النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10812 الخميس 15 نوفمبر 2018 الموافق 7 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:34AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

بين خفة الدم وثقالة الموقف

رابط مختصر
العدد 9915 الأربعاء 1 يونيو 2016 الموافق 25 شعبان 1437

 قد نصنف شعوبًا بظاهرة خفة الدم وقد نصف أفرادًا بثقالته، ولكن الأصعب أن يكون موقف المرء ثقيلًا فقد تستحمل ثرثرة البعض، وقد تطيق تذمر شخص، وقد ترأف لحال مشتكي، وقد تصبر على من يماطل ويسوف، ولكنك قطعًا لن تتحمل المواقف الثقيلة وأصحابها؛ فقد تصاب بالغثيان، وتلعن تلك اللحظات التي تعرفت فيها على هذا الشخص السقيم وقد نظن لبرهة أنه بين ثقالة الموقف وخفته شعرة، ولكننا سرعان ما نكتشف أن ثقالة الموقف داء عضال يتمتع به صاحبه ولا تملك إلا أن تقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، هذا إذا كنت لا تود أن تواجه أصحاب المواقف الثقال.


في زماننا كثرت مثل هذه المواقف وكانت وسائل التواصل الاجتماعي قد زادت من وتيرتها واستفحل أمرها من خلال الواتس آب whatsapp أو اليوتيوب youtube فهناك من لا يعرف للناس حرمة فيبعث ما يأتيه من صور ومواقف دون أن يتمعن فيها أو يتفحصها، ويدرك خطورتها وضررها على نفسية المتلقين أو يظن أنه بذلك ينال استحسان المستقبلين لتلك الرسائل التي أقل ما يقال فيها أنها بعيدة كل البعد عن الذوق العام وتسيء لصاحبها أبلغ الإساءة فاعتقاده الخاطئ بأن «ناقل الكفر ليس بكافر» يشفع له في إرسال مثل هذه الصور الخادشة للحياء والذوق والفطرة السليمة، وتصيب مرسلها في مقتل، فعندما ترسل موقفًا فأنت شئت أم أبيت تتبنى هذا الموقف، بل في احسن الأحوال أنك تروج له كما يروج عديمو الضمير البضائع الفاسدة، فما الفرق بين الجاهل أو المعقّد في بث مثل هذا الغث البعيد عن القيم والعادات والتقاليد والموروثات وبين أولئك الذين يرسلون أو يعيدون إرسال مثل هذه المواد السامة والمفسدة والتي تصيب الناس بالانزعاج والضيق النفسي.


كان الناس في أيام الرجولة الحقة يتحاشون أن يرووا المواقف غير اللائقة أو أن يتلفظوا بكلمات نابية، فقد كانوا حريصين على اختيار المواقف، والتأكد من سلامة العبارات سواء في أحاديثهم اليومية أو مراسلاتهم المكتوبة.


صحيح أننا بعد لم نسن القوانين والتشريعات المنظمة لوسائل التواصل الاجتماعي والرسائل التي تبث من خلالها وإن كان القضاء قد جرم التعرض للناس من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أننا يجب علينا أن ندرك أن القيم الاجتماعية والأعراف بالإضافة إلى المعتقد تمنعنا وتحرم علينا التلفظ بفحش القول، فلا نعرض الناس للأذى اللفظي، فهذا الأذى لا يقل أبدًا عن الأذى الجسدي.


فإذا كانت هذه الصور والعبارات صادمة للمشاعر الإنسانية عند متلقيها، فكيف يكون حالنا ونحن مسؤولون عن أبنائنا وأحفادنا الذين نربأ بهم بأن يعرضوا للأذى النفسي أو العقلي أو الجسدي، فالمسؤولية كبيرة وعلى من يحمل هذه الأجهزة الحديثة مراعاة ضمائرهم الحية، فليس كل ما يسمع يقال وليس كل ما يستلم يعاد نشره وتسويقه، وليس كل ما يتم تصويره يصلح لأن يبث، وينشر، ولا يظن أحد أنه إنما ينقل ما يرد إليه فهذا مفهوم خاطئ، لأن المتلقي للمادة المنبوذة والمستهجنة سيأخذ انطباعا عن المرسل ليس محمودًا ولا مستحبًا أبدًا، إذ أن المرء منا يملك حرية مسح ما يرد إليه، وليس مجبورًا على إعادة الإرسال؛ فالفطنة والعقل الراجح وما تربينا عليه يرفض أن يكون المرء منا مروجًا للأقوال والأفعال المستهجنة، والبعيدة عن الذوق والإحساس الفطري والسليقة السليمة، فليس في أمتنا التي تؤمن بالرسالات السماوية ما يشين المجتمع ويسيء إليه ويعرض أفراده للأذى والتجريح والإساءة؛ فقد بينت لنا العقيدة أن الإنسان يولد على الفطرة السمحاء، فلنجعل من أنفسنا دعاة خير وصلاح ولنتحرى الصدق والأمانة، ونحافظ على قيمنا الاجتماعية وعادتنا وتقاليدنا وشيمنا وأعرافنا، ولنعلم أن ثمرات الحضارة ليس مطلوبا الاستفادة منها فيما يدمر المجتمعات ويغرس فيهم الشحناء والبغضاء والحقد والكراهية والضغينة، فنحن أمة حضارة وتقدم ورقي وكان بناة هذه الحضارة قد أخذوا من غيرهم كما يقول التاريخ وأضافوا عليه ونقحوه وأفادوا غيرهم، ومهما اعترانا من وهن وتراجع، فالشعوب المؤمنة برسالتها لا تقف دونها العوائق والمثبطات والعراقيل والمنغصات؛ فالتحديات في الحياة تقابلها أيضًا الفرص، والأمم التي تعرضت للمحن في حياتها وهددتها في كينونتها التحديات والأعاصير استطاعت أن تنهض وتواصل المسيرة والعطاء وأصبحت اليوم في مصاف الأمم والشعوب المتقدمة.


ونحن أمة الحضارة وأصحاب رسالة السماء لن تثنينا التحديات عن مواصلة الركب والنماء والبناء متى ما أدركنا القوى الكامنة فينا واستثمرنا في قدرات شبابنا ومواهبهم وزاوجنا ذلك بخبرات رجالنا الذين أعطوا الكثير من أجل مواجهة تقلبات الحياة والأيام، فصبروا وصابروا ونالوا نصيبهم في الحياة الحرة الكريمة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا