النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10756 الخميس 20 سبتمبر 2018 الموافق 10 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

حمّال الفرضة الجديد

رابط مختصر
العدد 9936 الأربعاء 22 يونيو 2016 الموافق 17 رمضان 1437

أخذ يتأمل، يقارن الأمور، صامتاً، يتفحص الوجوه، يستمع بكل إمعان وتركيز شديد، لمداخلات، وآراء تشرق وتغرب يعلو الصوت أحياناً، وينخفض، نبرات حادة، ونبرات هادئة، أيد تلوح، وأيد تحاول أن تشرح أكثر بلغة الجسد تعزيزاً لقول أو فكرة أو مداخلة.


لم يكن يرغب في الكلام، ولا هو العاجز عن إبداء الرأي والمشورة، فهو صاحب فكر ورؤية، ولسان لا تعجزه البلاغة، لكنه آثر الاستماع والاستصاغة لوجهات نظر متفقة أو متباينة، فقد عودته الأيام والتجارب أن لا ينفعل، أو يبدي رأياً قد يجر عليه سخطاً من الآخرين، وقد آثر السلامة، فلزم الصمت واكتفي بالنظر والفرجة المشروعة.


هل هذا هو حال البعض عندما لا يجد فيما يقول إذناً مصغية، أو أخذاً بما قال أو حتى مناقشة صريحة شفافة فيما يطرحه ذماً أو قدحاً أو تقديراً وشكراً؟! لأن الرأي قد لا يكون دائماً صائباً، وكذلك لا يمكن أن يكون دائماً خاطئاً، فالأخذ والرد من شيم أصحاب العقول الراجحة.


ولمعزته بصديقه، وإشفاقاً عليه ومخافة أن يصاب بالإحباط واليأس أو يتعرض للأذى الجارح بالقول أو الصدود همس في أذنه قائلاً: «لا تكن مثل حمال الفرضة الجديد» واحتاج الأمر إلى توضيح أكثر من صديقه، فتساءل بعفوية ماذا تعني يا صاح فقال له: «إن حمال الفرضة الذي يلتحق بالعمل كمستجد تراه يندفع بكل قوة نحو الحمل ليضعه على أكتافه، ولا يكتفي بذلك بل تراه مندفعاً إلى حمل آخر ثاني وثالث، وهكذا، تحدوه الرغبة في الإثبات، وشعوره بالقدرة على العطاء، بينما ينظر إليه الآخرون ممن سبقوه إلى هذه المهنة في «الحمالة» بكل إشفاق في أحسن الأحيان وبالسخرية والاستهزاء في أسوأ الأحوال، فهم لفرط مكوثهم في المهنة وجدوا أنه ليس في الأمر ما يستدعي الاستعجال، فقد وطنوا أنفسهم على أخذ الأمور «بالهون» فصاروا من قدامى «حمالي الفرضة» الذين يلجأون إلى الظل بانتظار الأوامر، وليسوا معنيين بأخذ زمام المبادرة، والاندفاع الذاتي والتسابق من أجل إنجاز الأعمال.


قضية مثيرة، وتحتاج منا للتأمل، وفي هذه الرواية من العبر والعظات ما يستلزم منا أخذها بعين الرعاية والتفهم والاستيعاب والبناء عليها والقياس المنطقي بشأنها فما أحوجنا اليوم قبل الغد إلى المبادرات وأخذ الأمور بالجدية المطلوبة، والتخصص والإتقان في العمل، والتفاني في المنجز الوطني، فكل مقدر للمهنة أو الوظيفة التي يبدع فيها، ومهما تقدم العمر في الإنسان فإن ذلك لا يعجزه في أن يكون مجوداً في عطائه وبذله سواء في المهنة العامة التي يضطلع بها أو في مهنته الخاصة التي قدر له أن يكون سالكاً الطريق إليها.


فقد شهدنا في تاريخنا الوطني صفحات مضيئة لرجال ونساء وطننا ممن تفانوا في تقديم الخدمات مدفوعة الأجر أو في الأعمال التطوعية، فلا فرق عندهم بين الخدمة الخاصة والمصلحة الذاتية وبين الخدمة الوطنية والمصلحة العامة والشاملة، فقد وطنوا أنفسهم على البذل والعطاء والتفاني والإخلاص في أداء الواجب والالتزام بالحضور والانصراف، بل مباشرة العمل قبل موعده وحينه، تنقلوا بين المدن والقرى إلى أعمالهم إما بواسطة النقل العام، أو أحياناً المشي على الأقدام أو التنقل بواسطة الدراجات الهوائية ليلاً أو نهاراً وفى أحوال جوية متباينة، لقد كان شعورهم بالذهاب إلى أعمالهم تعادلها فرحة عودتهم إلى أهلهم وذويهم... وجدوا في أعمالهم صحبة طيبة لرفاق دربهم، وفرصة لتبادل الخبرات والصحبة الماجدة والحديث في شؤون الحياة، وبالمقابل الكسب الحلال المشروع، والخدمة الوطنية والبناء والنماء للأوطان، لا نحسب أننا نجتر الماضي ونتغنى بالمنجز الحضاري، وإن كان هذا هو حقنا المشروع وليس في ذلك غضاضة أو نقصاً أو مثلبة فمن ليس له ماضٍ ليس له حاضر أو مستقبل..


وليس هو استصغار ونظرة دونية لأجيال تأتي وتأخذ طريقها، ففي ذلك إجحاف ونقص ولا يستقيم الحال أبداً، فمسيرة الشعوب سلسلة حلقات تكمل بعضها بعضاً وتشد أزرها من صلتها ببقية الحلقات، وتاريخ الشعوب ممتد وعندما ينقطع فإن أمراً ما يكون على خطأ في التقدير والحساب.


شبابنا طاقات مبدعة، ظروف الحياة وتعقيداتها فرضت عليهم مفاهيم وقيماً وأعرافاً قد لا يعرفها أجدادهم وآباؤهم.. هم يحتاجون إلى الثقة بهم وبقدراتهم.. والسؤال الذى قد يطرحه الآباء؛ وهل هم قادرون على فهم مستقبلهم؟! أو هل هم على الأقل شاعرون بعظم المسؤولية وثقلها عليهم؟!


أحسب أن الجواب نعم وإن كنت لا يصح لي أن أتكلم باسمهم لكن شواهد التاريخ تثبت لنا أن الحياة تسير ولا يتوقف جريان النهر إلا عندما يغير النهر اتجاهه إن كان هو يملك ذلك أو شح ماء السماء فنقص الماء.. ولكن الإنسان بطبيعته وفطرته جبل على اختيار البدائل والتصرف فى الأمور التى تستعصي على الحل، فالإرادة أقوى من التحديات وما نعتقد أنه معوق بقليل من التفكير والتمعن قد تكون هناك أكثر من فرصة للنبوغ والتفوق.. فلا يزعجنكم مستقبل أولادكم طالما وفرتم لهم العلم النافع وطالما كان سلوكهم قويماً وأخلاقهم مستقيمة، فهم قادرون على أن يشقوا طريقهم في الحياة مثلما كان من سبقهم يؤمنون بأن من واجبهم أن يخلصوا في أعمالهم ويتفانوا في بناء أوطانهم، ويغلبوا المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.


ومن هنا أعتقد بأننا في زمن التخصص ولابد لنا من أن نسلك هذا الطريق، ولابد أن نأخذ الأمور بالجدية اللازمة وقتما يكون الجد ضرورياً وحتمياً ولازماً ولابد أن نستعد لكل طارئ ونضع له ما يناسبه من خطط وبرامج لا تقف عند الحاضر والتعامل معه، بل تتعامل مع المستقبل.. فشبابنا هم عدة المستقبل وذخيرته ورأس ماله.. وحمل أمانة الوطن يستوى فيها الأقدمون والمحدثون.


وعلى الخير والمحبة نلتقي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا