النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10814 السبت 17 نوفمبر 2018 الموافق 9 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27AM
  • المغرب
    4:48AM
  • العشاء
    6:18AM

كتاب الايام

الاستقالة.. من يجرؤ..!!

رابط مختصر
العدد 9858 الثلاثاء 5 ابريل 2016 الموافق 27 جمادى الأخرى 1437

الأمر يستحق التفكير والتأمل والتساؤل، والمقاربة، والمقارنة ان يستقيل نائب في البرلمان، ويعزو أسباب الاستقالة الى «احترامه لأبناء دائرته، ولعدم قدرته على تنفيذ ما التزم به في برنامجه الانتخابي، والرغبة في عدم الانتفاع بامتيازات على حساب حقوق الناس»، فذلك حدث استثنائي.. بقدر ما هو حدث استثنائي ان يستقيل نائب بذريعة انه لا يريد ان يكون مخادعًا لناخبيه، لأن حالته الصحية لم تعد تسمح له بخدمتهم، وان يستقيل نائب ثالث لكونه فشل في تحقيق وعود المواطنين التي قطعها على نفسه أيام الحملات الانتخابية..!!
حدث ذلك في مصر الحالة الأولى أواخر شهر مارس الماضي، وفي الجزائر الحالتان التاليتان الأولى أوائل الشهر الماضي والثانية في العام الماضي، ولائحة الأمثلة اذا أردنا طويلة، والخلاصة تفرض نفسها، وهي لا تخفى على ذوي الألباب، وبصرف النظر عن حقيقة الدوافع والقناعات والتأويلات، فانه يكفي المجاهرة بتلك الحيثيات فهي استثنائية او نادرة في محيط المنطقة العربية، التي يكاد لا يسمع فيها كلمة الاستقالة او الإقالة إلا في اعقاب هزيمة فريق رياضي في مباراة او بطولة لكرة القدم.. حيث ترتفع الاصوات مطالبة باستقالة او إقالة المدرب..!!
بصرف النظر عن تفاصيل تلك النوعية من استقالات النواب، فانني أحسب اننا في البحرين معنيين بالموضوع ولسنا بعيدين عنه، فكلنا في الهم شرق، وان كان من زاوية اخرى، حيث تقفز الى الواجهة تطلعات وتساؤلات في أوساط قطاعات واسعة من البحرينيين، تطلعات بإمكانية استحضار او إحياء قيمة ثقافة الاستقالة الغائبة او المغيبة عن الوعي العام عندنا، وتساؤلات من نوع هل يمكن ان يستقيل نائب بحريني، والسؤال بصيغة أكثر شمولية: هل يمكن ان يستقيل المسؤول البحريني حين يتعين عليه ان يقدم استقالته..؟!!
ثقافة الاستقالة تعرف في الدول الديمقراطية بانها ثقافة تحمل المسؤولية، واحد أوجه مفصليات العمل السياسي، تعني الاعتراف بالخطأ المهني، او السياسي، والتقصير في تحمل المسؤولية، كما يفهم بانها تعني الشعور بالالتزام الأخلاقي لموقع المسؤولية، وقيل بانها جزء من شجاعة الإقرار بالقصور الذي يضر بالصالح العام على النحو الذي يتراوح بين فشل الأداء وعقم السياسات وفساد الادارة، كما قيل بانها تعني فهمًا متقدمًا لمعنى المسؤولية واحترام الرأي العام، وقيل بانها عدم تنصل من تحمل المسؤولية تحت اي تبريرات ومنها تلك التي تتذرع بـ «أوامر من فوق»، وأفلاطون اعتبرها جسرًا يصل العقل بالرغبة ومجابهة مع النفس والآخر. وأرسطو عدها فضيلة إنسانية، واعتبرها شجاعة تؤكد على الطبيعة الإنسانية للإنسان.
نعلم بانه يتعذر علينا في مناخات واقعنا ان يذهب بنا الطموح بعيدًا في شيوع ثقافة الاستقالة، فقد بتنا على يقين بان الاستقالة من العمل العام والمسؤولية العامة كقيمة ليست وإردة في الحسبان في السياق الذي نحن بصدده، بل هي غائبة او مغيبة عن الوعي العام، لذلك لا نجد لها أثرًا ولا اعتبارًا في مجمل القيم السائدة او تلك التي يفترض ان تسود مجتمعنا، يكفي ان نتابع أصداء ما تكشف عنه تقارير ديوان الرقابة المالية من تجاوزات، لنجد بان تغييب المسؤولية عنها شاخصة امام الأعين في كل التقارير التي صدرت على مر السنوات العشر او الإحدى عشرة الماضية، وكأننا امام تجاوزات من دون متجاوزين، وفساد من دون فاسدين، ومن جهة اخرى يكفي كمتابعين مزمنين للشأن النيابي ان نتابع السلوك والأداء السيئ لكثير من النواب الذين يضبطون متلبسين بالرداءة في الأداء، في المواقف، في الأقوال والأفعال، ويتصارعون ويتكالبون على اللاجدوى، الى الدرجة التي شكلت إساءة للتجربة البرلمانية في الصميم، ووجدنا كيف ان النواب لم يستطيعوا الوفاء ولو بالحد الأدنى مما وعدوا به الناس في برامجهم الانتخابية، وكل ما بات معروفًا، والحديث عنه بات بلا حرج، والذاكرة العمومية تحفظ للنواب في هذا السياق الكثير، وعلاوة على ذلك يكفي ان نتابع الكثر من المسؤولين في عدة مواقع من مواقع المسؤولية العامة لنجد ان هناك الكثير من المسوغات التي نحسب بان استقالتهم او إقالتهم لن تثير خلافًا او جدلاً، ان لم تثير ارتياحًا، خاصة بالنسبة الى اولئك النوعية من المسؤولين اهل الثقة الذين ألفنا ترجيح كفتهم دومًا على حساب أهل الكفاءة والخبرة والاختصاص..!! ويعلم الجميع بان منهم كثر أعجز عن مواجهة أبسط شروط ومتطلبات وأعباء المسؤولية، وما قد يتحقق من إنجاز فمن باب الخير والبركة، أما اذا لم يتم فالطاعة والرضا ورصيد الثقة تكفل لهم البقاء والاستمرار والترقية وتبوؤ المناصب الأرفع، لاحظوا بأننا رغم كل تلك الشروخ لم نجد من بين النواب، ولا من غيرهم من مسؤولين من فكر او بادر بشجاعة الى الاستقالة، وهذا امر لا يحتاج الى اجتهادات..!!
السؤال الجوهري: الى متى تظل سيادة مفهوم الثقة..؟ والسؤال الجوهري الآخر: متى تترسخ ثقافة الاستقالة في أوساط نوابنا، ومسؤولينا، وساستنا، على الأقل التزامًا بمقولة يكررها الجميع «المسؤولية تكليف وليس تشريفًا»..!! وهنا يمكـن ان نجــد الكثـير الكثير ممــا يمكــن قولـه.. وخلاصة القــول إن ثقافــة الاستقالــة لا نظنهــا تحــتاج الى معــجــزة من السماء..!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا