النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10841 الجمعة 14 ديسمبر 2018 الموافق 7 ربيع الآخر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:51AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

الـ«نحــــن» المنفلتـــــة!!

رابط مختصر
العدد 9971 الأربعاء 27 يوليو 2016 الموافق 22 شوال 1437

بعث لي صديق نصًا على «الواتساب» كتب عليه «كما وصلني»، وما أكثر النصوص التي يتم تداولها وهي ممهورة بهذا الوسم، ولا تعرف حقيقة هل أعيد ارسال هذا النص كما وصل إلى المرسل فعلاً، أم أنه تصرّف فيه وأعاد تصريفه في ضوء قراءته الشخصية لما وصله وتصوره لما وجب أن يكون عليه النص حين يصل إلى قارئ آخر. عمومًا، لقد قرأت النص وأثارت لدي متضمناته فضولاً، فذهبت أبحث عنه لأعرف المناسبة التي قيل فيها، فوجدته مكتوبًا تحت عنوان «حديث الجمعة 433: مخاضًا صعبًا يمر به الوطن»، وألقي هذا الخطاب في مسجد الصادق بالقفول بتاريخ 21 يوليو. في الحقيقة بحثت عن النص في الإنترنت، لأتبين ما إذا كان هذا النص خطبة يوم الجمعة، أم أنه حديث يصب في خانة الإعلام التعبوي الذي يمارس نشره في وضح النهار ويأتي من يأتي ليزعم أن حرية التعبير مستهدفة من الحكومة. وبدا لي أن النص لا يمكن أن يكون خطبة جمعة، لأنه ألقي يوم الخميس بحسب التاريخ المثبت. اللهم إلا إذا كانت خطبة الجمعة توزع قبل إلقائها، وهذا جائز ولا يمكن أن نستغربه في زمن الكل فيه ينشر، والكل يقرأ، ولكني لن أقول الكل يفهم، حفاظًا على حرمة مبادئ النسبية خاصة في هذا الباب!
المهم، ألقى هذا الخطاب فضيلة الشيخ عبدالله الغريفي، وأحببت حقيقة وصفه مثلما وصفه من أرسل إليَّ الخطاب بالعلامة، ولعله يستحقها، ولكني أعتذر له ولمحبيه وأتباعه عن ذلك بسبب عدم قناعتي بأن يعطى هذا المسمى لأي مشتغل في الشأن الديني والسياسي معًا، ذلك أن الوصف إذا انطبق على من يشتغل بالدين والدعوة إليه فلسوف ينسحب، وبشكل تلقائي، عليه مشتغلاً بالسياسة، ولعلّ ذلك يفرض منع نقده، ويلزم بإسباغ هالة من القدسية عليه لا يستحقها، لا أشير إلى أحد بنقيصة أو اتهام، فالكل واجب احترامه وتقديره، ولكني قصدت بذلك كل من يصر على الاشتغال بالسياسة والدين في الوقت نفسه، وليس شخصًا بعينه.
 النص يتحدث بصيغة الـ«نحن»، وعندما أطلق الشيخ الغريفي العنان لهذه الـ«نحن» أن تتحدث وضع تمهيدًا لنقاط أراد الحديث بشأنها. وحول هذه النقاط لنا حديث نخصصه لهذا الغرض، ولكن نرجئه إلى يوم الجمعة القادم إن شاء الله. اختارت هذه الـ«نحن» في هذا التمهيد أن تفصح عن نفسها بأنها ما كانت ولن تكون «في يوم من الأيام داعية فتنة، وتحريض، وكراهية، وتأزيم وانتقام»، ولا هي كانت من «دعاة عنف وتطرف وإرهاب». كما أن هذه الـ«نحن» أفاضت في الحديث على أنها تغضب حين يستوجب الغضب، فتقول: «نغضب حينما يكون الغضب في مصلحة هذا الوطن، وبشرط أن يكون الغضب مرشدًا، انطلاقًا من رؤى الشرع وتوجيهات الدين، وليس غضبًا منفلتًا، ولن ينفلت الغضب ما دامت مواقع الترشيد موجودة.....». أين هي مواقع الرشد هذه يا شيخ؟!
 والقارئ لهذا النص حقيقة يعجب كيف لمثل هذه القيم والمثل الوطنية العالية، التي تتحلى بها تلك الـ«نحن» التي تفاخر بها السيد عبدالله الغريفي، أن تختفي منذ أكثر من خمس سنوات عجاف، إذ لم نرَ من هذه الـ«نحن» التي رفعها السيد الغريفي إلى منزلة الكمال، إلا السلوكيات المتنامية في عنفها، المنساقة وراء أطروحات استهدافها الممنهج لتماسك المجتمع البحريني ومقومات وحدته الوطنية وخياراته الحضارية التي ائتمن عليها بنسبة قياسية جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله ورعاه في عام 2001. نعم أكثر من خمس سنوات وإيقاع هذا العنف في تصاعد لا يلوي على منحنى هدوء، ولا يكترث بالأصوات التي تدعو إليه.
 «النحن» هذه ولدت متضخمة منذ رفع الشعار المقيت «الشعب يريد إسقاط النظام». لم نسمع من أن رجال الدين الذين ذكر السيد عبدالله الغريفي بأنهم «مواقع الترشيد موجودة، وقادرة على أن تمارس دورها...» قد عالجوا العنف الممارس في خطابهم الذي ملأ الساحة في عز العمليات التي راح ضحيتها أبرياء. لم يشاطروا الشعب والقيادة الرغبة إلى الجنوح إلى السلم، وبدء حوار مثمر، يخرج البحرين من الآثار الماحقة لما وسم زورًا وبهتانًا بـ«الربيع العربي»، بل وجدنا بعضهم ركب الموجة، ونصب نفسه حاكمًا مفوضًا أرسلته العناية الإلهية - عفوًا المخابراتية - لإخراج الناس من النور والزج بهم في ظلمات ثيوقراطية لا ترى في المناويل الديمقراطية إلا علامة كفر وإلحاد وتغريب، فأين كانت هذه «النحن» وقتها؟؟!
 لا أشك لحظة في أن فضيلتكم تتذكرون زعيمكم الذي كان أول المراهنين على سقوط النظام، عندما أطلق صرخته غضبًا منفلتًا، لم تردعه قواعد الرشد التي تتحدثون عنها، «اسحقوهم»، ولا أظن أن الأمر بالسحق في هذا العبارة يختلف في فهمه أو تأويله، فالأمر صريح بالقتل والسحل والإبادة، فأين كانت مواقع الترشيد التي تتحدثون عنها هنا في خطابكم؟ ولماذا لم تمارس دورها لوقف التحريض الذي وجدنا سعيره ملتهبًا لفترة من الزمن، ولولا صحوة رجال أمننا لأنفلتت الأمور إلى ما لا يحمد عقباه؟ في ظني، أنه بعد الأزمة العاصفة التي حشر فيها «الوفاقيون»، ورجال الدين فيها ومؤيدوهم، المجتمع البحريني، وانكشافهم على حقيقة التآمر مع الإيراني لتقويض الأمن والسلام الأهليين، ينبغي على كل منهم، وعلى كل من اعتبر نفسه قائدًا «همامًا» أن يتخلى عن الحديث بالـ«نحن» النرجسية التي بها أتخم خطابكم، لأن الحديث باسم الجماعة له مترتبات وطنية تتناقض مع الحراكات المذهبية الطائفية.
 سماحة الشيخ عبدالله إن خطاب الترشيد لا يكيل الأمور بمكيالين، فخطاب الترشيد أما أن يكون صادقًا في نقده أو لا يكون. خطاب الترشيد يقدم مصالح الأمة على مصالح الفئة أو الطائفة، وينظر إلى أبعد مما تمليه عليه آهات معجبين ولغوا في إثم خيانة الوطن حد النخاع، خطاب الترشيد يثمن قرارات القضاء العادل إذا ما توافرت كل قرائن الإدانة، ويساند رجال الأمن البواسل الذين نجحوا في تسفيه أحلام إرهابيين لعل ذنبهم عالق في رقبة من دعا يومًا إلى السحق في فورة من فورات الحماسة الخطابية والغضب المنفلت من كل رشد. على هذا النحو، في رأيي، ينبغي أن يفهم خطاب الترشيد، وإلا فلا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا