النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10758 السبت 22 سبتمبر 2018 الموافق 12 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

أوروبا الجريحة.. التداعيات والتفاعلات

رابط مختصر
العدد 9849 الأحد 27 مارس 2016 الموافق 18 جمادى الأخرى 1437

مرة جديدة تجد أوروبا ذاتها في مواجهة طاعون القرن الحادي والعشرين، الإرهاب الأسود، غير أن التداعيات والتفاعلات هذه المرة حكماً ستكون مختلفة عما ذي قبل، كما أن الضحايا بدورهم لن يكونوا الذين قضوا فحسب، بل هناك من الأحياء الكثيرون.. كيف؟
أول المتضررين في بلجيكا من العمليات الإرهابية الأخيرة، ولا شك، القطاع الكبير من المهاجرين العرب والمسلمين، هؤلاء الذين صارت مسحة وجوههم العربية في حد ذاتها تهمة تستدعي دفاعات أخلاقية، دون أن يرتكب أصحابها جرماً بعينه، فالسيئة تعم والحسنة تخص، مما يجعل أياً منهم متهماً حتى تثبت براءته، وهو مشهد ولا شك سيؤثر على سلامة النسيج الاجتماعي داخل بلجيكا.
التداعيات المرتقبة، ولا شك، ستنسحب على بقية العرب والمسلمين في عموم القارة الأوروبية، وستؤثر بشكل سلبي على الحوارات والنقاشات الدائرة حول قبول المزيد من المهاجرين في دول القارة، وبكل تأكيد وتحديد على نظرة الأوروبيين إلى المهاجرين، والتساؤل على الألسنة هل هؤلاء ضحايا في الحال أم أنهم مشاريع إرهابيين في الاستقبال؟! ومن جديد سوف تنعقد المقاربات بين قيم الأمن في مقابل مقررات الحرية، وأغلب الظن أن يغلب الأمن على ما دونه من مبادئ في تراتبية أوروبا الأخلاقية التاريخية.
يستتبع ذلك بالضرورة نشوء وارتقاء سريع جداً للاتجاهات اليمينية في القارة الأوروبية بعمومها، ولن يقتصر الأمر على فوز حزب متشدد في ألمانيا بثلاث ولايات، أو مناداة فاشيين أوروبيين جدد في دولة بعينها بطرد العرب والمسلمين، فالمتوقع أن تصبح الكراهية السمت المميز للحياة السياسية الأوروبية تجاه الأجانب. يضحى من تحصيل الحاصل إذن الاستنتاج الأولي الخاص بأن فصولاً جديدة من الإسلاموفوبيا البغيضة، مرشحة للظهور وبقوة على مسرح الحياة الأوروبية، وكأن أوروبا كذلك لا يوجد لديها ما يكفي من وقود هذه الظاهرة السيئة، لتجيء دعوات أخرى من وراء الأطلسي خاصة لتزيد اشتعالها.. هل جاءتك تصريحات المرشحين الأمريكيين في سباق الانتخابات التمهيدية الأمريكية دونالد ترامب وتيد كروز؟
لقد أضحى مشهد بروكسل أداة للتلاعب بالعقول والنفوس من أجل تحقيق مكاسب انتخابية سريعة، فترامب وللوهلة الأولى أصدر تصريحات عنصرية مفادها أن العرب والمسلمين لا يبذلون ما يكفي لمنع وقوع هجمات إرهابية، في حين أشار تيد كروز إلى ضرورة وضع الأحياء المسلمة في المدن الأمريكية تحت رقابة خاصة خوفا من ظهور نزعات راديكالية بين سكانها على حد تعبيره، ومن قبل أشار إلى أن «الإسلام في أمريكا مشكلة يجب التخلص منها».
هل أوروبا في مواجهة مع المتشددين تدفعها للتخلي عن تاريخ التنوير والعقلانية فيها؟
الشاهد أنه في مواجهة الدعوات الظلامية، بل والهجمات الإرهابية نجد بعض الأصوات الأوروبية العقلانية التي تدرك الأبعاد الحقيقية للمشهد، من عينة صحيفة «تاغسشبيغل» التي تصدر في برلين، والتي كتبت صباح الأحداث الدامية تقول إن استراتيجية الإرهابيين واضحة. إنهم يريدون دق إسفين بين المسلمين الذين يعيشون في أوروبا ومن حولهم من غير المسلمين.
يدرك أحفاد التنويريين الأوروبيين الحقيقيين أن هذه الهجمات تعمل ولا شك على تعميق عدم الثقة بين الأوروبيين والمهاجرين المسلمين، بل وحتى أبناء الجيل الثاني من الأوروبيين المسلمين، وتعمل على تسارع عزلتهم، وحينما يبدأ رد الفعل العكسي من المجتمعات الأوروبية تجاه كل ما هو مسلم، المساجد، الحجاب، وحتى قائمة الطعام الحلال، سيكون الإرهابيون قد حققوا هدفهم.
هل ستتغير طريقة التعاطي الأوروبية مع فكر الحريات الخاصة ومفهومها كما جرى في الولايات المتحدة بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001؟
ربما قد يكون من المبكر الجواب، غير أنه وفي كل الأحوال لا يتوجب على مسلمي بلجيكا خاصة، ومسلمي أوروبا عامة الصمت في هذه الآونة، فرغم المخاوف التي تلم بهم فإن هذا هو الوقت «القيم» بحسب علم النفس، حيث النفوس البلجيكية والأوروبية جريحة، لإظهار تضامن حقيقي، مع أسر الذين قضوا، أو المصابين.. تضامن يدفع تهم الإرهاب عن الجميع، بل ويدينه ويستنكره دون نفاق أو مداهنة مكشوفة، تؤتي برد فعل عكسي، وهناك من يتقبل هذا الفكر ولا شك.
قد يطول التهديد لأوروبا، لا سيما في ضوء إمكانية وجود خلايا نائمة أخرى، وعليه، فالصراع مع الإرهاب والعنف يقتضي أدوات أوروبية بعيدة عن رد الفعل الظرفي، أو عن طريق وسياقات الانتقام الغريزي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا