النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10759 الأحد 23 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

الفساد يشبه «السوس»!

رابط مختصر
العدد 9897 السبت 14 مايو 2016 الموافق 7 شعبان 1437

في دراسة له: «قراءة في ملف الفساد: (السوس) الذي ينخر في عظام مؤسساتنا» والمنشورة في مجلة الديمقراطية الصادرة عن مؤسسة الاهرام (العدد 62 ابريل 2016) تحدث استاذ ورئيس قسم القانون الجنائي ــ كلية الحقوق بجامعة الاسكندرية د.سليمان عبدالمنعم عن الفساد الذي يوصفه بأنه يشبه السوس، وعن البيئة التي يوجد فيها وهي بيئة يقول عنها: تفتقر الى الشفافية والوضوح، وتتسم علاقاتها بالغموض، وتهرب من تبعات الافصاح، ونور الحقائق، وضوء الاعلام. والفساد مثل «السوس» يمكنه بفعل الزمن والتكاثر ان يقوض ما يبدو في الظاهر قوياً وراسخاً، حتى يتحلل في نهاية الأمر، إن لم تتم معاجته، الى تراب!


وللفساد زوايا متعددة، ومواجهته احد عوامل الاستنفار العالمي لان الفساد يرتبط بظاهرة الجريمة المنظمة في شتى تجلياتها (الاتجار في المخدرات، الاتجار غير المشروع في الاسلحة، والاتجار بالبشر، والارهاب، وغسيل الاموال).


ويتوقف عبدالمنعم عند تشخيص الفساد اولاً، ثم البحث عن عناصر جديدة في استراتيجية مكافحة الفساد ثانياً.


وعن خطورة الفساد الذي تجاوز اليوم مفهوم «الجريمة» ليصبح ظاهرة وخيمة العواقب يرى ان الفساد يهدد الكثير من البنى الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية في المجتمع، ويقود التشخيص (التكاملي) لظاهرة الفساد الى رصد مجموعة من الدلالات القانونية، والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ورصد هذه الدلالات، الظاهر منها والمضمر، لا يسهم فقط في تعميق الادراك بخطورة الفساد، وكارثيته، بل يقود ايضاً الى صياغة استراتيجية مواجهته.


واذا ما توقفنا عند الدلالات السياسية نجد ــ في رأيه ــ انها بدورها تكشف مستوى تشخيص آخر لخطورة الفساد.


فالفساد، وبرغم كونه يمثل جريمة تلحق بالدولة نفسها ببالغ الضرر، الا انه لا يمكن فصله عن تدني او غياب قيم الديمقراطية، والشفافية، والنزاهة، والمساءلة، وكلها قيم أساسية لضمان دولة القانون، وتتجلى خطورة الفساد السياسي على الصعيد السياسي اكثر فاكثر بحكم عاملين:


الأول هو ما يؤدي اليه الفساد من احتمال نشوب تحالف مع قوى سياسية، وهو تحالف غامض وخيم العواقب يفتقر الى المشروعية والاخلاقية، ويكرس نفسه لخدمة افراد او جماعات لهم مصالح ضيقة، بمعزل عن المصلحة العامة للدولة والمجتمع. والعامل الثاني يترتب على العامل الأول، بمعنى ان استشراء الفساد وتحالفاته السياسية والحزبية يمهد في الغالب ــ ويواكب ــ انشطة اجرامية اخرى تقوم «بالتخديم» على هذا الفساد، وهو امر ينذر بعواقب من نوع آخر. وبعبارة اكثر وضوحاً في ظل مناخ كهذا يصعب تصور كيفية كفالة وتعزيز حقوق المواطنة الاساسية، مثل المساواة وتكافؤ الفرص، بل وكيفية ضمان الاستقرار السياسي للدولة. وليس من الصعب تصور الدور الخطير الذي يمكن لقوى الفساد ان تمارسه من خلال توظيف العوائد المالية الهائلة التي تمتلكها في الاستحقاقات الانتخابية الرئاسية، او البرلمانية، او حتى المحلية. ويحدث هذا في دول الديمقراطية الهشة التي لم ترسخ فيها بما فيه الكفاية بعد، المفاهيم والآليات الديمقراطية السليمة.


والى جانب الدلالات السياسية تحدث الكاتب عن الدلالات الاجتماعية لاعتبارها تقدم تشخيصاً مقلقاً عن الفساد، وتحديداً في الدول الاقل نمواً والاكثر فقراً!


والأهم في نظره ان العوائد المالية الكبيرة للفساد تكشف عن حراك اجتماعي مصطنع تقوده طبقة طفيلية ضئيلة على حساب طبقة وسطى واسعة، يتراجع دورها وينكمش، وبالضرورة على حساب الطبقات الفقيرة في المجتمع. يزداد هذا الوضع سوءاً بفعل ظاهرة غسيل الاموال المتحصلة عن نشاط الفساد واعادة تدويرها، ليتم ضخها من جديد في صورة أموال مشروعة في ظاهرها!


ويكشف التشخيص الاجتماعي لظاهرة الفساد عما تمثله من انتهاكات لمبادئ المساواة، والعدالة الاجتماعية، والثقافية السائدة، او التي يجب ان تسود عموم الناس، فالأموال غير النظيفة لا تسهم في تقدم المجتمع!


وفي المقابل، يتحدث عن سياسة التجريم والعقاب متخذاً التجربة المصرية مثالاً تكشف في رأيه عن بعض جوانب القصور. وبرغم ان التشريع المصري يجرم الكثير من أفعال الفساد فان السياسة الجنائية لاتزال تحتاج الى مراجعة. أي ما يمكن ملاحطته على هذه الترسانة العقابية هو ان رغم ضخامة وشدة ما تضمنته من عقوبات، فانها تكاد تقرر الوصف الجنائي نفسه، والتسعيرة العقابية ذاتها لأفعال متنوعة من الفساد، تتفاوت فيما بينها من حيث الجسامة الذاتية والضرر الناشئ عنها، وعلى سبيل المثال، الرشوة بعشرات او بمئات الجنيهات لا تختلف في التكييف القانوني،

والعقوبات، والتدابير عن الرشوة بملايين او ربما بمليارات الجنيهات! والامر نفسه يصدق على جريمة اختلاس المال العام التي لا يفرق المشرع في المعاملة العقابية لفاعلها بين ما اذا كان قد اختلس ستمائة جنيه او ستمائة مليون جنيه!


إن مكافحـة الفسـاد يحتاج الى استراتيجـية قانونية ولا يمكن هذه الاستراتيجـية تفعـل فعلهـا بدون اضطـلاع الدولـة والمجتمـع معـاً بـادوار اخـرى سياسية، وثقافية، وتربوية واجتماعية، واعلامية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا