النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10754 الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:42PM
  • العشاء
    7:12PM

كتاب الايام

هللوا.. وصفقوا لـ «خان».. !!

رابط مختصر
العدد 9900 الثلاثاء 17 مايو 2016 الموافق 10 شعبان 1437

 الذين هللوا، وصفقوا، وابتهجوا، واحتفلوا لفوزه بعمودية لندن، احد اهم عواصم اوروبا، ولها تأثير كبير في السياسة البريطانية، واعتبروا ذلك حدثا تاريخيا غير مسبوق، ونصرا إسلاميا، هاهو صادق خان، ابن سائق «الباص» لعائلة مسلمة مهاجرة، يفاجئهم بقوله: انه ليس قائدا مسلما ولا يتحدث باسم المسلمين، ولكنه يعمل ويتحدث باسم جميع اللندنيين، والذين توقعوا من الرجل ان يقول غير ذلك الكلام، وانتظروا ان يسمعهم، والذين نسوا او تناسوا ان فى المنافسات الانتخابية الحقيقية هناك لا يعرف الناس بدينهم، او بمذهبهم، او طائفتهم، او عرقهم، او ملتهم، او عائلتهم او اي شيء مما ألفناهم عندنا من سلوك انتخابي مشين، وانما بكفاءتهم وقدراتهم وتفوقهم وبرامجهم الانتخابية.


برنامج عمل خان، الذي اصبح وزيرا مرتين، وتخصص في الدفاع عن حقوق الانسان، تلخص في خدمة ابناء مدينة لندن جميعا توفير مناخ المساواة في الحقوق والواجبات في إعطاء شباب لندن الفرص المتساوية في العمل والأجور الجيدة، والمواصلات الآمنة والراقية، والبيئة الصحية النقية، وذهب الى كيفية جعل لندن مدينة التسامح العرقي والديني، وراهن على تفاعل مكونات المجتمع تحت خيمة البلد، وجاء قبول الناس له ونجاحه


امام مرشح يهودي غني ومدعوم من لوبي قوي، استعمل كل الأسلحة لقتل حظوظ الرجل، بما في ذلك اللعب على النزعة العنصرية المقيتة التي تظهر هذه اﻻيام بشكل كبير وتستثمر بشكل اكبر من قوى وأطراف تكاد تكون معلومة، ولكن ذلك لم يحول دون فوز خان، وهذا يعني في ابسط تحليل ان اللندنيين، او معظم اللندنيين بخير، وان عقولهم لم تلوثها الدعاية السوداء التي انتشرت في الاعلام ضد كل ما يمت الى الإسلام بصلة، وأوجدت داء الإسلاموفوبيا.


أليس غريبا وباعثا على الحيرة حقا، انه في وسط حالة الابتهاج بفوز خان، ان نجد من انشغل بالتنقيب عن مذهب الرجل، هل هو شيعي ام سني، ومن يتابع وسائل التواصل الاجتماعي في اﻻيام الماضية سيلمس مدى الإسفاف والهبوط الفكري والأخلاقي الذي آل اليه المشهد، ولا يبدو ان اي من هؤلاء من تمعن في برنامج الرجل، وكأن ثمة من لا يرى بانه لا يمكن ان تنتج وطنا قابلا للحياة والتطور والاستقرار اذا لم يرتكز هذا الوطن على قيم ومبادئ قادرة على تجسيد ولاء المواطنين، متجاوزا الانتماءات الدينية والمذهبية وغيرها من الانتماءات التي تتلون وتتفرع، يضاف إليها التشابك الحاصل بين الدين والسياسة، وبين الطائفة والعصبية، وبين الشأن العام والشأن الخاص، علاوة الى أمراض طفت هي وليدة تكريس الفوارق والتناقضات، وإرساء شبكة مصالح وحاشيات واتباع طموحاتها مكاسب ومناصب ووظائف ووطنيتها ارقام وحسابات في المصارف، وانجازاتها تزين الباطل حقا والوهم حقيقة، والزور عدلا، والمصلحة الخاصة هدفا، من دون ان ننسى إضافة إهدار قيم المحاسبة والمساءلة وتغييب منطق العلم والكفاءة وترسيخ الذهنية التي تجعل القرارات محصلة التوازنات لا المصالح العليا، وتبيح استغلال المناصب لتوزيع المكاسب واستغلال الطارئين وتطويعهم، وتنمية طبقة اصحاب الأهواء والانتهازيين والمنافقين والمطبلين والمهرجين..!!


إذن لابد من القول، بانه حين الترفع عن العنصرية والطائفية والمذهبية وكل انواع الانشطارات، والانقسامات والتقسيمات، وحين يؤمن الجميع بالتسامح والتعايش والعدالة الاجتماعية، والمساواة وعدم تحقير الانسان بتحويله الى سلعة تباع وتشترى في سبيل مصالح آنية تسقط القيم الانسانية ذاتها، مع قناعتنا بان القيم الانسانية لا تسقط وانما الذي يسقط هو الانسان المتخلف، او الفاقد لإنسانيته، حين لا نأخذ العبر والدروس من أخطاء الماضي حتى لا نخفق في معالجة الحاضر ونخفق في التحضير والاستثمار للمستقبل، حين تطبق الحرية والعدالة للجميع، وكذلك وبالذات حين لا تكون فيه «نحن» منعزلة عن «هم»، حين لا نجعل مشاكلنا تكبر، وتنتقل الى مجالات اخرى لتصبح اكثر تعقيدا، حين يقتنع كل من يتولى مسؤولية عامة ان نزاهته ليست فقط في طهارة يده، بل في طهارة كل من حوله، حين يوجد نوابا يمثلون الشعب لا يمثلون عليه، حين تواجه بحسم ثقافة الكره التي يحاول البعض ان يغذيها على الدوام، واعتبارها ثقافة مشينة وراءها لاطراف او اشخاص يبنون زعامتهم، او يتكسبون منها بشكل او بآخر، وحين يتوقف وبحسم ايضا شهية التسييس وطأفنة كل شأن وطني، من جانب اهل الهوى السياسي واهل الخبرة واهل «الكار»، حينها فقط نحول دون ادخال أوطاننا في نفق مظلم يصبح الخروج منه غير ممكن، نراوح في مكاننا نحتمي فقط وراء شعارات فارغة من مضامينها.


نعود الى خان، ندعو الى التأمل في تجربته وبرنامجه وأسباب فوزه، قد يختلف البعض حول بعض مواقفه بشكل او بآخر، ولكن هذا لا يمنع من احترام فكره ودفاعه عن القيم الانسانية والعدالة الاجتماعية والتعددية الثقافية وتصديه للعنصرية والنزعة اليمينية المنغلقة، وكيف ان العقول التي لم تلوث هي التي عبرت عن نفسها باختيارها المبادئ الانسانية التي رفع لواءها. أما اذا بقي مشهدنا على حاله، وظللنا نفقد حسابات المنطق، وحسابات الزمن ومواقيته، فإننا سنظل محاطين بالخاملين، نتلقى خيبات الأمل المتواصلة، نتفرج فقط على تجارب الامم والشعوب وكيف تتقدم وتتطور وتعطي الاعتبار للناس والمواطنة، والديمقراطية التي لا تبنى على التوهم، فيمـا الحقائق مرة، والواقع معتم، والمستقبل مجهول..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا