليها لتبرير أعماله العنيفة التي لا تتصل بأي حالٍ من الأحوال بجوهر الدين الإسلامي.
ورغم ذلك فإن الحقيقة بارزة للعيان، ولا تحتاج لجهد لإدراكها، فمصالح بعض الدول تقف وراء هذه الصراعات الدامية في الشرق الأوسط، وتكوين الجماعات الإرهابية، وتعطيل أي تحرّك جاد لوضع الآليات المناسبة لتنفيذ القرارات الدولية الخاصة بالإرهاب، واستغلال الأحداث الإرهابية لتنفيذ مخططاتها وتحقيق أهدافها في زعزعة أمن واستقرار المنطقة ودعم الأنظمة التي تتفق وتلك المصالح وتقويض أنظمة أخرى، كما حصل فعلاً في العراق ومصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا التي ستظل تنزف حتى يتم تمزيق البقية الباقية من الدول العربية ودول مجلس التعاون تحديداً والتي تعتبر الهدف الأساس.
لذلك؛ فإن «لعبة الأمم» تقتضي اتخاذ خطوات سياسية جادة تفرضها الظروف المحيطة بتطورات الموقف العام على الساحة الإقليمية والدولية، وتتطلَّب فهم جديد يُسقط من حساباته سنوات طويلة من الاعتماد على القوى الخارجية التي تبدَّلت مواقفها واستراتيجيتها باعتمادها على «إيران» كأحد ركائز الأمن والاستقرار في المنطقة بعد التوقيع على الاتفاق النووي في (يوليو 2015م)، وهذا يستدعي وبشكل فوري اتخاذ قرارات خليجية وطنية مصيرية بعيدة تمامًا عن نظرية «خلق التوازنات» المستوردة من الخارج، وذلك بالعمل على تعزيز العمل الخليجي المشترك واستكمال المواطنة الخليجية بتنفيذ قرارات قمة الرياض (ديسمبر 2015م)؛ فالتراخي في إدارة هذا الملف الهام جداً وفي هذه المرحلة الحساسة ليس في مصلحة دول مجلس التعاون على المستوى المنظور.

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا