النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10810 الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 الموافق 5 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:35AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

ما كنت قاطعة أمرًا حتى تشهدون

رابط مختصر
العدد 9873 الأربعاء 20 ابريل 2016 الموافق 13 رجب 1437

كان هذا القول لبلقيس ملكة مملكة سبأ من سورة النمل الآية 32 كما وردت في القرآن الكريم؛ عندما تلقت رسالة الملك سليمان نبي الله (ع) ملك الإنس والجن، والملك الدنيوي والإلهي بفضل من الله سبحانه وتعالى، «وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَـذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17)» وبلقيس امرأة جاهلية كانت وقومها من عبدة الشمس، وعندما تلقت كتاب النبي سليمان والذي هو كسائر الأنبياء، مثالاً للطهارة والنزاهة والعدل والإرشاد والزهد والتقوى، ووجدت هذا الكتاب مقرونا بالبسملة (بسم الله الرحمن الرحيم) «إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ (30)» بخلاف ما تؤمن هي به وقومها «الشمس» وجدت في هذا الكتاب رفعة الشأن فتوجهت إلى وزرائها وأشراف قومها وقالت «يا أيها الملأ» الآية، وقد أورد القرآن العظيم قصتها كاملة مع الملك سليمان وفيها من العظات والعبر الشيء الكثير «إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ «23» وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّـهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ «24».


فقد أسلمت بلقيس وآمنت بالله الواحد الأحد بعد زيارتها لعرش الملك سليمان (ع) «قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ «44».


وعندما نتأمل في هذه القصص القرآنية إنما يفرض علينا واقع مجريات الأمور إلا أن التشاور، وإبداء الرأي، والتأمل في خطوات سيرنا من شأنها أن تزيد عزمنا على المضي في مشروع ما بثقة أكبر، وقناعة بأن ما نقدم عليه فيه المصلحة العامة للجميع.


وفي علم الإدارة هناك ما يسمى بسلم اتخاذ القرار، وطبعا هناك نظريات في هذا؛ فالبعض يأخذ القرار من الأعلى فالأسفل وهناك رأي آخر يجب أخذ الرأي من الأسفل إلى الأعلى، وبطبيعة الحال، فإن ذلك ليس فيه نقيصة أو عيبا فلكل حالة أو وضع أساليب معالجة، ولكن من حيث المبدأ فإن اتخاذ القرار عندما يمر بمراحل الدراسة والبحث والتمعن والتفكير الهادئ فإن ذلك سوف يسهم في انضاج الأفكار وإغناء الإيجابيات، ومحاولة التغلب على السلبيات.


وقديما في موروثاتنا الاجتماعية كان الناس بفطرتهم يشاورون بعضهم بعضا وكانوا يؤمنون بأن الرأي الأوحد يتعزز بمختلف الآراء وتعددها، وهذا لا يعني أن ذلك كان متحققا في كل الأمور، ولكن أهل البحر، ونحن نستمع إليهم عندما كانوا يواجهون الصعاب في تقلبات الجو وارتفاع موج البحر، كان النوخذة وهو قائد السفينة «الربان» الذي من مسؤوليته سلامة السفينة وركابها ووصولها إلى بر الأمان كانوا يحدثوننا أن النوخذة كان يهمه أن يستمع إلى رأي البحارة، وقد يكون من بينهم من خبر البحر ومرت به ظروف مشابهة فيشير على النوخذة بالأسلوب الصحيح لمواجهة الظروف التي يمرون بها وعندئذ يدافع جميع البحارة عن فكرة زميلهم ويشعرون فعلاً بأنهم شركاء في هذا التوجه فيبذلون قصارى جهدهم لإنجاح الخطة؛ فيتعاونون مع النوخذة للوصول إلى بر الأمان أو «التبندر» في مكان أكثر أمانا في البحر أو في البر...


كان الأقدمون يقولون: «ربع تعاونوا ما ذلوا» والتعاون قد يكون ماديًا بمعنى وضع اليد باليد، والكتف بالكتف، وقد يكون معنويًا بفكرة صائبة وقول حكيم نابع من فهم وتجربة واستيعاب، فتتحقق بغيتهم في الوصول إلى نتائج مرضية.


من واجبنا أن نعلم أجيالنا الاعتماد على أنفسهم والأجمل أن نعودهم على الاستماع وأخذ الرأي والمشورة، قد يقول قائل إن زمانكم غير زمانهم؛ وهذا واقع لا مفر منه ولكننا مأمورون بأن نكون لهم القدوة والمثال؛ خصوصا في تلك الأمور التي لا يتغير فيها الحال مهما تعقدت الحياة وتباينت؛ فإن التعود على المشاورة وأخذ أكثر من رأي فيه الفائدة الكبيرة، وإذا كنا اليوم نستمع إلى من يقول لا بد من أخذ رأي آخر فيما يتعلق مثلاً بالطب أو الأمور المادية الأخرى، فإن مثل هذا التصرف العقلاني لا يسقط بالتقادم، وإنما يحتاج إليه المرء في حياته دومًا.


وهذا لا يعني أننا قد لا نخطئ في اللجوء إلى من هو صادق في تقديم المشورة الصحيحة لنا؛ لأننا قد لا نوفق في الوصول إلى الشخص المناسب أو الرأي السديد، ولكن تعدد الآراء يثري ويغني ولا يعيق، وإن طال قليلاً الوقت في اتخاذ القرار، ففي التأني السلامة وفي العجلة الندامة.


كانت بلقيس مثالاً للمرأة الراجحة العقل؛ فقد لجأت إلى قومها وفيهم من هو صاحب خبرة وتجربة ورأي راجح وفيهم من قد يكون مخلصًا في إسداء النصيحة.


والمرء منا مهما اختلفت مسؤولياته وعظم شأنها أو قل فإنه دوما بحاجة إلى الرأي والمشورة في أموره الخاصة أو الأمور العامة، ألم يقل الأقدمون: «ما خاب من استشار» فقد طبقوا ذلك في حياتهم، وقد يندم المرء منا حينما يتفرد برأيه ولا يتشاور مع أهله، أو زملائه أو رفقاء دربه؛ فقد يخامرنا الشك أحيانا ونعتبر اللجوء إلى رأي الآخرين فيه ضعف وقلة حيلة..


نصيحتي بان نتشاور، ويأخذ بعضنا رأي البعض، ففي ذلك شجاعة وجرأة وتقدير للآخرين وتحرٍ للسير في الطريق القويم، وقد نخطئ ويخوننا التقدير، ولكننا بانفتاحنا على الآخرين فإنهم يلتمسون لنا الأعذار فجل من لا يخطئ؛ ولكن العبرة بالاعتراف بالخطأ والسعي لتحري الصواب والقول الحق وليس في قول: «ما كنت قاطعة أمرًا حتى تشهدون» فيه ضعف وقلة حيلة بل فيه قوة ورجاحة عقل وفكر.


وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا