النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10818 الأربعاء 21 نوفمبر 2018 الموافق 13 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

الدكتور خالد الأسعد.. بطل من تدمر

رابط مختصر
العدد 9957 الأربعاء 13 يوليو 2016 الموافق 8 شوال 1437

تقع تدمر على بعد نحو مائتي كيلومتر شمال شرقي دمشق ويجمع فنها المعماري بين التقنيات الإغريقية الرومانية والفارسية والمحلية، ويتجسد ذلك كله منسجما في لغة جمالية متميزة.
وتقول الناقدة اللبنانية د. ريتا عوض إن اسم تدمر قد ذكر للمرة الأولى فيما وصلنا من ألواح بابلية يعود تاريخها إلى الألفية الثانية قبل الميلاد، وسميت في هذه الألواح باسمها الآرامي «تدمر» التي تعني «المدينة التي لا تقهر».
وكانت واحة عربية مزدهرة حين أخضعها الرومان لحكمهم في منتصف القرن الأول الميلادي، وازدادت أهميتها كمدينة لوقوعها على طريق التجارة التي تربط بلاد فارس والهند والصين بالإمبراطورية الرومانية، فشكلت بذلك نقطة التقاء بين بعض أهم الحضارات في العصور القديمة. («العربي»، يونيو 2014، ص 47).
ويذكر جورجي زيدان، المؤرخ المعروف، أن تدمر كانت تسمى «تدمور»، كما نسب العرب بناءها إلى النبي سليمان بن داود أو سام بن نوح، أو إلى الجن! ويضيف زيدان أن القوافل كانت تمر بتدمر من القرن السادس قبل الميلاد، تحمل حاصلات اليمن أو الحبشة إلى العراق، فتتجاوز مشارف الشام إلى تدمر، ومنها إلى جزيرة العراق أو فارس أو آسيا الصغرى.
غير أن تدمر لم تزهِ وتزدهر إلا بعد سقوط مدينة «البتراء» فتحولت الطرق إليها واتسعت تجارتها حتى بلغت قمة مجدها في القرن الثالث للميلاد، فطمع فيها الرومان. ولما نشبت الحرب بين الروم والفرس في صدر المسيحية، زادت تدمر ثروة وأهمية لموقعها المتوسط بين القوتين، فباتت سيدة الشرق الروماني. وأكرم الرومان من رجالها «أذينة بن جيران بن وهب اللات بن نصر»، الذي غدا مع مرور الوقت سيد الشرق الروماني، وامتدت سلطته على سوريا وما يليها، ولقب بملك الملوك. وكان «أذينة» كثير الاشتغال بمحاربة الفرس وردهم عن بلاده، فإذا خرج أناب عنه في الحكم امرأته المشهورة «زنوبيا». (العرب قبل الإسلام، القاهرة، ص 101).
وكانت «زنوبيا» تدمرية المولد سمراء اللون مع جمال وهيبة، قوية البدن مع علو في الهمة والحزم. ويقول زيدان إن «كل سجاياها تنم عن أصلها العربي، وكانت تتكلم الآرامية والقبطية وبعض اللاتينية واليونانية، ولها اطلاع واسع على تاريخ الشرق والغرب، وقد ربت أولادها الثلاثة تربية حسنة، لكن الدهر نكبها نكبة لم تكن في حسبانها، فمات زوجها أذينة وابنه الأكبر «هيروديس سنة 267م».
غير أن تدمر سرعان ما استقلت، وصارت زنوبيا قائدة الجند، وغرست أعلامها في مصر والشام والعراق وآسيا الصغرى أي تركيا الحالية. وكانت زنوبيا كثيرة الاعتماد على رجالها العرب والأرمن، ولم تكن تثق ببقاء أهل الشام على الولاء لها «لأن أهل المدن لم يألفوا اشباه تلك السيادة البدوية».
ويقول «زيدان»، إن إمبراطور الرومان «أورليان» تمكن أخيرا من حصار تدمر، «بما بذله من المال في تفريق كلمة العرب، فلم تر زنوبيا خيرا من الفرار إلى الفرس، فاقتص الروم آثارها حتى قبضوا عليها». غير أن أورليان عفا عن أهل تدمر وأطلق سراح زنوبيا.
كانت زنوبيا صاحبة شخصية متميزة فضلا عن جمالها وهيبتها.
«فلم تكن تركب في الاسفار غير الخيل، ويندر ان تُحمل في الهودج.
وكانت تجالس قوادها واعوانها وتباحثهم وإذا جادلتهم غلبتهم بقوة برهانها وفصاحة لسانها. وكثيرا ما ضم مجلسها رجالا من أمم شتى وبينهم وفود من ملوك الفرس أو الأرمن أو غيرها، وقد كانوا يشربون حتى يسكروا وهي لا تسكر. وكانت إذا عقدت مجلسا اعتياديا للبحث في شؤون الدولة، ادخلت ابنها وهب اللات معها، وعليها أفخر اللباس وعلى كتفيها المشملة القيصرية الارجوانية وعلى رأسها التاج». (زيدان، ص 103).
تحدث «الدليل السياحي للدول العربية» الصادر عام 1959 بمقدمة كتبها السيد «عبدالخالق حسونة» الأمين العام لجامعة الدول العربية، عن مدينة تدمر وآثارها بكل فخر واعتزاز: «تعد آثار تدمر الباقية من أروع الآثار في العصر الحاضر لما فيها من معابد وتماثيل وهياكل وأعمدة وكنائس، ثم مسارح ومقابر وأسوار وكتابات تدمرية، والفن التدمري يختلف عن الفن الإغريقي والروماني رغم تأثره به.
ولآثار تدمر التاريخية شهرة سياحية عالمية يقصدها الزائرون والسائحون وعلماء الآثار من كل مكان للتفرج والمتعة والدراسة والتنقيب، والاطلاع على تلك المدينة العربية التي نبتت في قلب الصحراء، فكانت إحدى معجزات الحضارة السامية في هذه البقعة الصغيرة من العالم.
وفي مدينة تدمر إلى جانب آثارها العربية المدهشة آثار إسلامية أيضا». (عن الاتحاد العربي الدولي للسياحة، القاهرة 1959، ص 224).
لم تعرف تدمر السياحية أياما كالحة وعدوانا يهدد وجودها حجرا وبشرا كأيام احتلال عصابات «دولة داعش الاسلامية» لها، والتي دامت عشرة أشهر ما بين مايو 2015 ومارس 2016. ولم يكتف هذا التنظيم بتدمير ما استطاع من الآثار الرومانية وما وجد في متحف المدينة، بل وقام بتفجير جانب من قلعتها، ومارس ما حلا له فيها من قتل وتعذيب، كان ضحية إحداها أهم عالم آثار سوري ومدير آثارها الراحل «خالد الأسعد»، المعروف بأنه كان أحد أهم خبراء الآثار والقارئ الفذ للغة التدمرية، وصاحب عشرات الدراسات العلمية المترجمة إلى معظم اللغات.
وقد قام التنظيم بتعذيبه فترة طويلة لمحاولة معرفة الأماكن التي خبئت فيها بعض آثار المدينة لحمايتها، فرفض الإفصاح عن هذه الأماكن متحملا آلام التعذيب الوحشي لداعش وهو في الثانية والثمانين من العمر، على امتداد شهر كامل، قبل أن يقوم جهاديو التنظيم بذبحه وقطع رأسه، ونشرت مواقع إلكترونية صورا لهذا البطل تظهر جثته معلقة على عمود وتحتها رأسه وفوقها لوحة تعرف بأنه «المرتد خالد الأسعد الموالي للنظام النصيري»، وممثل النظام في «المؤتمرات الكفرية وإدارة الأصنام» و«تواصله مع الحرس الجمهوري وعلاقته بإيران».
ويقول «دان شو»، وهو مؤرخ ومقدم برامج، في صحيفة الديلي تلغراف، إن الأسعد وهب حياته للمدينة، «وكما تبدو وحشية تنظيم داعش من عصور أخرى، تبدو بطولة الأسعد من عصور أخرى». (القبس، 21/‏7/‏2015).
وقد نكست الأعلام في المتاحف الإيطالية تكريما لخالد الأسعد، وقال وزير الثقافة «فرانشيسكيني» إن الأعلام ستنكس في كل المتاحف والمراكز الثقافية التابعة للدولة، وقال رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رنزي «لا تستسلموا للهمجية أبدا».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا