النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10762 الأربعاء 26 سبتمبر 2018 الموافق 16 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:30PM
  • العشاء
    7:00PM

كتاب الايام

الإنسان خزينة أوطان هل أرض المولد وأرض الأجداد وطن خالد لا يتزحزح عنه الإنس

رابط مختصر
العدد 9928 الثلاثاء 14 يونيو 2016 الموافق 9 رمضان 1437

الوطن على رقعة مرقعة من الأرض في جزئية صغيرة ليس وطنًا بالمطلق وإلا ما دأب الناس ومنذ أزمان غابرة إلى أيامنا الحاضرة بحثًا عن وطن يرتاح له القلب وتطمئن له النفس وترتضي له الكرامة، فالهجرات البشرية الطوعية من رقعة أرض إلى رقعة أخرى هي وسيلة ملازمة للإنسان بحثًا عن الماء والكلأ والأمان فأرض الله واسعة، وما خلق الله للإنسان رقعة أرض تسمى وطنًا بل خلقه على الارض لتكون الارض بكاملها موطنًا للإنسان. وإذا ما بحثنا في تاريخ الأجداد لكل فرد منا، فإنا سنجد أن كل فرد منا هو مجموعة من الاوطان، والوطن الأول لكل بني البشر حسب مخارج النشوء والارتقاء هي بقعة في شرق أفريقيا تسمى الحبشة، وحسب الكتب المقدسة هي تلك البقعة الصغير المجهولة الموقع حيث أنزل الله اليها آدم وحواء، فكلنا في الأصل من ذاك الوطن وليس من أصل آخر نفتخر به...


أيامنا الحاضرة ومع زلازل الفجيع العربي نحن شهود على هجرات طوعية بفعل مطحنة حروب لعبة الأمم على الأرض العربية، هجرات مغامرة، ثمنها الموت أو الوصول، تستهدف رقع الارض في أوروبا حيث الأمن والأمان واستقرار حال العيش، حشود من الاجساد البشرية تتراكم في زورق يفيض بتلك الأجساد كأنها تمور مرصوصة في سلة وتولي وجهتها شواطئ أوروبا، ونحن شهود على الضحايا الغرقى منهم بعد أن فاضت بهم الزوارق الصغيرة وانزلقوا الى أعماق مياه البحر ومن ثم لفظتهم أمواج البحر جثثًا هامدة وقد تلاطمت بها إلى يابسة بعيدة عن الوطن المنكوب المهجور.


وكم من الناس هجر موطن مولده وموطن أجداده ليستقر به الحال والعيش في وطن آخر بعيد عن البيت الذي ولد فيه وعن الأهل والأحبة الذين ترعرع على أيديهم وعاش شطرًا من حياته بينهم، حتى أن كلمة «المهجر» أصبحت مرادفة لكلمة «الوطن»، ورقع الاوطان البعيدة صارت حواضن للمهاجر، ولمصطلح المهجر رنين عطوف يجمع بين الحنين الى الوطن المهجور والتشبث بالمهجر الوطن، ومع تقادم الأجيال يصبح هذا المهجر وطنًا ويبقى الوطن المهجور في ذاكرة الماضي الى حين من الدهر يتلاشى ذاك الحنين الى ذاك المهجور، فتتولد عند هذا الانسان أحاسيس الانتماء والولاء والعشق لهذا الوطن الذي هجر إليه جد من أجداده، فيصبح لصيقًا برقع المهجر، وتنتفي عنه صفة المهاجر الى صفة المواطن، وهذه سنة الحياة في تنقل الانسان بحثًا عن الماء والكلأ و(الأمان). وفي المهجر الوطن الذي أضحى وطنًا مجردًا من المهجر يعيش الانسان طالما كان الماء والكلأ ملك يديه والأمن والاستقرار ملك نفسه وروحه، وقد تضطره نوائب الزمان أن يهجر، فردًا أو جمعًا، إلى مهجر آخر يستقر بحال العيش فيه.


 إن رابطة الوطن بالمهجر والمهجر بالوطن هي رابطة لزوم ما يلزم، فالتزام الانسان الفرد أو الجمع بالوطن أو المهجر مشروط بتوفر ما يلزم طيب العيش وحسن المآب وضمان كرامة الإنسان. هجر الوطن إلى مهجر آمن هو بمثابة ثورة سلبية ضد الأوضاع في الوطن، والانسان بهذا النمط من الرفض الثوري السلبي لا يرفع صوتًا ناقدًا ولا يرفع شعارًا محرضًا ولا ينقاد إلى عنف يهدف إلى قلب الأوضاع في الوطن، بل يلملم ملك يمينه مما خف وزنه وغلى ثمنه، هذا إن كان يملك شيئًا فيه ثمن، ويشد الرحال الى رقعة أرض يجد فيه طيب العيش.


وخير من عبر عن إنسان متمرد عاجز من أن يحدث تغييرًا لصالح المواطن في وطنه هو الكاتب والروائي السوري في قصة حوارية قصيرة، يدور الحوار فيها بين مواطن متهم وقاضٍ يؤدي دوره القضائي:


«القاضي: ضع يدك على القرآن، واقسم بأن تقول الحق.


المتهم: اقسم...


القاضي: هل كنت بتاريخ كذا... تنادي في الساحات العامة، وأمام جموع العمال والفلاحين، وتماثيل الأبطال، وأفواج السياح، ووكالات الأنباء، بأن الوطن يساوي حذاء؟


المتهم: نعم...


القاضي: الوطن حلم الطفولة، وذكريات الشيخوخة، والمفتدىٰ بكل غالٍ وثمين، لا يساوي بنظرك أكثر من حذاء؟ لماذا؟ لماذا؟


المتهم: كنت حافيًا يا سيدي!!!!»


نعم كان هذا المواطن المتهم حافيًا عندما قال ما قال في حق الوطن، وهو بهذا القول أمام السادة القضاة إنما يبلغ السلطة القضائية رسالة بأن معاناته تعني أن الوطن مريض. أمام هذه المعاناة مردوفة بالعجز فليس من المستبعد أن يقرر تغيير وطنه ويشد الرحال الى مهجر آمن سليم يتخذه وطنًا بديلاً لأنه لم يكن بامكانه المساهمة في إشفاء الوطن من مرضه، وهذه حالة من حالات البحث عن وطن بديل في المهجر، ونمط سلبي للتمرد والثورة.


ما هي رسالة هذا الحافي القدمين؟ إنه يقول والمعاناة تطحنه والعجز يخنقه أن الوطن لا يساوي حبة تراب ولا فردة حذاء إذا كانت كرامة الانسان فيه مهانة...


الوطن ارض، وكل ربوع الارض للإنسان وطن...


الانسان بكرامته هو الوطن... بقعة من الارض موطئ قدم يستقر عليها الانسان ام يرحل عنها... ويرحل الى تلك البقعة التي تحتضنه بالحب وتشاركه كرامته وتحسسه بإنسانيته... الرحل المهاجرون أوطانهم كثر وهم يبحثون عن بقعة أرض أخرى يتخذونه وطنًا بديلاً بعد أن استهلك الخير والأمان في حاضر وطنهم.

 

«سيدي كنت حافيًا عندما قلت إن الوطن لا يساوي أكثر من حذاء»...


لحظة من لحظات المعاناة الوجدانية وحرقة اليأس بانزلاق الكرامة إلى هاوية الذل والمهانة، فكيف وأين نتحسس الإعراب في الوطن؟... إن صراع الانسان وجهده من أجل العيش الكريم يرى في الوطن سقفًا وليس قطعة من أرض مسورة بسياج حدود مخنوقة تسمى الوطن، وهذا السقف هي غيمة الخير تظلل الانسان من حر الظلم وتلبي حاجته من ماء وكلأ في الحياة، وهذه الغيمة تتحرك في سماء السماء وطنًا لكل إنسان...


الغيمة حرة تسبح مع أخواتها السابحات، والانسان حر يسيح في الارض مع أخوته البشر يستظل غيمة تظلله وتطفئ عطشه...


الوطن سقف غيمة وليس قطعة أرض...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا