النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10761 الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 الموافق 14 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

أمــــير العبــــــور

رابط مختصر
العدد 9891 الأحد 8 مايو 2016 الموافق غرة شعبان 1437

لم يكن غريبًا أن يستحوذ الجانب الاقتصادي من مقابلة ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان على عناوين الأخبار والتحاليل التي أعقبتها.


كلمة «استثمار» وتنويعاتها وردت أكثر من أربعين مرة في حديثه. خبر طرح نحو 5 في المائة من أكبر شركة في العالم للاكتتاب العام في السعودية، هو خبر اقتصادي دولي كبير. اعتراف الأمير بـ «الإدمان النفطي» هو تصريح قنبلة، وكذلك قوله: «أعتقد أنه في سنة 2020 نستطيع أن نعيش دون نفط». كل هذا مفهوم. لكن «رؤية المملكة 2030» تتجاوز الجانب الاقتصادي المهم إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.


الأمر مجددًا يتصل بهوية السعودية والسعوديين في القرن الحادي والعشرين، وهوية النظام السياسي، وطبيعة العقد الاجتماعي بين السعوديين ودولتهم.


الاقتصاد، بأرقامه واستراتيجياته، كان بلا شك المدخل العام على هذه العناوين الخطيرة في المملكة. الأهم أنه، وفق ما طرح، هو المحرك الرئيسي الذي سيقود رؤية تغييرية عميقة جدًا.


لم يتحدث الأمير محمد، في الاقتصاد، عن رفاه الفرد السعودي أو تحسين دخله فقط، بل ذهب إلى طرح مسألة إعادة توزيع الدخل في المملكة بطريقة غير مباشرة. وقوله إن سبعين في المائة من الدعم الحكومي على فاتورة الخدمات يذهب إلى الأغنياء، هو بيان للخلل في أحد أهم مرتكزات الاستقرار الاجتماعي في أي دولة في العالم. أما طرحه حول هيكلة الدعم وتحرير الأسعار وابتكار برامج لا تؤثر على الثلاثين في المائة من السعوديين من أبناء الطبقات الوسطى وما دون، فهو طرح استراتيجي يتصل بالعقد الاجتماعي بين السعوديين ونظامهم السياسي والأعباء التي عليهم تحملها جنبا إلى جنب مع الدولة.


تقوم ثقافة العقد الاجتماعي في أمريكا، وعموم الغرب، على مبدأ بسيط «لا ضرائب بلا تمثيل»، أي إن شرعية تحصيل الضرائب وجنيها مصدرهما تساوي المواطنين في فرص تمثيلهم في النظام السياسي. ودافع الضرائب ينتخب وينتخب ويحاسب ويعاقب، في مقابل سداد الضرائب. في المقابل، قام العقد الاجتماعي السعودي (والخليجي عمومًا) على قاعدة «لا ضرائب ولا تمثيل». ويقوم العقد على الولاء للحاكم، في مقابل عناية الحاكم بشؤون مواطنيه من دون تحميلهم أعباء العناية، أكانوا أغنياء أم فقراء.


ما أعلنه الأمير محمد بهدوء هو انتهاء هذا الترتيب، وبداية الانتقال منه نحو عقد اجتماعي جديد. لم تكن عبارة عابرة حين قال إن على الجميع أن يعمل في «الرؤية» ويساهم، لأن الأمر يتعلق بـ «مصيرنا كلنا كسعوديين»! فمعركة العبور بالسعودية معركة مصيرية، وما تستوجبه لا يقل عن تغييرات مصيرية، إنما دائمًا على الطريقة السعودية الهادئة.


من غير المتوقع أن تتحول المملكة إلى ملكية دستورية، على غرار الملكيات الأوروبية في أي وقت قريب، لكن فتح مسارب المشاركة كان واضحًا في توجه الأمير محمد، أقله حين تحدث عن مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة. والأهم انتخاب مجلس إدارة «أرامكو» التي بقيت صندوقًا أسود لعقود طويلة. ووضعها اليوم تحت مقصلة معايير الشفافية وشروط السوق ومشاركة المواطن السعودي في قرارها تتجاوز بأهميتها الهيكلية الانتخابات التشريعية أو انتخاب رئيس حكومة من الشعب!
ما لا يقل أهمية عن المرتكز الاقتصادي والسياسي في «الرؤية»، هو ما ورد في سياق مرتكزي الثقافة والاجتماع.


بين التحديات المهمة التي طرحها الأمير محمد سؤاله: «كيف نكون فخورين في وطننا؟ كيف يكون وطننا جزءًا مساهمًا في تنمية، وحراك العالم سواء على المستوى الاقتصادي أو المستوى البيئي أو المستوى الحضاري أو الفكري، إلخ. هذا طموحنا ومستعدون لأن نقدم الكثير للسعودية وللعالم. المشاكل التي تواجهنا، طموحنا سوف يبتلعها، إن شاء الله في السنوات القادمة».


يقول الأمير حرفيًا: «الكثير يربط تاريخ جزيرة العرب بتاريخ قصير جدًا، (بس إنه هذول) تاريخهم فقط 1400 سنة مربوط بالتاريخ الإسلامي. عندنا عمق تاريخي ضخم جدًا، ويتقاطع مع الكثير من الحضارات».

العودة إلى جذور ما قبل الإسلام، واستخدام مفردة التقاطع الحضاري، هي ثورة ثقافية في الهوية الوطنية السعودية لم تأخذ حقها في النقاش حتى الآن. ومثل ذلك كلامه غير المسبوق عن الترفيه والثقافة كرافدين مهمين ليس فقط لتحسين مستوى معيشة السعودي، كما قال الأمير، بل لإجراء مصالحة بين السعودي وحياتين يعيشهما، واحدة داخل المملكة وأخرى خارجها. مصالحة تعيد الاستقرار إلى الهوية الاجتماعية السعودية وتفاعلها مع نفسها ومحيطها.


هذه شروط ضرورية لما هو أهم. إعلان المملكة، بلسان ولي ولي العهد، عن قيادة التعبير عن صورة الإسلام، في واحدة من أدق لحظات سوء الفهم بين الإسلام والعالم.

فالمتحف الإسلامي المزمع ليس سياحة فقط، بل إعلان آن أوانه منذ زمن لأن يتحدث المسلمون عن الإسلام، ويتصدروا التعبير عنه بغير الخطاب الدفاعي أو التبريري، بل بالعودة إلى مخزون هذه الحضارة والهوية والاستثمار الشجاع في ثرائها.


رؤية المملكة ليست «أرامكو»، كما قال الأمير محمد، بل مشروع عبور ببلاد كبيرة من خلال تفعيل مرتكزات أربعة: الاقتصاد، والسياسة، والثقافة، والمجتمع.
الوصول إلى دولة يفتخر بها أبناؤها يتطلب قيادات مدعاة فخر. هنيئًا للسعوديين أيقونتهم الجديدة.


عن الشرق الأوسط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا