x
x
  
العدد 10397 الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 الموافق 6 محرم 1439
Al Ayam

مقالات - قضايا

العدد 8007 الأحد 13 مارس 2011 الموافق 7 ربيع الثاني 1432هـ
 
 

بقى أن نتحدث قليلاً عن الظروف التي أحاطت: بإصدار الكتاب، خاصة وأنه صدر بعد وفاة المؤلف، بول روفسنغ اولسن، بحوالي عشرين عامًا: اذ توفي اولسن عام 1982، وترك وراءه مخطوطة الكتاب، وهي شبه مكتملة، ولم يبق على اكتمالها سوى المقدمة التي قام بإعدادها الزميل والصديق فلمنغ هوغلند، وهي الشخصية التي تقف بجهودها البحثية وراء الإصدارات المتتالية لأعمال الباحثين الدنماركيين الذين عملوا مع البعثة الدنماركية في الخليج العربي.

 

 

وهكذا عندما اطلعني فلمنغ على مخطوطة الكتاب، وبعد تشاور مع زملائي في العمل آنذاك (أحمد يوسف الجميري، ومحمد أحمد جمال، وعلي عبدالله خليفة) قمت بتقديم توصيته لوزير شؤون مجلس الوزراء والإعلام في تلك المدة الاستاذ محمد إبراهيم المطوع (1995 – 2002) بمشاركة الوزارة في تحمل نفقات إعداد مخطوطة الكتاب، والاسطوانات التي تضم بعضًا من تسجيلات اولسن، ونشره بصفة مشتركة مع متحف موزغارد ضمن سلسلة مطبوعات جمعية جوتلاند للآثار.

 


والكتاب اليوم لا يعد فقط ثمرة لذلك التعاون والاهتمامات الإنسانية المتبادلة وانما هو حكاية لشبكة واسعة من العلاقات الإنسانية التي ربطت اولسن بعدد من الفنانين والمبدعين البحرينيين خلال أكثر من ثلاثين عامًا، نذكر من بينهم: الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة، والشاعر علي عبدالله خليفة، والباحث محمد أحمد جمال، والفنان أحمد الجميري، والفنان أحمد الفردان، والفنان المرحوم عيسى جاسم المالكي.

 

وقد تضافرت جهود مهمة أسهمت في إخراج هذا الكتاب الى النور بعد وفاة الكاتب، نذكر منها ما ورد في مقدمة فلمنغ هوغلند للكتاب، لعل من بينهم: الموسيقي اللبناني توفيق كرباج، وهو أحد طلبة اولسن الذين درسوا الموسيقى والغناء في الخليج العربي، والفنان احمد الجميري، والباحث الدكتور محمد علي الخزاعي، والفنان الباحث جاسم الحربان، والكاتب عبدالقادر عقيل، والباحثة في الموسيقى التقليدية، الدكتورة شهرزاد قاسم.

 

وفي سعي لاستكمال قصة الكتاب عند اطلاعي عليه كمخطوطة: وذلك بهدف الوقوف على تفاصيل التجربة الاثنوغرافية التي مكنت بول روفسنغ اولسن من إنجاز دراسته للموسيقى والغناء في البحرين، والخليج العربي، سعيت لدعوة الانثروبولوجي النرويجي، كيجيل فالك، لالقاء محاضرة بمتحف البحرين الوطني للحديث عن تجربة اولسن.

 

وكان فالك من بين الانثروبولوجيين النرويجيين القلائل الذين عملوا في البعثة الدنماركية، حيث عمل مع اولسن خلال اطول مدة حقلية قضاها اولسن في البحرين، والامارات، وكان ذلك خلال المدة الممتدة من نوفمبر 1962 وحتى يناير 1963 لقد باءت محاولتي لاتاحة الفرصة امام كيجيل للحديث عن تلك التجربة بالفشل، وذلك بسبب اعتذار كيجيل لمرضه وكبر سنه، ومن ثم عدم مقدرته على السفر الطويل. على ان الامر الذي يستدعي التنويه اليه هنا هو دور فالك في مساعدة اولسن في وضع الاساس المنهجي للعمل الحقلي الاثنوغرافي الذي يستهدف دراسة الموسيقى التقليدية لمجتمعات وثقافات غير أوروبية، الامر الذي يتطلب الإلمام الدقيق والموضوعي بالبنى الاجتماعية، والثقافية لتلك المجتمعات، وهو أمر لا بد ان نقر به، ذلك ان اولسن لم يكن ملمًا به اكاديميًا، حيث إن اولسن قد اتم دراسته الجامعية الاولى عام 1946 للقانون بجامعة كوبنهايجن بجانب دراسته للموسيقى الغربية الكلاسيكية، فقد تخصص في التأليف وآلة البيانو في الاكاديمية الملكية الدنماركية للموسيقى، ثم ذهب بعد ذلك لمواصلة دراسته الموسيقية في باريس (1949 – 1948).

 


على أن اهتمامه بالموسيقى غير الاوروبية قد ابتدأ لاحقًا، أي عند التحاقه في عام 1960 مختصا بالارشيف في معهد الموسيقى التقليدية والابحاث الفولكلورية في الدنمارك، وقيامه بتدريس علم الموسيقى التقليدية في جامعة لاند (1967 – 1969) ومنذ عام 1972 محاضرًا للموسيقى التقليدية في جامعة كوبنهايجن ولإظهار أهمية ما بدأ يتضح من دوره في دراسة الموسيقى والغناء في البحرين، والخليج العربي، أي ذلك البعد الاثنوغرافي الذي استطاع كيجيل فالك إبرازه أمام مشروع اولسن في دراسة الموسيقى والغناء، لنلقي نظرة مثلاً على ما ذكره اولسن في احدى مقالاته عندما أكد أهمية الوقوف على مزاج الاحتفالات الشعبية التي تؤدي فيها مثل تلك الموسيقى والغناء، ذلك أن الاحتفال هو بحد ذاته الجوهر الحقيقي لكل ألوان الموسيقى، حيث الغناء يخرج معبرًا عن كل الجسد والروح معًا فالموسيقي والمغني هما جزء من المجتمع، وما الاحتفالية الا جانبها الأهم، أنه الحبور الذي يصاحبها.

 


أما عن تأثيرات الموسيقى الشرقية في اولسن واتجاهاته في التأليف الموسيقى، فيورد فلمنغ هوغلند ما ذكره اولسن عن ذلك التأثير: «هذا الانشغال بالموسيقى غير الاوروبية من الممكن تلمسه في كل أعمالي، أي منذ عام 1943 وما بعد، وربما كانت بارزة في بعض الأعمال، ولكنها كانت موجودة بصورة دائمة وغير مباشرة. كنت أحسب ذلك في الاصل على انه نوع من الموقف الثوري: أي تقويض التعالي في التقاليد الغربية عن طريق إبراز التأثيرات الايحائية الافريقية والشرقية».



3 السفر الموسيقى


ربما من الأنسب أن نصف كتاب بول اولسن «الموسيقى في البحرين» بأنه نوع من السفر الانثروبولوجي، عبر الموسيقى التقليدية، لاكتشاف الذات بمقارنتها بالآخر غير الاوروبي، ذلك ان اولسن قد بدأ حياته ناقدًا موسيقيًا ومؤلفًا موسيقيًا ودارسًا لالة البيانو ومؤلفًا وعازفًا لها.


نجد أن هذا الاهتمام والشغف بالموسيقى الكلاسيكية الغربية رغم ان اولسن أبدع فيه جيدًا وخلف وراءه عددًا هائلاً من الاعمال الموسيقية، بلغ عددها حوالي خمسة وثمانين عملاً، على ان التوق للموسيقى الشرقية ظل يراوده، بوصفه موسيقيًا ومؤلفًا للموسيقى منذ ان كان في العشرينات من عمره.

 


فقد أتيحت له فرصة الاستماع للموسيقى العربية عندما كان يواصل دراسته للموسيقى في باريس (1949 – 1948) فاستمع آنذاك مثلاً الى تسجيلات متنوعة من مؤتمر الموسيقى العربية الاول الذي عقد في القاهرة عام 1932، وهو كما يقول: «ان الانشغال بالموسيقى غير الاوروبية ممكن ملاحظته في كل اعمالي منذ عام 1943 وما بعد».


على ان هذا الاكتشاف الاول لم يكن كافيًا بالنسبة لاولسن، اذ نلاحظ انه ما إن أتيحت له في عام 1949 الفرصة للتعرف على بيتر غلوب، عالم الاثار الدنماركي ورئيس البعثة الاثارية الدنماركية للخليج، حتى قبل الالتحاق بالبعثة، مدركًا جيدًا انه سيكون في صحبة اركيولوجيين وانثروبولوجيين ورسامين ومصورين. والمفارقة هنا، هي انه في الوقت الذي كان مجيء اولسن الى البحرين والخليج بمثابة بداية النظر عن بعد لثقافته وموسيقاه الاوروبية عبر زاوية الثقافة والموسيقى العربية في البحرين والخليج وما يعزز رأينا هذا هو انه كان بامكان اولسن الوقوف على الموسيقى العربية، اي دراسة لغة تلك الموسيقى وتراكيبها وبنائها، من خلال الاطلاع على الاعمال والتسجيلات المتوفرة آنذاك، الا انه اصر على ان يكون اقترابه من تلك الموسيقى عبر علم الموسيقى التقليدية «الاثنوميورزيكولوجي»، اي العلم الذي ينتمي في شقه الاول لعلم الموسيقى وفي شقة الثاني للانتروبولوجيا.

 


وقد تكون تلك التجربة ارضت شيئًا من فضول اكتشاف الآخر لدى اولسن، ومحاولاته للتفاعل مع ثقافته وموسيقاه، الا انه من جهه اخرى كانت الثقافة والموسيقى العربية في الخليج، هي الاخرى، حظية بان ينقطع لدراستها عالم اوروبي في الموسيقى التقليدية مثل بول اولسن ويخلف وراءه هذا العمل الرائد في ميدانه، وغيره من الدراسات التي نشرها عبر العقود الماضية. لنتوقف قليلا هنا ونسأل السؤال التالي: كيف حاول اولسن الاقتراب من الموسيقى والغناء في البحرين؟ تتضح تلك المحاولة من خلال المسح التصنيفي الذي قام به لأنماط الآلات الموسيقية من جهة، وعلى الوان الغناء والموسيقى، خاصة المكونات والخصائص الموسيقية للموسيقى والغناء في البحرين والخليج العربي من جهة اخرى، يصف بول اولسن الموسيقى في الخليج بانواعها بصفتها «موسيقى صوتية» اي انها مؤلفة ومعدة لمصاحبة الغناء وليست بتأليف موسيقي صرف بهدف الاداء المستقل.

 


كما يرى اولسن من جهة اخرى ان تلك الموسيقى والغناء الشعبي لا يمكن ادراكه والوقوف عليه دون الالمام بسياقه وتفاصيله الاجتماعي والثقافي.

 


لذا نجد اولسن، رغم عدم تأهيله الاكاديمي الكافي سواء في علم الموسيقى التقليدية أو الانثربوبولوجيا، الا انه قد حاول بتفانٍ مطلق الاقتراب من البنى الاجتماعية والثقافية والقيم الجمالية ومساراتها التاريخية المسؤولة عن وجود تلك الألوان من الموسيقى والغناء وأنماطها، وكيفية إنتاجها في محيطها العربي في الخليج. ولعل في الزيارات الحقلية المتكررة التي امتدت على مدار عشرين عامًا لدليل على الرغبة الملحة لدى اولسن في الاقتراب من الثقافة والمجتمع المسؤولين عن إنتاج تلك الأنماط الموسيقية والغنائية العربية في الخليج.

 


ونلاحظ أن اولسن قد أولى موضوع التصنيف اهمية كبيرة، وذلك بوصفه مدخلاً تفكيكيًا للوقوف على الأنماط الموسيقية والغنائية موضوع الدراسة، وهكذا تناول، أي عبر التصنيف، جميع الآلات الموسيقية المستخدمة بالوصف الدقيق والموضعي لها، مظهرًا خصائصها الصوتية الموسيقية ومقارنتها ما أمكن مع نظائرها في الثقافة والمجتمعات العربية الاخرى المجاورة لها سواء الآسيوية او الافريقية منها.

 

ولعله بذلك يريد تمهيد الطريق، مثل غيره من عملاء الموسيقى التقليدية، لإظهار توظيف تلك الآلات بتراكيبها الموسيقية عند الانتقال الى المستوى الثاني من التصنيف الذي يظهر أنماط الموسيقى والغناء وخصائصها. وما يزيد القيمة العلمية للوصف الذي يقدمه اولسن للآلات الموسيقية، هو ما قام به من جمع لهذه الآلات مع زميله، كأجيل فالك، ووضعها للدراسة في المتاحف والجامعات الاوروبية من جهة، وتوثيقها العلمي من جهة أخرى.

 

يحفل كتاب «الموسيقى في البحرين» في هذا الخصوص بعدد من الصور الملونة لتلك الآلات، بعض من تلك الصور سعى فلمنغ هوغلند الى جلبها من المتاحف الدنماركية وأخرى من متحف البحرين الوطني، ووجودها في الكتاب برأينا امر على غاية كبيرة من الاهمية الاثنوغرافية والتاريخية لموضوع الكتاب. الأمر الذي ينبغي لفت النظر اليه في تناول اولسن للآلات الموسيقية بأنواعها، سوءًا من حيث خاصيتها الصوتية أو توظيفاتها الموسقية والغنائية، هو ان تلك الآلات سواء منها الوترية او الايقاعية كالطبول والطيران، او المصنوعة من الحديد والنحاس وغيرها من الآلات الأخرى، لم تكن كافية وحدها في التصنيف والتحليل اذ توقف اولسن امام بعض من الآلات الموسيقية ذات الصلة بألوان من الموسيقى والغناء العربي التي ميزت البحرين عن غيرها من دول الخليج العربي، مثل «فن الصوت» و«فن الفجري» هنا توقف اولسن مليا امام التي «العود» و«المرواس» اي الطبل الصغير، اللتين تستخدمان في «فن الصوت»، مثلما توقف أمام آلة «الجحلة» المصنوعة من الفخار والمستخدمة في موسيقى وغناء «فن الفجري».

 


وأولى كذلك الصوت والموسيقى التي تصدرها ضربات الكف للإنسان اي «التصفيق» اهتمامًا خاصًا، أصبحت كما يرى اولسن، جزء هامًا من البنية الايقاعية لفني «الصوت» و«الفجري» وهو ما سوف يحاول اظهاره عندما يتناول في بعض من فصول الكتاب بالشرح والتحليل المنفصل فني الصوت والفجري كل على حدة.



4 تنويعات الموسيقى



لننتقل الآن إلى الجزء الأوسع من «الموسيقى في البحرين»، اي تلك الفصول المتعلقة بأنماط الموسيقى والغناء في البحرين. من الطبيعي ان يتوقف القارئ هنا أمام العودة المتكررة لأولسن الى نماذج موسيقية وغنائية من دول خليجية مجاورة للبحرين مثل الكويت والامارات، خاصة توقفه أمام أنواع من فنون الغناء كالصوت والفجري والعرضة، وهو أمر مبرر جدًا لعدد من الاعتبارات. اولهما يتعلق بخاصية منطقة الخليج العربي من حيث تكوينها الثقافي والاجتماعي المشترك الأمر الذي أوجد تشابهًا في البنى الثقافية والاجتماعية والفنية لمجتمعاتها بل ومساراتها التاريخية المشتركة، الشيء الذي يجعل من محاولة وضع حد فاصل وقطعي بين ما هو بحريني وكويتي، او بين ما هو سعودي او كويتي او اماراتي او قطري او عماني، امرا في غاية الصعوبة. ان التكوينات والحدود السياسية والاعتبارات الادارية للدول الخليجية الناشئة حديثًا، لا يمكن الاعتداد بها كثيرًا هنا، خاصة اذا ما عرفنا عن التكوينات الاجتماعية والثقافية والقرابية والسياسية المشتركة للعديد من التجمعات السكانية في دول الخليج سواء القبلية منها أو الحضرية.


ومع ذلك فقد التزم اولسن منذ البداية بالبحرين كمجتمع ودولة لها شخصيتها وهويتها الثقافية، اذا أوضح عبر فصل خاص بالكتاب، موضحًا جغرافيتها وتاريخها وتكوينها الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، ساعيا بعد ذلك لاظهار اثر كل ذلك في انماط الموسيقى والغناء، مستدركًا في نفس الوقت اثر التغير الاقتصادي والاجتماعي التي كانت تمر به البحرين، منذ اكتشاف النفط في الثلاثينيات وتأسيس الدولة الحديثة في السبعينيات، على امكانية استمرار او غياب او ربما تحوير او تغيير بعض فنون الموسيقى والغناء فيها.

 


اما الاعتبار الاخر فهو ذو طبيعة منهجية، اذ اراد اولسن من علم الموسيقى التقليدية ان يسعفه هنا في الاقتراب من الموسيقى والغناء في البحرين، لذا فان التقاطع المعرفي بين نظريات في المعرفة تنتمي للانثروبولوجيا من جهة وعلم الموسيقى من جهة اخرى، حيث وجد اولسن ضالته في ذلك التقاطع لأمر يتطلب منه التوصل الى حقائق اثنوغرافية صلبة من ارض الواقع، وليس في الارشيفات الموسيقية في مكتبات المتاحف والمعاهد العلمية في اوروباز لذا فان السياقات الاجتماعية والثقافية المراد معرفتها كانت تتطلب منه، اثنولوجيا على الاقل، العودة الى التاريخ مرة والى المقارنة مرة اخرى، والى الوقف على الاتصال الثقافي بين مجتمعات الخليج، وبعضها البعض، وبين هذه المجتمعات والثقافات والمجتمعات غير العربية من جهة اخرى.

 

لذا فإننا نجد في الأجزاء المتعلقة بشرح وتحليل انماط الموسيقى والغناء في «الموسيقى في البحرين» من عودة متكررة لأولسن لمادته الاثنوغرافية ومدوناته التوثيقية للموسيقى والغناء في الكويت والامارات، وهو امر غير مستغرب هنا، وسبق ان قمنا بذكره في مكان آخر من هذه المقالة، اي عن عمله الحقلي الاثنوغرافي في الامارات والكويت.


هكذا اذا، اي اذا ما اخذنا تلك الاعتبارات في الحسبان، سنجد ان هناك مبررات تختلف عن تكل التي تبدو على السطح، اي في الطريقة التي بسط فيها بول اولسن موضوعات كتابه «الموسيقى في البحرين» لذا فليس من المستغرب ابدا ان نجد اولسن يخصص بعضًا من فصول كتبه للحديث عن موسيقى وغناء تكون مصادرها غير عربية، كحديثه عن تلك التي تعود في اصولها الى افريقيا «الليوة، الطنبورة، والزار» او اقليمي فارس في ايران «الجربة والجفتي» او تخصيصه لفصول اخرى يتحدث فيها عن تقاطع الدين والغناء والموسيقى، او المرأة والغناء، أو المعتقدات الدينية والشعبية وعلاقتها بالموسيقى والغناء، او عن ارتباط الشعر بالغناء والموسيقى كما هي الحالة عليه في فنون مثل: الفجري والصوت والعرضة. ثم ليعود بنا الى لون من الوان الموسيقى والغناء ليحاول ان يظهر الصلات الحضارية المشتركة والتأثيرات التاريخية والثقافية المتبادلة بين البحرين ومناطق ثقافية عربية اخرى: نجد والحجاز وصنعاء وحضرموت وعمان بالجزيرة العربية، ومصر والعراق وسوريا في المشرق العربي.

 


مأخوذًا بالموسيقى والغناء الاسر لفن الفجري وبالايقاعات المرافقة والنشاد الجماعي للفرقة المؤدية للفجري، والاداء الفردي لـ«النهام»، لا ننسى أن اولسن كان حظيًا لكونه شاهدًا على ابرز المؤدين الفرديين آنذاك لفن «النهمة»، ان وجود اولسن في الدور الشعبية امام ابرز النهامة في ذلك الوقت «سالم العلان، واحمد بوطبنية، وهلال بو خالد، وعلي بن صالح مرشد، ومبارك الراعي»، ووقوفه على الانشاد الجماعي والفردي وتأثيراته على المتقلين، اي الجمهور، ما مكنه من معايشة تفاصيل الاداء. خاصة واننا امام نوع من الموسيقى والغناء المعتمدة على التلقائية في الاداء، من الواضح ان الهارموني التي كانت تأسر اولسن قد جعلت من عاصرهم واستمع اليهم: الفنان المرحوم محمد زويد والفنان سلطان حمد، ما جعل اولسن ومن واقع ما لآلة العود من دور في فن الصوت و«فن البستة» ان يطلق تسميه «موسيقى العود» على فصله الذي تناول من خلاله فني الصوت والبستة. مستخدمًا نماذج من تسجيلاته الموسيقية من فني الفجري والصوت، وقد سعى اولسن الى تدروين تلك النماذج من خلال النوت الموسيقية التي تخللت هذه الفصول من الكتاب، شارحًا التصنيف المحلي لأنواع الفجري والصوت. ففي مجال الفجري اورد الانواع المعروفة «بحري، عدسانين مخوالفي، حدادي، حساوي»، اما في مجال الصوت فيورد اولسن السبعة انواع المعروفة من الصوت: «عربي، يماني، ختم، شحري، صنعاني، شامي، حجازي، صنعاني، الشرقين».


ثم انتقل اولسن هنا من شرح السلالم الموسيقية لفني الصوت والفجري الى مقامات الموسيقى العربية المستخدمة، خاصة في فن الصوت، والالحان والجمل الموسيقية الموظفة في كلا الفنين. مؤكدًا مرة اخرى رأيه في التعريف بنوع الموسيقى المؤداة في فني الفجري والصوت، اي بوصفها موسيقى معدة لمصاحبة الغناء وليست منفصلة عنه، اي انها غير معدة للاستماع المنفصل، وان المقدمات الموسيقية كالعزف المنفرد على العود، كما في حالة الصوت، او المواويل المؤداة في بداية الصوت، والفجري ما هي الا جزء غير منفصل في اداء غنائي يوظف فيه الاداء اللحني للشعر. اي كما في حالة الموال الذي يؤدى في بداية الفجري، والصوت، او التقاسيم المنفردة على العود، كما هي الحالة في فن الصوت، وهي فنون تعتمد بدرجة كبيرة على الاداء المتمرس، وعلى التلقائية، وعلى تمكن المؤدي لإحداث حالة الطرب، سواء لدى المتلقي، او الفنان معا في حفل الاداء «السمرة».



5 تنويعات الموسيقى



علينا أن نذكر هنا محاولة اولسن الاثنولوجية في البحث عن اصل تلك الفنون، أي: الفجري، والصوت، ففي حالة الفجري سعى الى سرد ما تحمله الذاكرة الشعبية من اساطير وحكايات شعبية تنسب الفجري الى الجن مثلا، او عما هو متداول عن تأثير الالحان الموسيقية وفتون الغناء في شبه القارة الهندية، خاصة فيما يتعلق بوجود آلة موسيقية ايقاعية مثل «الجحلة» او الاداء المنفرد لـ«النهام» الا ان اولسن يعود في عجالة لينفي بعضا من تلك الفرضيات التي تحاول ان تنسب الفجري الى تأثيرات هندية، او غيره.


الامر الذي يحسب لصالح اولسن هنا هو تجنبه الخوض في تجربة مغامرة لإخراج نظرية تبني فرضيتها على تخمينات وتاريخ ظني قد يصيب وقد يخطئ على ان الامر يختلف عند محاولته للبحث عن فن الصوت، حيث يعود بنا الى مؤسس هذا الفن، الفنان محمد بن فارس، اي الى نهاية القرن التاسع عشر، مظهرًا تأثيرات عبدالرحيم العسيري من الحجاز، وعبدالله الفرج من الكويت.

 


ويمكن القول: إن محور الموسيقى والغناء الخاص بالبيئة الثقافية في الخليج والجزيرة العربية تتضح معالمه في «الموسيقى في البحرين» وذلك بانتقال اولسن من فن الصوت، والفجري الى غناء وموسيقى فن العرضة فاذا كان الصوت، والفجري من الفنون الحضرية، اي: انها تعود لبيئات بحريو حضرية، اي: بالمدن الواقعة على السواحل حيث ارتبط سكانها بالنشاط البحري، والتجارة، فإن العرضة بصفتها الفن الممارس في البحرين، والذي تمتد جذوره الى بيئاته الثقافية والاجتماعية في بادية الجزيرية العربية، قد اسهب اولسن في شرحه بالتسجيلات، والنوت الموسيقية المصاحبة، والقصائد المغناة، ومن المصادفات التاريخية لان يشهد بول اولسن وزميله كأجيل فالك احتفالات العرضة في قصر الرفاع بالبحرين في 16 ديسمبر 1962، اي بمناسبة مرور عام على تولي المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة أمير البحرين خلفًا للمغفور له الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة. وهي مناسبة احتفالية مكنت اولسن من توثيق الاحتفال، مسلطًا الضوء على الموسيقى والغناء والرقص والشعر المغنى، وغيرها من الطقوس المرافقة للعرضة في البحرين، وكان امامه، وزيله، فالك، الفرصة لمعقد المقارنة بينها وبين العرضة في الامارات، اي المعروفة هناك ب «العيالة» اذ اقام كل من الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان حاكم امارة ابوظبي، والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والى مدينة ابوظبي، والمغفور له الشيخ صقر بن سلطان القاسمي حاكم اماراة الشارقة آنذاك، احتفالا بزيارة أولسن، وكأجيل للإمارات بإقامة العيالة في الساحة العامة امام قصري حاك ابوظبي، وحاكم الشارقة، وعلى الرغم من ان اولسن قد اولى موسيقى وغناء العرضة الاهتمام اللازم، خاصة في مناسبات الاعياد التي شهدها اولسن، نجد ان مصادفة احتفالات العرضة بقصر الرفاع بالبحرين، والعيالة في ابوظبي والشارقة كان لهما وقعهما الاثنوغرافي الخاص، بسبب ما يسميه الاثنروبولوجيون بالكثافة الاثنوغرافية"، ذلك ان العرضة، والعيالة هنا وطقوسها المصاحبة كانت مؤداة في شكلها المثالي، اي بما تستحقه المناسبة المقامة من اجلها من أهمية.

 


زائر
عدد الأحرف المتبقية
   =   

تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة
  إقرأ في عدد اليوم
  الأيام "واتساب"

المواضيع الأكثر قراءة

هل تؤيّد ما ذهبت له دراسة حديثة بأن انتاجية الموظّف البحريني 42 دقيقة فقط في «اليوم الواحد»؟