النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10811 الأربعاء 14 نوفمبر 2018 الموافق 6 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

أنقرة.. ماذا يجري؟

رابط مختصر
العدد 9895 الخميس 12 مايو 2016 الموافق 5 شعبان 1437

كشفت استقالة رئيس حزب العدالة والتنمية، رئيس الحكومة التركية أحمد داود أوغلو عن خلافات عميقة بينه وبين الرئيس رجب طيب إردوغان حول مساحة سلطة كل منهما. وأوغلو هو الصديق الثاني الذي يخسره إردوغان بعد رفيق دربه عبدالله غل، الذي لم يخفِ اعتراضه على سياسات الرئيس إردوغان لمحاولاته المستميتة في الإمساك بكل خيوط السلطة.


بداية، علينا أن نكون منصفين في الحديث عن الوضع التركي الذي يمر بأزمات الواحدة تلو الأخرى منذ اندلاع ثورات الربيع العربي باكورة عام 2011، وأوشكت في 2013 أن تكون واحدة من تلك الدول التي مرت بها عاصفة اجتثاث الأنظمة، لولا القبضة الأمنية للحزب الحاكم التي أدت إلى اعتقال متظاهرين، ونفوذ إردوغان في الاستعاضة عن المئات من رجال الشرطة بأفراد موالين لحزبه، ومنعه لوسائل التواصل الاجتماعي؛ «تويتر» و«فيسبوك»، لمنع حشد الناس ضده، خاصة بعدما تردد عن فساد يمسّ بعض أفراد أسرته ودائرته المقربة. ثم أزمة اللاجئين؛ المليونين ونصف المليون سوري، الذين هرعوا إلى تركيا هربًا من جحيم الحرب، وقررت أخيرًا تركيا الانتفاع من هذا الوضع الخانق الذي عانت منه منذ خمسة أعوام، وأتمت صفقة مع الاتحاد الأوروبي تقوم بموجبها باستقبال اللاجئين العائدين من اليونان إلى تركيا، مقابل إعفاء الأتراك من تأشيرة الدخول إلى منطقة شينغن. ولأن مهندس هذا الاتفاق كان أوغلو، لم يرحب الأوروبيون بخبر استقالته، وصبّ الإعلام الغربي غضبه على إردوغان، متهمًا إياه بالسعي إلى إحكام قبضته الحديدية على الدولة والترجل من قطار الديمقراطية الذي أوصله للسلطة وركوب عربة الخليفة العثماني.


إردوغان الذي لا يتمتع بعلاقة جيدة مع الأوروبيين، ويطلق تصريحات تلفزيونية حادة ضدهم، كونهم يحثونه على حفظ حقوق الأقليات ويتعاطفون مع الأكراد، ليس على وفاق كذلك مع الروس بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسية في نوفمبر الماضي، ولا يعتقد أن الولايات المتحدة تدعمه كما يجب في شمال العراق، كما أن «داعش» نفذ ضربات مؤلمة متتالية داخل تركيا، والوضع الاقتصادي الذي كانت أنقرة تتباهى به إقليميًا في العقد الماضي أصبح مثار شكوك. أضف إلى ذلك تضرر علاقته مع غالبية العرب بسبب موقفه السلبي من القيادة المصرية الحالية، وتصريحاته القاسية ضدها. كل هذه العوامل الضاغطة التي خلفتها سياسة إردوغان مع الربيع العربي جعلته يشعر أن حزب العدالة والتنمية سيتهاوى إن لم يكسب صلاحيات رئاسية أكبر، تجعله صانع القرار الأول والأوحد في تركيا، من خلال تغيير هيكلي في الدستور بتحويل نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي باستفتاء شعبي، والأغلب أنه سيحصل على الأصوات المطلوبة، ولو لم يحصل عليها سيعلن عن انتخابات مبكرة للحصول على أصوات برلمانية تمنحه التغيير من دون اللجوء للاستفتاء.


ملخص بسيط يمكن أن يؤخذ في الاعتبار من هذا المشهد، وهو أن القضية السورية استطاعت أن تلتف حول عنق إردوغان. نجح حلفاء بشار الأسد؛ الإيرانيون والروس ليس فقط في تحييده، بل وإضعافه، هذه الأزمة خلقت له أعداء جددًا مثل «داعش»، وأيقظت الأكراد الأعداء التاريخيين، وتخلى الأوروبيون عنه لعدم تنفيذ وعوده التي أطلقها بداية توليه رئاسة الحكومة في عام 2003 حول مبادئ الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان.


وحتى لا تسقط من ذاكرتنا الأحداث في مراحلها الأولى، نتذكر أن في بداية الأزمة السورية، كانت علاقة أنقرة بدمشق متميزة، وظنّ الجميع أنها بالقدر الذي يسمح بتسوية المشكلة وقتلها في مهدها، وعندما لم يمتثل بشار الأسد لوقف قتل المدنيين غضبت أنقرة، وسارع وليد المعلم خائفًا إلى إردوغان يسترضيه ويقنعه بأن المحتجين إرهابيون مندسون. نهضت قامة تركيا أمام نظام الأسد والعالم شهرًا من الزمن، أعلن خلاله إردوغان بصوت عال: «صبرنا بدأ ينفد!» بعدها خرجت بثينة شعبان مستشارة الأسد بتصريح مفاجئ تسخر فيه من إردوغان وتتوعده. خلق نظام الأسد وحلفاؤه مشكلة اللاجئين بعبئهم الاقتصادي والاجتماعي والأمني على الأتراك، ومع كل هذا لم يستجمع إردوغان جيشه التاريخي ويتخذ قرار الحرب والدفاع عن حدوده، متذرعًا بأنه عضو في حلف الـ «ناتو» الذي ظل متفرجًا.


العمل العسكري ليس جذابًا ولا يعد خيارًا أوليًا، لكنه يصبح فرضًا إذا مسّ الأمن القومي، ولو كانت السعودية تأخرت أسبوعًا في اتخاذ قرار الحرب وتشكيل تحالف عاصفة الحزم في اليمن، لربما كانت اليوم تعاني من واقع معقد.


إردوغان أضاف خصومًا جددًا إلى القائمة، ليس فقط غل وأوغلو وفتح الله غولن المعارض العتيد، بل أغضب الغرب، وسيزيد خصومه مع أخبار متداولة عن تعيينه لصهره رئيسًا للحزب الحاكم. من الصعب عليه أن يقنع كل هؤلاء ويقنع مواطنيه بأن لهثه وراء النظام الرئاسي ولهفته للاستئثار بالسلطة هدفها المصلحة العامة وليست الشخصية كما يقول. ولن تستطيع سمعته الطيبة التي بناها بمنهجه التصالحي المنفتح سياسيًا وثقافيًا واجتماعيًا واقتصاديًا قبل عقد مضى أن تمنحه إذنًا مفتوحًا لبسط السيطرة. الفجوة تتسع بينه وبين محيطه، وكل ما يقوم به يؤكد ما يسوقه عنه الأكراد للأوروبيين بأن قبضته الحديدية لن تمنحهم حقوقًا.


المعركة الرئاسية هي رهان إردوغان الأخير، وقد بدأ في دفع ثمنه.

عن الشرق الأوسط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا