النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10817 الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 الموافق 12 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

طرابيشي يترجل

رابط مختصر
العدد 9848 السبت 26 مارس 2016 الموافق 17 جمادى الأخرى 1437

رغم تنوع موضوعات كتاباته فإن أهم أعمال المفكر طرابيشي موسوعته الأخيرة «نقد نقد العقل العربي» التي اعتبرها الباحث والناقد السوري د. عبدالرزاق عيد مشروعا يحاور السؤال المركزي الذي يخترق مشروع المفكر محمد عابد الجابري (نقد العقل العربي) وهو سؤال عن عوامل استقالة العقل العربي: هل هي عوامل خارجية، يمكن تعليقها على مشجب الآخر، ام هي عوامل داخلية يتحمل فيها العقل العربي الاسلامي مسؤولية الاقالة المأساوية لنفسه وبنفسه.
ومن هنا راح طرابيشي يغوص في اعماق اشكالية ما يعتبره الجابري غزوا خارجيا تمثل -كما يوضح عيد- باللامعقول الهرمسي والغنوصي، وتصوف وتأويل باطني وفلسفة اشراقية وسائر تيارات الموروث القديم. ومن هنا ايضا فاذا قام الطرابيشي بتفكيك اطروحة الجابري فإنه قد غاص في تاريخ فلسفات وأفكار الموروث القديم لفترة تستغرق خمسة عشر عاما قام خلالها في اعادة بناء ثقافته الفلسفية على حد تعبيره، ليستجلي صدقية هذا الغزو وحقيقته وشكله ومواقع اندفاعاته. ويضيف عيد: وهو في ذلك يطوف بنا في مجاهل مدهشة من عوالم فلسفات وافكار الموروث القديم، يساعده ذلك عمره الكثيف في مجال الترجمة، اذ تجاوزت ترجمات طرابيشي المائة من الامهات، وانصراف مديد (15 سنة) لمصاولة المشروع المختلف (نقد العقل العربي) عبر التعرف على كل مصادرة ومراجعة وقراءاته (التراث اليوناني ــ التراث الاوروبي الفلسفي ــ التراث العربي الاسلامي) ليس الفلسفي فحسب، بل والكلامي والفقهي واللغوي البياني، ولعل ما لا يقبل التأجيل في محاورة موسوعة طرابيشي الكبرى، هو اكتشافه لكتاب في الموروث القديم «الفلاحة النبطية» يعود تاريخ تأليفه الى القرن الثاني قبل الميلاد، وذلك في الجزء الاخير من سلسلته النقدية «العقل المستقيل في الاسلام».
ويبين عيد اهمية تناول الاجزاء الاربعة لكتاب (العقل المستقيل في الاسلام) ليعطيه بعضا من حقه على الفكر العربي المعاصر الكسول بل والمذهول وهو يعيش ــ اليوم لحظة الانتقال من التنوير الى التكفير، مما يبدو ان مشروعي الجابري والطرابيشي وكأنهما يأتيان خارج السياق، سياق زمن ثقافي وفكري ينوس بين (القرضاوي والزرقاوي).
قد تختلف حول اجتهادات ودراسات ورؤى طرابيشي السياسية ولكن في الحقيقة يعد من رواد الفكر التنويري العربي.
وتأسيسًا على ذلك كتب عنه الكثير من الدارسين والباحثين في مجال الثقافة التنويرية، يقول الكاتب خالد غزال (نقلاً عن الحياة الصادرة في 2016/‏3/‏17) لا يمكن تصنيفه في كونه مجرد كاتب ومترجم، فالاساس الذي ينطلق منه الرجل هو انه مناضل ــ مثقف، خاض تجربة في العمل الحزبي والسياسي، وظلت هذه التجربة تدفع تاريخه حتى اليوم. من التجربة القومية العربية، الى الالتزام بالماركسية، الى ولوج علم النفس والتحليل النفسي، الى الوجودية وصولاً الى تبني النزعة التاريخية النقدية في قراءاته الاخيرة، اذا كان من الصعوبة الالمام بكل محطات طرابيشي الفكرية، الا انه يمكن التوقف عند محطات اساسية طبعت نتاجه وفكره.
ومن هذه المحطات محطات سياسية وفكرية يتحدث عنها غزال قائلاً: يمكن ان نعثر بوضوح على ما هو ثابت في مسيرة الرجل وما هو متحول او متغير. الثابت في مسيرة طرابيشي هو (الموقع) الذي يصدر عنه، هذا الموقع يتلخص في التزام التقدم والتحرر والحداثة وتجاوز التخلف في مجتمعاتنا العربية، وفي السياسة يصدر عن النضال ضد الاستبداد باشكاله المختلفة، ودعوة صريحة الى اعتماد العقل والتزام الديمقراطية والعلمانية سبيلاً الى تحرير الانسان في الدول العربية من اسر الماضي وبناء مشروع نهضوي متجدد بما يتيح لمجتمعاتنا العربية الدخول في العصر والحداثة.
واما المتغير -وفق ما يراه غزال- في مسيرة طرابيشي وهي التي اشير اليها بتعبير «الموقف» فهو تبدل في استخدام ادواته الفكرية ومناهج تحليله، كان يرى انها باتت قاصرة عن تمكينه من القراءة الصحيحة للواقع، واتخاذ المواقف الصائبة في مختلف الميادين. ويدلل غزال على ذلك، كان طرابيشي يقول في احدى المقابلات الصحافية «هذه المسيرة من التغيرات المتواصلة لا تعني انكار كل ما تم تجاوزه، بل بالعكس، فمن خلال التاريخ والتغير تتم ايضا عملية تراكم واعادة بناء. ولئن تجاوزت مراحلي القومية والوجودية والماركسية والتحليلية النفسية، فهذا لا يعني اني لم احتفظ من هذه المحطات بعناصر مازالت تلعب دورها في المحصلة النهائية لمسيرتي الفكرية. وهكذا استطيع اليوم ان استفيد من كل خبراتي السابقة كي اطوّر رؤية مركبة ومعمقة للواقع الذي نعيشه، والذي يمثل انعطافا جديدا في مسيرة العالم العربي، من خلال انبثاق ظاهرة الاصولية (((((المنداحها))))) موجتها اليوم، والتي كانت احد الاسباب الرئيسية في تحولي الفكري من نقد الرواية الى نقد التراث العربي الاسلامي» (حوار الشرق الأوسط 23 يناير 2008) مرة اخرى مهما اختلفنا مع طرابيشي فإننا نحمل له ولاعماله الأدبية والفكرية التقدير لانه من اعلام العقل والتحرر والديمقراطية والتقدم.
من اعمال طرابيشي ترجم العديد من اعمال كبار المفكرين والفلاسفة الغربيين امثال جورج هيجل وفرويد وجان بول ساتر وسيمون دي بوفوار والتي فاقت اكثر من 200 كتاب. ومن ابرز اعماله الفكرية سلسلة (نقد نقد العقل العربي).
لقد رحل طرابيشي ولكن ستظل اعماله الفكرية والسياسية والابداعية نموذجا راقيا في حياة الفكر المستنير.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا