النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10809 الإثنين 12 نوفمبر 2018 الموافق 4 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:35AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

المنطقة وتقاطع استراتيجيتي إسرائيل وإيران

رابط مختصر
العدد 9985 الأربعاء 10 أغسطس 2016 الموافق 7 ذي القعدة 1437

ما توحي به مجريات الأحداث في الشرق الأوسط هو أن هناك قوتين إقليميتين فقط تعملان بموجب استراتيجية واضحة.. ولو كانت من نوعية استراتيجيات «الهروب إلى الأمام». هاتان القوتان، اللتان تتنافر مصالحهما أحيانًا وتتطابق أحيانًا أخرى، وتتقاطع في كثير من الأحيان هما إسرائيل وإيران.
المشروعان اللذان تعمل لهما الدولتان مشروعان قوميان توسعيان لكنهما يتزييان «شرعية» دينية تغطي ممارسات «ديمقراطيتين انتخابيتين» إشكاليتين، ونظامين قضائيين انتقائيين وتمييزيين في تطبيق العدالة، ومجتمعين «يتعسكران» ويتطرفان يمينيا ويزدادان عنصرية بمرور الوقت.
في إسرائيل وإيران، طويت صفحة المجتمع المنفتح وجرى تهميش المعتدلين على طريق التحول التدريجي إلى ما هما عليه اليوم. في إسرائيل كانت الحركة النقابية والتعاونيات والقوى الاشتراكية التي نشأ كثير منها من رحم معاناة وتجارب اليهود في أوروبا أساس «قوى السلطة» في العقدين الأولين من عمر الدولة اليهودية. وكان اليمينيون «المراجعون» أو «التنقيحيون» المتطرفون (جماعة فلاديمير جابوتنسكي) الذين أسهم تفكيرهم بتأسيس حزب «حيروت» الذي منه خرج لاحقا «الليكود»، أقلية في مواجهة الحركات الاشتراكية والليبرالية الصهيونية. وبالفعل، كان قادة إسرائيل الأوائل من حزب الماباي (العمال) وحلفائه في يسار الوسط، قبل أن يطغى اليمين منذ 1977 حتى اليوم.
في إيران كانت تجربة العسكري الطموح، رضا شاه بهلوي، التي جاءت على أشلاء السلالة القاجارية، شبيهة إلى حد ما مع تجربة مصطفى كمال (أتاتورك) في تركيا من حيث جمعها ثلاثة عناصر، هي: الإطاحة بنظام وثقافة سياسية محافظين تقليديين، وتأجيج المد الوطني - القومي مع رفع لواء الدفاع عن الوطن في وجه الأطماع الخارجية (روسيا وقوى الغرب)، والانفتاح على التحديث والتغريب الثقافي. واستمر هذا التوجه في إيران وتعزز أكثر في عهد الشاه الثاني الأخير من الأسرة البهلوية محمد رضا بهلوي، ابن رضا شاه، الذي اعتبر نفسه شريكًا في معظم التحالفات الغربية إبان الحرب الباردة. بيد أن «الثورة الخمينية» التي تزامن اندلاعها مع اقتراب الحرب الباردة من نهايتها، أنهت علاقات «التغريب» الفكري والثقافي من دون أن تلغي بالضرورة حسابات ومصالح مشتركة بعيدة المدى، كان أبلغ مثال لها تبدل الموقف الأمريكي إزاء نظام طهران من العداء السافر إلى التحالف الضمني في عهد باراك أوباما.
اليوم، أصحاب «نظرية المؤامرة» يصرون على أن لإسرائيل دورًا ما في «إعادة تأهيل» طهران أمريكيًا، خصوصًا، داخل الحزب الديمقراطي، حيث للتيار اليهودي الليبرالي تأثير وازن. ويعتقدون أن عملية «إعادة التأهيل» هذه تتجسد في ما نراه اليوم من سياسة أمريكية شرق أوسطية أقل ما يقال فيها - منذ توقيع الاتفاق النووي - إنها «مهادنة» لطهران.. إن لم تكن في تحالف فعلي معها يقوم على ذريعة التصدي للإرهاب و«داعش». ومن ناحية أخرى، يشير هؤلاء إلى أن «التعاون» بين إيران وإسرائيل بدأ في مرحلة التحضير لغزو العراق والعمل على إسقاط نظام شكل عدوًا مشتركًا للجانبين.
بالنسبة لمسألة «إعادة تأهيل» إيران أمريكيًا، فإن قناعات أوباما السياسية لا تحتاج إلى تفسير، ذلك أنه تطوع مرارًا لتوضيحها عبر لقاءاته الإعلامية المتكررة خلال السنوات القليلة الماضية، وخلاصة كلامه أنه يعتبر إيران قوة عاقلة يمكن التفاهم معها، بعكس خصومها وجيرانها الذين «فوجئوا» برياح التغيير التي تهب على الشرق الأوسط. ولكن هناك انقساما بين مناصري إسرائيل في واشنطن إزاء الملف الإيراني، ففي حين يؤيد المعتدلون والديمقراطيون منهم مواقف الرئيس الأمريكي الانفتاحية على إيران، يقف اليمينيون المحافظون - علنا على الأقل - بقوة ضدها ويرون أنها تشكل خطرًا على إسرائيل. أما بالنسبة لموضوع دور أنصار إسرائيل في غزو العراق وإسقاط صدام، فإن التيار اليميني المحافظ هو الذي حرض على الغزو وأيد عبر «المحافظين الجدد» الليكوديين وليس التيار الليبرالي المعتدل. والقصد هنا أن إسرائيل «حليف استراتيجي» لمصالحها فقط، وهي تعمل لإسقاط أي مصدر خطر محتمل عليها وعلى مصالحها، وفي سبيل هذه الغاية الاستراتيجية فإنها مستعدة للتعاون تكتيكيًا مع أي كان. ومن ثم، يمكن تفسير السكوت الإسرائيلي المريب على «عربدة» إيران في المنطقة العربية، بأن مؤسساتها الأمنية و«قوى الضغط» المتصلة بها في واشنطن تراهن على فتنة مذهبية سنية - شيعية طويلة الأمد في المنطقة تشكل أفضل ضمانة لأمن إسرائيل لعقود مقبلة. إيران، من جهتها، وفي ظل قيادتها الحالية، لديها استراتيجية تقوم على التوسع والغلبة واستعادة الأمجاد الكسروية الغابرة ولكن تحت شعارات إسلامية شيعية تدغدغ بها شوارع طائفية عربية عملت على شحنها وتمويلها لسنين. والحقيقة أنه على الرغم من وجود خلافات عميقة داخل السلطة في طهران بين عدة تيارات، فإن أيا منها لا يجد مصلحة له راهنا في إغراق قارب الحلم الإمبراطوري، ولا سيما في ظل وجود إدارة أمريكية متعاطفة مع طهران إلى درجة التهديد باستخدام «الفيتو الرئاسي» إذا ما حاول الكونغرس تعطيل الاتفاق النووي، وهو الاتفاق الذي عقد بينما كانت آلة الحرب الإيرانية ناشطة في ما لا يقل عن أربع دول عربية. وبناء عليه، ترى القوى الممسكة بالزمام في طهران - خصوصًا، غلاة الملالي وعسكر «الحرس الثوري» - ألا خيار لإيران إلا بالاستفادة من فرصة تاريخية قد لا تتكرر لبسط نفوذها الإقليمية وابتلاع أكثر من أربع عواصم عربية. ولهذا نرى التصعيد والتحريض الإيراني من حولنا، من اليمن إلى سوريا، ومن لبنان إلى العراق والبحرين.
الانتخابات الأمريكية ستكون محطة مفيدة لقراءة التحولات المقبلة على الأقل لجهة مواقف إسرائيل، ولكن الأمر الأهم قد يكون «سيناريو» خلافة علي خامنئي ودور «الحرس الثوري» في ترتيب أمر خلافته.
ولكن في هذه الأثناء، على العالم العربي أن يعي الحقائق كما هي، وينطلق بواقعية وجدية منها إلى بلورة استراتيجية عاقلة من دون أوهام قبل فوات الأوان. فالمنطقة تعاني من مشكلات أساسية داخلية.. حتى قبل أن تلوح في الأفق مشاريع التقسيم والتفتيت.

عن الشرق الأوسط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا