النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10757 الجمعة 21 سبتمبر 2018 الموافق 11 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    7:09PM

كتاب الايام

الشعب التركي يعيد كتابة التاريخ

رابط مختصر
العدد 9970 الثلاثاء 26 يوليو 2016 الموافق 21 شوال 1437

في يوم (15 يوليو 2016م) كتب الشعب التركي تاريخًا جديدًا ملهمًا في المنطقة، بعد استجابته الفورية لدعوة الرئيس رجب طيب أردوغان - الذي يعد أول رئيس تركي ينتخب عن طريق الاقتراع المباشر في (أغسطس 2014م) - لحماية الديمقراطية والنزول إلى الشارع رفضا للانقلاب الذي قادته مجموعة من القوات المسلحة التركية لإسقاط حكومة حزب العدالة والتنمية، فحسم الشعب الموقف وانتصر لنظامه الديموقراطي وحمى مكتسباته وحافظ على مستقبل بلاده وواجه المجموعة الانقلابية بكل بسالة وتصميم، وأكد على أن زمن الانقلابات العسكرية قد ولى إلى غير رجعة، وأن الحكم سيستمر للشعب عبر التداول الشرعي للسلطة من خلال العملية السياسية البرلمانية، وأن (الجيش) سيبقى مؤسسة خاضعة تمامًا للسلطة المدنية في البلاد، وأن تركيا لن تعود لحكم العسكر الذي ركنها لفترة طويلة على هامش التاريخ، ليتم إعلان فشل الانقلاب العسكري خلال أقل من ثماني ساعات، وذلك لسببين رئيسيين هما:
 الأول: الوعي السياسي المتجذر في الشعب التركي الذي وقف وقفة وطنية عظيمة لتأييد الشرعية وحماية المؤسسات المدنية المنتخبة، وإصراره على استكمال المسيرة الديمقراطية تحت قيادة الرئيس أردوغان وحكومته، ما يجعل هذا الشعب الواعي رقما صعبا في المعادلة التركية الداخلية يجب أخذه بعين الاعتبار.
الثاني: الموقف الموحد لأحزاب المعارضة ومؤسسات المجتمع المدني بمختلف توجهاتها الرافض لاتخاذ (الانقلاب) كخيار سياسي ووسيلة سهلة وسريعة للوصول إلى الحكم، فالممارسة الديموقراطية متعمقة في النظام التركي الذي أسسه أردوغان، والحكومة والمعارضة أمناء على استمرار النظام الديمقراطي ومستقبله مهما احتدت الخلافات بينهما، لإيمانهما المطلق بأن حلها يتم دستوريًا تحت قبة البرلمان.
إن الإجراءات الصارمة التي اتخذها أردوغان ضد المشاركين في الانقلاب الفاشل سواء في المؤسسة العسكرية أو القضائية أو التعليمية، والتحركات الأمنية المشددة لمكافحة (التنظيم الموازي) وهو المتهم الأول بالوقوف وراء الانقلاب، وإعلانه عن إعادة هيكلة القوات المسلحة، وعدم استبعاده إجراء تعديلات دستورية قريبًا، واحتمالية تمديد حالة الطوارئ المفروضة على البلاد، سوف يؤدي بلا شك إلى إسدال الستار نهائيا أمام أي حركة انقلابية قادمة.
كما أن سيطرة أردوغان السريعة على الحدث، وقدرته على منع انزلاق البلد في الفوضى، ووقوف الأحزاب المعارضة صفا واحدا ضد الانقلاب، سينعكس بكل تأكيد على زيادة ثقة الشعب التركي بالرئيس أردوغان، وسيكون له تأثير قوي في تخفيف حدة الخلافات السياسية بين (حزب العدالة والتنمية) الذي ينتمي إليه الرئيس والأحزاب الأخرى، مما سيمهد الأرضية اللازمة لإجراء حوار سياسي بينها للتوافق على تعديل الدستور ومعالجة كافة الملفات عبر التوافق بين جميع الأطراف.
وبما أن جميع الانقلابات في تاريخ تركيا الحديث تبنتها المؤسسة العسكرية التي تسببت في تأخير مسار العملية الديمقراطية والإضرار بها، فإن فشل الانقلاب الأخير وتبعاته يعد فرصة ذهبية أمام الرئيس أردوغان وحزبه الحاكم لإعادة هيكلة القوات المسلحة وضمان ولائها وحرصها على حماية النظام الديمقراطي وبقائها تحت أوامر وتعليمات القيادة السياسية، خصوصًا وأن العمر الزمني لحكم أردوغان غير كاف لاكتساب رضا المؤسسة العسكرية عن الخلفية الإسلامية لقيادات حزب العدالة والتنمية.
إن فشل الانقلاب، وما ترتب عليه من تطهير في صفوف الجيش والقضاء، وسلسلة الإجراءات الصارمة التي تم اتخاذها لحفظ المستقبل الديموقراطي التركي، والمصالح العليا لتركيا، وما اتجهت إليه السياسة الخارجية التركية مؤخرًا من إعادة ترتيب علاقاتها السياسية مع (إسرائيل، وروسيا)، وما يتردد عن رغبتها في إعادة النظر في علاقاتها مع (سوريا)، يتطلب من أردوغان - إضافة إلى ما سبق - إعادة حساباته في علاقاته مع جمهورية مصر العربية المدعومة بقوة من المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين ودولة الإمارات العربية المتحدة التي ترفض جميعها قيام نظام إخواني في أي من الدول العربية، وهو السبب الرئيس لتوتر علاقات تركيا مع بعض الدول خصوصا السعودية التي تعد ثقل الأمة العربية ومصدر قوتها سياسيا واقتصاديا.
من جانب آخر، وعند الحديث عن قائد الانقلاب الفاشل فإن الكثير من الدلائل تشير إلى أن رجل الدين التركي والمعارض البارز والمقيم في الولايات المتحدة الأمريكية (محمد فتح الله غولن) هو من يقف وراء التخطيط لذلك الانقلاب، وعند التمعن في الدور الذي يقوم به (فتح الله غولن) وأتباعه وما صدر عنهم من إشارات مؤيدة للانقلابيين، ومقارنته بالوضع في مملكة البحرين، فإنه يذكرنا بالدور الذي تقوم به بعض قيادات المعارضة التي تسعى لإحكام السيطرة على الشارع من خلال إصدار التوجيهات والأوامر لأتباعها بهدف إنشاء (دولة موازية) تحت شعارات حماية حقوق الإنسان وحرية التعبير وإدعاء المظلومية، والاستعانة في ذلك بالدعم الإيراني اللامحدود الهادف لتصدير مبادئ ثورة الخميني وفق ما ينص عليه الدستور الإيراني، وتعزيز نفوذ إيران في المنطقة عبر زعزعة الأمن والاستقرار في الدول المجاورة وشراء ذمم أصحاب النفوس الضعيفة من مواطنيها والعزف على أوتار الطائفية.
لذلك فإن الموقف الوطني الموحد للمعارضة التركية في ذلك الحدث التاريخي رغم الخلافات السياسية بينها وبين الحزب الحاكم، وإدانتها للانقلاب وإصرارها على حماية الوطن والديمقراطية، هو ما يجب أن تستفيد منه المعارضة البحرينية التي انسحبت من مجلس النواب عقب أيام من انطلاق الأحداث المؤسفة في (فبراير 2011م)، ورفضت حوار ولي العهد آنذاك لاحتواء الأزمة، وامتنعت عن المشاركة في أعمال اللجنة الوطنية المختصة بتنفيذ توصيات لجنة تقصي الحقائق، وانسحبت من حوار التوافق الوطني الأول في (يوليو 2011م)، وعلقت مشاركتها في حوار التوافق الوطني الثاني في (سبتمبر 2013م)، ورفضت المشاركة في انتخابات (2014م)، وهو ما يؤكد رغبتها في تعقيد الوضع المتأزم لافتقارها الخبرة في العمل السياسي، وبعدها كل البعد عن (الوطنية) التي تدعيها.
المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا