النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10756 الخميس 20 سبتمبر 2018 الموافق 10 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

أين هو المجتمع المدني التقـدمـي في البحريـن؟

رابط مختصر
العدد 9925 السبت 11 يونيو 2016 الموافق 6 رمضان 1437

يؤلمني أن العديد من الأصوات المعتدلة في البحرين قد اختفت على مدى السنوات الخمس الماضية.


الحقيقة المحزنة هي أنه كلما كانت هناك توترات أهلية يتعرض المعتدلون للهجوم والإقصاء من قبل طرفي التوتر، وذلك في خضم مهاجمتهما بعضهما البعض.


خلال الحرب الأهلية اللبنانية ومنذ أيامها الأولى جرى وصف دعاة التهدئة، الذين كانوا يحثون الجانبين على التراجع عن حافة الهاوية وتجنب إراقة الدماء، بأنهم خونة كما جرى قتل الكثيرين منهم، فعندما يعتقد الجميع أنه يمكن أن يحقق نصرًا كاملاً فإنه في أحسن الأحوال يجرى تهميش الذين يدعون إلى المصالحة والحوار ويطلب منهم التزام الصمت.


وإبان الأحداث الطائفية في فبراير ومارس 2011 بالبحرين كانت هناك العديد من الأصوات الداعية لضبط النفس، وخاصة أولئك الذين دعموا بشجاعة جهود سمو ولي العهد الحكيمة لجلب جميع الأطراف إلى طاولة الحوار الوطني، وهي المبادرة التي رفضت على الفور من قبل المعارضة.


كما تعرض الذين سعوا إلى نهاية سلمية ومشرفة للأزمة إلى هجمات قاسية عبر وسائل الإعلام الاجتماعي بشكل خاص، وتعرض بعضهم للتهديد وحتى الاعتداء الجسدي، ولقي المصير ذاته أولئك الذين شاركوا في الانتخابات البرلمانية بعد العام 2011، وجريمتهم كانت هي الاعتقاد أن البرلمان هو المكان المناسب للبحث عن الإصلاح وليس الشارع.


البحرين لديها واحد من أقدم قطاعات المجتمع المدني في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فالنضال النقابي والجهود الجماعية لتشجيع الإصلاحات وطرح قضايا اجتماعية مهمة يعود إلى العقود الأولى من القرن العشرين، كما ظهرت العديد من الجمعيات السياسية العلمانية اليسارية إبان فترة الخمسينيات.


ومع ذلك، بدلاً من الالتزام بالتقاليد السياسية الراسخة على العمل من داخل المجتمع وداخل النظام السياسي من أجل تحقيق التوافق والإصلاح، كانت هذه الجمعيات اليسارية من بين أوائل المتحالفين مع حركة المعارضة الطائفية التي يقودها رجال الدين وتسعى للإطاحة بعنف بالملكية الدستورية، ولذلك فإنه ليس من المستغرب أن نجد معظم المعتدلين من الطبقات الوسطى والمثقفين والمهنيين قد انسحبوا من تلك الجمعيات نهائيًا.


التجمعات الليبرالية الأخرى مثل جمعية ميثاق العمل الوطني وجدت أو أوجدت نفسها تحت مظلة تجمع الفاتح، الذي كان له بالتأكيد موقفًا مهمًا في سياق أحداث العام 2011، لكن ذلك أسفر في الوقت ذاته عن ازدياد حدة البعد الطائفي للأحداث مع الأسف.


نتيجة لذلك، ولأسباب أخرى، ابتعدت الجمعيات السياسية عن الشارع، وخرجت من الحياة السياسية تقريبًا، فهي إما عزلت نفسها بنفسها عندما قررت مقاطعة العملية السياسية، وإما وجدت نفسها دون قاعدة شعبية، حيث خرج تجمع الوحدة الوطنية خالي الوفاض تمامًا من الانتخابات البرلمانية عام 2014، فيما اضمحلت التجمعات السنية مثل المنبر والأصالة إلى حد كبير، ورافق ذلك اضمحلال دورها في الحياة العامة وانخفضت مداخيلها المالية، وباتت أبعد ما تكون عن ممارسة النشاط السياسي.


إنني أشارك العديد من البحرينيين في تحفظاتهم على الجمعيات السياسية لناحية أن لدى تلك الجمعيات إيديولوجية خاصة بها تدور حول السعي للوصول للسلطة ليس إلا، ومع ذلك، فإنه يقلقني أن الأوضاع التي مررنا بها سابقًا لم تترك لنا أي شكل من أشكال العمل المؤسسي لقطاعات المجتمع المدني الليبرالية والمعتدلة.


ذلك رغم أن معظم البحرينيين متسامح ومنفتح وعلى استعداد للاستماع للأفكار الجديدة البناءة حول بلورة الحياة السياسية في إطار الملكية الدستورية، نجد أن التيار التقدمي المنظم في المجتمع البحريني الآن لا يمثل هذا المجتمع كما يجب مع الأسف، وأحد أسباب ذلك يعود إلى تهديد أقطاب هذا التيار للأصوات المعتدلة التي تدعو إلى التسامح والحوار.


والمشكلة هنا هي أن أصوات الليبراليين متفرقة وليس هناك مظلة تجعهم، وقد لاحظنا ذلك عند مناقشة البرلمان لمقترح بقانون الموافقة على إعادة صياغة تحفظات مملكة البحرين على اتفاقية القضاء على جميع أشكال العنف ضد المرأة «السيداو»، حيث رأينا كيف أن الإسلاميين كانوا قادرين على إثارة جو من المعارضة الشعبية لمشروع القانون بناءً على معلومات خاطئة وتحشيد الناس للوقوف ضد هذا المقترح بقانون.


واعتقد أن جزءًا من عدم الرضا الحالي عن أداء كل الجمعيات السياسية سببه عدم الرضا عن كل ما حصل في أحداث 2011، فجمعية الوفاق هيجت الشارع وذهبت به إلى الدوار المشؤوم، وأدخلت البحرين حينها في متاهة سياسية كانت ستفضي بنا إلى حالة شبيهة بالحالة السورية أو الليبية لا سمح الله.


وقد تمكن ائتلاف الفاتح من إعادة شيء من التوازن للمشهد وعدم السماح باختطافه كاملاً، ولكن أيضا غرق في دوار الأحداث السياسية تلك ولم يدرك أنها انتهت، وابتعد عن قضايا الناس التي تطورت بمرور الوقت وأصبحت تتعلق بإصلاح الدعم وتحسين مستويات المعيشة والدَّين العام وتحفيز نمو القطاع الخاص وغيرها.


إنني أذهب إلى القول إن دور الجمعيات السياسية التقليدية قد تلاشى، ونحن الآن بحاجة إلى تفعيل الجمعيات المهنية، التي تعنى بالاقتصاد والمرأة والطفل والوعي الصحي وغيرها. نحن بحاجة إلى إبعاد الأصوات الطائفية التقسيمية وتركيز الاهتمام على قضايا واقعية يمكن أن تحسن حياة الناس العاديين.


* رئيس مجلس إدارة
مجموعة بروموسيفن القابضة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا