النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10817 الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 الموافق 12 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

رزق الله أيام زمان!

رابط مختصر
العدد 9911 السبت 28 مايو 2016 الموافق 21 شعبان 1437

دفعت الأزمة السياسية المعقَّدة في البرازيل البرلمان إلى عزل الرئيسة ديلما روسيف ليحل محلها نائبها ميشال تامر رئيساً مؤقتًا لواحدة من أكبر الاقتصادات النامية في العالم.
لماذا أجد نفسي مهتمًا بذلك؟ لأن ميشال تامر يتحدر من منطقة الكورة في لبنان، وهي ذات المنطقة التي تتحدر منها والدتي، كما أن ميشال رجل يفخر بأصله، ويزور بشكل منتظم لبنان وتحديدًا قرية بتعبورة، حيث هناك شارع يحمل اسمه.


تمامًا كما كان فوز باراك أوباما برئاسة أكبر دولة في أمريكا الشمالية فخرًا للكثيرين من الكينيين، فإنه يمكن للكثير من العرب أن يفخروا برئاسة تامر لأكبر دولة في أمريكا الجنوبية.


لطالما حظي لبنان في الماضي بقامات شامخة في مجال الأدب والثقافة والعلوم على مستوى العالم من بينها على سبيل المثال لا الحصر جبران خليل جبران وبشارة الخوري ومخايل نعيمة، كما أن حاضر لبنان في هذا المجال ليس أقل ازدهارا من ماضيه، حيث تبرز أسماء لبنانية ذات شهرة عالمية من بينها في مجال الأعمال كارلوس غصن الرئيس التنفيذي لشركتي نيسان ورينو، والكاتب ذائع الصيت أمين معلوف، والطبيب اللبناني الكندي محمد صوان مخترع «العين الثالثة»، والمغامر الرياضي مكسيم ادكار شعيا، ومصمم الأزياء العالمي إلي صعب، وغيرهم الكثير.


مجال آخر كان اللبنانيون بارعون فيه على الدوام، وهو السياسة، ولكن لشدة ولعهم -شعب ونخب- بالسياسة حوَّلوها إلى دوامة شدَّت لبنان إلى قاع بحر عميق لم يعرف الخروج منه.


لدي اعتقاد خاص أن اللبنانيين، ومنذ عهد الفينيقيين -وربما قبل ذلك بفترة طويلة- تميزوا دائما بمجال التجارة والاعمال والابداع، وأن أولئك فقط الذين فشلوا فشلا ذريعا في عالم التجارة والأعمال بحثوا عن نجاحهم في السياسة.


وفقا لهذا الاعتقاد، يمكننا التأكيد أن لبنان يميل إلى الازدهار كلما زاد عدد رجال الأعمال من جهة، وقل عدد السياسيين من جهة أخرى، وبكلمات أخرى عندما يصبح دخول عالم الأعمال هو الهدف الأكبر للبناني، وليس السياسة.


ووفقًا لهذا المنطق نفسه، يمكن التأكيد أن أحد أسباب أو عوارض الأزمات التي يمر بها لبنان ودول الجوار الآن هو ارتفاع أعداد الطامحين أو الطامعين بالسياسة، وبالتالي تكاثر الأحزاب والحركات السياسية، والمماحكات والصراعات السياسية، ثم انشغال الجميع بالسياسة على حساب التنمية الحقيقية التي يحققها الفلاح والعامل والموظف ورائد الأعمال وغيرهم.


لمن يشك باعتقادي هذا أقول ببساطة إنه ورغم هذه الوفرة من السياسيين اللامعين في لبنان نجد أن الحياة السياسية في هذا البلد شبه معطلة بالكامل، فالبرلمان غير منتج، والحكومة حكومة محاصة طائفية أكثر منها حكومة تكنوقراط أو كفاءات، كما أنه ليس هناك صوت واحد للبنان كدولة إزاء قضايا المنطقة، ومما يدعو للأسى فعلا أن تعصف ببيروت، عاصمة النور العربية، أزمة نفايات حادة ذات منشأ سياسي بالأساس!


هناك الكثير من الحريات في لبنان، حرية التفكير والتعبير والتجمع والتظاهر والإعلام وتشكيل الأحزاب وانتقاد الحكومة، لكن التركيبة الطائفية، والتكتل خلف قيادات سياسية ذات مرجعية دينية في الغالب، يجعل من الولاء للجماعة أكثر منه ولاء للوطن، وتصبح تلك الحريات وسيلة للتقوقع داخل الجماعة، وليست طريقا للديمقراطية بمفهومها الوطني الجامع.


مشكلة لبنان ليست عدم وجود رجال سياسة فاعلين، وإنما وجود رجال سياسية دهاة مخضرمين يُسخِّرون جل إمكانياتهم للاستئثار بالساحة، ولقد ابتلي لبنان على مدى عقود بكيانات سياسية على استعداد لفعل كل شيء لحماية نفسها والتقوقع على ذاتها من جهة، وسحق الكيانات الأخرى من جهة أخرى.


ولم يكن البرلمان ساحة النزال بين تلك الكيانات كما هي العادة في الدول الديمقراطية، وإنما كان الشارع غالبًا هو الساحة التي يمكن أن تشهد مختلف أنواع الصراع بما في ذلك المواجهة المسلحة والاغتيالات وحرب العصابات، وغالبًا ما كان المدنيون هم الضحية الأولى لذلك خاصة إبان الحرب الأهلية اللبنانية، وإن كانت هذه الحرب توقفت باتفاق الطائف منذ قرابة ربع قرن، إلا أن المناكفات السياسية المفضية إلى الصدام المسلح والموت والدمار لم تتوقف نهائيا.


في الواقع، كان اللبنانيون على الدوام يشقون طرقًا أخرى للتكيف وحتى تجاوز الأوضاع الصعبة التي أفرزها عراك النخب السياسية في بلدهم، وذلك عبر تحفيز قطاع الأعمال، وتوفير الدعم الاجتماعي غير الرسمي للمحتاجين، وممارسة حياتهم بمرونة تتأقلم مع عدم الاستقرار السياسي، والذي تفاقم مؤخرًا بسبب النزاع في الجارة سوريا.


في 25 مايو 2014 انتهت فترة رئاسة ميشال سليمان للبنان، وفشلت الطبقات السياسية الموقرة في لبنان على مدى العامين الماضيين في الاتفاق على رئيس بديل!، وهنا يعترينا شعور بمرارة السخرية حول أن الرئيس اللبناني الوحيد في العالم هو في الواقع ليس رئيسا للبنان!.


نحن نتمنى مخلصين للرئيس الجديد في البرازيل، ميشال تامر، كل التوفيق والنجاح. إنه حقًا مصدر كبير للفخر بالنسبة لنا جميعًا، ولكننا نأمل أن يعمل على توريث شغفه بالسياسة وحنكته بها إلى الجانب البرازيلي من شجرة عائلته وليس الجانب اللبناني!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا