النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10810 الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 الموافق 5 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:35AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

تعب كلها الحياة

رابط مختصر
العدد 9894 الأربعاء 11 مايو 2016 الموافق 4 شعبان 1437

رحم الله موتانا وموتاكم، هذه العبارة نكاد نرددها يوميًا، وهي سنة الحياة ميلاد ورحيل، نفقد عزيزًا من الأهل والجيران، أو الأصدقاء، أو المعارف ولا نملك إلا أن نترحم عليهم، ونقوم بواجب العزاء فيهم لأهليهم أو عشيرتهم أو أقرب الناس إليهم، وهي واجبات مجتمعية كما أنها في المقام الأول توجيه عقيدي؛ فالصلاة على الأموات والدعاء لهم فرض كفاية إذا عمله البعض سقط عن البعض الآخر، وأصبح مجتمعنا لترابطه وما يجمع بيننا من قيم وعادات وتقاليد وأعراف تحتم علينا القيام بواجب التعزية والمواساة وذلك حكمة بالغة، فتشييع الجنازات في القبور لها من المواعظ ما لا تعد ولا تحصى، وفي كل مرة أزور المقابر أتذكر تلك العظة التي كان يرددها على مسامعنا الأجداد والآباء وهي أنهم يذكرون أن أحد العاقين لوالديهم لامه أحد حكماء القوم كونه لا يقوم بواجب الزيارة لوالديه، فما كان من العاق إلا أن قال للحكيم: «أنا في شغل دائم، ولا تسنح لي الظروف لزيارة أهلي» وهكذا قيل، فما كان من الحكيم إلا أن استطحبه إلى المقبرة وقال له: «انظر إلى قبور هؤلاء الراحلين؛ فكل واحد من هؤلاء رحل دون أن يتم عمله» فكانت هذه العبرة والعظة أبلغ درس لأولئك الذين لا يزورون أهليهم ويقصرون في واجب الزيارة لأرحامهم.


ونحن نستمع إلى هذه العظة كلما قمنا بفرض كفاية زيارة القبور لتوديع من يعز علينا فراقه، وبالمقابل تذكرت قصيدة أبي العلاء المعري، أحمد بن عبدالله بن سليمان القضاعي التنوخي المعري المولود عام 449-363هـ الموافق 1057-973م بمعرة النعمان في شمال سوريا، وهو كما تقول سيرته شاعر وفيلسوف ولغوي وأديب عربي من العصر العباسي، ولُقب بـرهين المحبسين أي محبس العمى ومحبس البيت وذلك لأنه قد اعتزل الناس بعد عودته من بغداد حتى وفاته. وقصيدته الرائعة والتي هي من عيون الشعر بالإضافة إلى اللزوميات التي اشتهر بها وتعد هذه القصيدة من قصائد الحكم البليغة التي نرددها كلما واجهنا موقفا يتطلب منا أن نراجع أنفسنا ونتأمل حالنا وحال من سبقنا فلا نتكبر ولا نتبختر ولا نمشي على الأرض والخيلاء تظللنا وننسى من نكون نحن ومن يكون غيرنا. فقصيدة أبي العلاء المعري كما قيل وهو يرثي أحد فقهاء الحنفية ويكنى بأبي حمزة قد وضع فيها كل عصارة تجربته في الحياة وستكون على تقادم العهد بها شاهدة على المظاهر التي نصادفها في حياتنا حتى اليوم رحم الله أبي العلاء المعري وهو يقول:


غيرُ مجدٍ في ملّتي واعتقادي
نوح باكٍ ولا ترنّم شادي
وشبيهٌ صوت النعيّ إذا قِيسَ
 بصوت البشير في كلّ نادي
أبَكَت تلكم الحمامة أم غنّت
على فرع غصنها الميّادِ
صاح هذي قبورنا تملأ الرّحبَ
 فأين القبور من عهد عادِ
خفف الوطء ما أظن أديم الـ
أرض إلا من هذه الأجسادِ
وقبيح بنا وإن قدُم العهدُ
هوانُ الآباء والأجدادِ
سر إن اسطعت في الهواء رويدا
لا اختيالاً على رفات العبادِ
رُب لحدٍ قد صار لحدا مرارا
ضاحكٍ من تزاحم الأضدادِ
ودفينٍ على بقايا دفين
في طويل الأزمان والآبادِ
فاسأل الفرقدين عمّن أحسّا
من قبيلٍ وآنسا من بلادِ
كم أقاما على زوال نهار
وأنارا لمدلج في سوادِ

 

إلى أن يقول:
تعبٌ كلها الحياة فما أعجب
إلا من راغبٍ في ازديادِ


أبوالعلاء المعري ذهب، وحتى تمثاله الرمزي الذي كان موجودا بمعرة النعمان بسوريا، يد البغض والحقد على علامات رموز الثقافة والحضارة العربية تم تشويهه في ظاهرة همجية، بغيضة تقطر حقدا وضغينة على كل عربي أو ما يمت إلى الثقافة العربية بصلة، ورغم كل ذلك فلا أحد يستطيع أن يزيل في ثقافتنا لحظات التنوير وإشراقة الفكر والإبداع، فالمعري وغيره من رموز الثقافة العربية القديمة؛ ونبضات مشاعرهم وخلاصة أفكارهم وتجاربهم خالدة تتحدى الزمن، وتتحدى كل من يريد أن يقلل من شأن أمتنا ويطمس تاريخها المليء بالتحديات والفرص والتأثير والتأثر، فالأمم المؤمنة برسالتها ستنهض من كبوتها وتواصل عطاءها طال الزمان أو قصر.

وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا