النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10813 الجمعة 16 نوفمبر 2018 الموافق 8 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:37AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

الدولار مقبل على مرحلة جديدة

رابط مختصر
العدد 9844 الثلاثاء 22 مارس 2016 الموافق 13 جمادى الأخرى 1437

الدولار الى يومنا هذا يمثل محور النظام المالي العالمي، وهذا الدور المحوري يحمل معه ضمانات للاطراف الدولية التي تتعامل بالدولار، إن كان التعامل في التجارة العالمية أو معادلات الارتباط بالدولار، فهناك عملات مرتبطة بالدولار وقيمة صرفها ثابت مع الدولار وهذا هو شكل من أشكال الضمانة والحصانة للعملة الوطنية، والعملات العائمة الأخرى غير المرتبطة بالدولار هي في واقع الامر لها ارتباط بالدولار من حيث مقياس سعر الصرف في سوق التعامل المالي، وطبعا بجانب الدولار هناك عملات (صعبة) أخرى وهي الجنيه الاسترليني واليورو الأوروبي والين الياباني، ولكن كل هذه العملات تأتي بالدرجة الثانية من الدولار إضافة الى انها تقيس قوتها بمستويات قيمة الصرف مع الدولار، إذاً فالدولار هو الى اليوم سيد العملات، ولا يمكن للنظام المالي العالمي أن يعيش حالات الاستقرار والاطمئنان الى الضمانات المرتبطة بالعملة الرئيسية إلا مع وجود شكل من أشكال عملة رائدة تقود مجموعة العملات الوطنية في النشاط الاقتصادي العالمي، وليس بالضرورة أن تكون العملة الرائدة هي عملة واحدة تضمنها دولة عظمى، بل أن التحولات اليوم تشير إلى عملة مزدوجة هي مجموعة عملات قوية توضع في سلة واحدة، وهي المعروفة بسلة العملات، ولسلة العملات ميزات عديدة مقارنة بالعملة المحورية الواحدة، وهذا طبعا موضوع مستقل عن هذا المقال وسوف ندرج له مقالا مستقلا.
لقد مر النظام المالي العالمي في القرن الماضي بثلاثة انهيارات حادة ومكلفة في أعوام 1914، 1939، 1971. بين الحرب العالمية الاولى والثانية كان النظام المالي العالمي يعيش حالات من الاضطراب والتضخم (المضخم)، ولكن نهاية الحرب العالمية الثانية فتحت آفاق جديدة وضامنة لتأسيس نظام عالمي جديد محوره الدولار وضمانه الذهب.
مع تحسس تباشير انتهاء الحرب العالمية الثانية ودحر النازية ومعها بقية دول المحور، إستجمعت الولايات المتحدة الامريكية أدواتها وعدتها مستبقة تداعيات ونتائج الحرب كي تتربع على عرش الاقتصاد العالمي عبر نظام مالي عالمي تمسك هي، دون غيرها، بلجامه. هذه الخطوة الامريكية الاستباقية لم تأتِ من فراغ الرغبة والهوى، بل من معطيات موضوعية فرضها دورها الكبير في الحرب وكونها الدولة الوحيدة التي لم يتأثر فيها لا البشر ولا الحجر، وكونها رائدة النظام الراسمالي العالمي، بينما بقية الدول الأوروبية ومعها الاتحاد السوفييتي خرجت من الحرب رغم الانتصار وهي منهكة متهالكة بفعل الدمار الذي طال جميع مدنها ومصانعها وبناها التحتية إضافة إلى الخسائر البشرية الكبيرة، أما الموارد الاقتصادية فقد استنزفت عن بكرة أبيها، وإعادة البناء والإعمار وعلاج ضحايا الحرب من جرحى وشبه أموات ومشردين، وإعادة تأهيلهم وإعدادهم لعمليات البناء والإعمار كانت في حاجة إلى دعم مالي كبير، ولم يكن لدولة سوى أمريكا أن توفر هذا الدعم.
مع هذه المحصلة من الحرب فإن المنتصر الفعلي كان الولايات المتحدة الامريكية، وكانت هي الوحيدة القادرة على تقديم الدعم لإعادة بناء وتعمير ما دمرته الحرب، وحتما كانت أمريكا واعية وبعمق لهذ الميزة التي أتاحت لها لعب دور الريادة في المنظومة المالية العالمية وعلى مقاس مصالحها وتأمين هيمنتها.
فكان المؤتمر العالمي المعروف ببريتون وودز -Bretton Woods- في يوليو 1944، أي قبل الإعلان الرسمي عن إنتهاء الحرب بتسعة أشهر، وقد إستغرقت مناقشات المؤتمر ثلاثة أسابيع، وشارك فيه 730 مندوباً يمثلون 44 دولة من الدول الحليفة باستثناء الاتحاد السوفييتي. مخرجات المؤتمر كانت متنوعة، ولكننا سنحصرها في الجانب المالي وبختم الدولار الذي أصبح بعد المؤتمر العملة المعتمدة عالمياً وعلى قاعدة الضمانة الامريكية بأن الدولار سنده الذهب، وأن كل من يملك الدولار باستطاعته تحويله الى ذهب بمعادلة تحويلية ثابتة وهي أن أونسة الذهب تساوي 35 دولاراً، فمقابل كل 35 دولاراً أمريكياً تتعهد أمريكا بتسليم أونسة من الذهب، وهذه الضمانة كانت بمثابة الحافز الذي استساغته الوفود المشاركة، مع ضمانة أخرى هي ثبات سعر الصرف لعملات الدول المشاركة في المؤتمر والموقعة على قراراتها. ضمانة الذهب مقابل الدولار كانت نابعة من الكم الكبير من هذا المعدن الأصفر السحري الذي كان بحوزة أمريكا.
هذا الزواج بين الدولار والذهب لم يكتب له الاستمرارية التي كانت أمريكا والوفود المشاركة تتمناه، حيث ان النشاط الاقتصادي وتفاعلات حركة المال في التجارة الدولية وتنامي حجم الدولار في السوق العالمية في مقابل مخزون الذهب قد أخل بقدرة أمريكا على الوفاء بتعهداتها بربط الدولار بالذهب، والذي يعني أن أمريكا وصلت إلى نقطة العجز بتحويل الدولار إلى ذهب، مما يعني بالمقابل أن حاملي الدولار قد خسروا الرهان، وأنه لا بد من معادلة ضامنة أخرى، ونتج عن هذا العجز الطلاق البائن بين الدولار والذهب، واضطرت فرنسا حينها أن تسحب جميع احتياطيها من الذهب. كان هذا في عهد نيكسون وبالتحديد في عام 1971.
ومع فك ارتباط الدولار بالذهب حدث ارتباط سياسي جديد غير متوقع وذات نكهة درامية. «في 21 فبراير 1972 زار الرئيس الامريكي ريتشارد نيكسون وأجرى مباحثات مع الزعيم الصيني ماوتسي تونج لتطبيع العلاقات الأمريكية الصينية. دهش العالم كله وهو يرى نيكسون يصفق للباليه الصيني الذي يصور النضال ضد الأمبريالية الدولية، وكذلك عندما وقع البيان المشترك الذي يعلن أن جزيرة تايوان جزء من الصين. وكان هناك سببان للتوفيق بين المتضادين، وهما كراهية الطرفين للاتحاد السوفيتي والرغبة في الحصول على أسواق جديدة». إضافة، وهو الأهم، إلى أن أمريكا بهذه الفعلة قد أحدثت صدمة مبهرة ومدهشة غير متوقعة أعقبت صدمة فقدان الثقة بالدولار بعد فك الارتباط بالذهب. (صدمة تلي صدمة لتمييع آثار الصدمة الأولى) وتضع العالم أمام تردد وحيرة وهو يشخص أنظاره وآماله إلى مصير الدولار، وهذه المرحلة من الحيرة والتردد أعطى الجانب الامريكي مساحة من الوقت للنظر في إعادة الاعتبار الى الدولار.
استطاع وزير خارجية الرئيس نيكسون الشهير كيسنجر أن يصيغ معادلة أخرى تكاد أن تكون أقوى من معادلة الدولار-الذهب، ففي عام 1974 استطاع الأمريكان وبمبادرة ذكية وعملية من صياغة وإقرار معادلة الدولار - النفط، والذي يعني أن تعاملات بيع وشراء النفط لا يتم إلا بالدولار، فمن يملك الدولار بامكانه شراء النفط، ومن لم يملك الدولار عليه أولا أن يشتري الدولار ومن ثم يشتري النفط المطلوب، وغني عن القول أهمية النفط لاستمرار الحياة في عصرنا الحاضر والى أمد يصعب تحديده. ومع هذا المنعطف الحاد من الذهب الى النفط كضمانة لحاملي الدولار، تزامن معه تحول آخر وهو تعويم عملات الدول المختلفة وجعلها عرضة لمعادلة السوق أي العرض والطلب، فتحولت العملات إلى شبه سلع إضافة إلى كونها وسائط في عمليات التجارة والتبادل، وهكذا قدر للدولار أن يستعيد مكانته العالمية وبثقل اكبر، وأصبح الدولارالعملة المعيارية في العالم رغم تحولات الصرف التي كانت تطالها، وأصبح بإمكان البنك المركزي الامريكي أن يطبع الدولار وكأنه منتج يطرح في سوق العرض والطلب، مع حقيقة أن الطلب متواصل ومضمون طالما أن النفط يباع ويشترى بالدولار.
بهذه المعادلة، ربطت أمريكا مكانتها الرائدة في العالم وبالعالم بأيقونة البترودولار، وخاضت حروباً وغزت دولاً من أجل المحافظة على هذه الأيقونة التي أصبحت شبه مقدسة لدى رائدة الرأسمالية في العالم، وبمعنى أدق فإن الحياة الامريكية بكل أنماطها الاستهلاكية ورخاء الحال فيها صارت تحت رحمة البترودولار، وهكذا لم يكن بإمكان هذه الدولة العظمى إلا أن تتشبث بالبترودولار، وهذا الزواج المصيري بين مكانة أمريكا والبترودولار جعل أمريكا تسعى إلى توسيع نفوذها على منابع النفط في جميع مناطق العالم، وتسابق الآخرين في اكتشاف منابع جديدة للنفط ومن ثم تسعى الى بسط نفوذها على تلك المنابع الجديدة، ولم تتردد قيد أنملة من خلق الذرائع وانتهاك القيم الاخلاقية والحقوق الانسانية وانتهاك سيادة الدول لدخول حروب وغزو دول ذات سيادة من أجل بسط النفوذ على جغرافية النفط في العالم.
لكن بقاء الحال من المحال، ففي خضم هذا الحال من هيمنة البترودولار وسيادة أمريكا برزت قوى تتحين الفرص وتعمل جهدها من أجل تغيير هذه المعادلة التي أضحت تمس مصالحها وتعرقل تقدمها، وعلى رأس هذه الدول هي أوروبا الحليفة القوية لامريكا، فنظمت أوروبا نفسها في وحدة أوروبية وعملة أوروبية موحدة هي اليورو، وتزامن هذا مع صعود روسيا الاتحادية مكانها في لعبة الامم بعد أن تخطت مرحلة التحول الحادة والقاسية من منظومة اشتراكية الى منظومة راسمالية، اي من مرحلة التناقض مع الدول الرأسمالية الى مرحلة التنافس معها، حالها حال أوروبا أمام أمريكا، وصاحب هذا التزامن الصعود التجاري والاقتصادي لدولة كبرى في حجم جغرافيتها وديموغرافيتها وهي الصين التي أخذت تلوح في الأفق وعوامل التحولات تشير إليها كقوة بديلة تتمتع بمقومات يمكنها تغيير معادلة السيادة في العالم لصالحها. وتزامن مع هذه التطورات تطور آخر ذات دلالة خاصة لامريكا نفسها، وهو قدرة أمريكا أن تنتج النفط الصخري مما جعل أمريكا قادرة على إنتاج النفط بكميات تجارية للتصدير، فأصبحت أمريكا نفسها مصدرة للنفط، وهذا التحول ميع من مكانة أيقونة البترودولار وأضحت أمريكا أمام منعطف جديد في تعاملها مع دول منابع النفط.
فبعد أن كانت أمريكا تركز اهتمامها على محور الشرق الأوسط وصاغت لها ضمانات الأمن مقابل ضمانات النفط، حولت وجهتها إلى الشرق الأقصى بمحوره الصيني، وكأن مركز الثقل العالمي قد تحول الى هذا المحور الصيني، ولا عجب في ذلك.
الأدوات التي تشير إلى مكانة كل دولة وقوتها هي عملات الدول المعنية في صراع القوة، فكل العملات مازالت تحوم حول الدولار الذي إستمد قوته من معادلة البترودولار، ولكن التحولات التي أشرنا اليها هزت مكانة البترودولار وبالنتيجة مكانة الدولار.
المنظومة الأوروبية بعملتها اليورو وروسيا الاتحادية بعملتها الروبل والصين الصاعدة بعملتها اليوان، كلها تخوض حروبها الخاصة ضد الدولار، وأمريكا نفسها وهي مدركة لهذه الحروب تجد نفسها أمام مفترق طرق، فهي لم تعد بتلك القوة السابقة ولا هي موضع الثقة السابقة من قبل حلفائها، حيث ان بريطانيا، المعروفة بقربها وتقربها من أمريكا، أصبحت تميل اكثر الى المنظومة الأوروبية، والمنظومة الأوروبية ذاتها أخذت تنظر الى روسيا بمنظور الجار الاوروبي، وقد طفح كيل المصالح الأوروبية الذاتية على المصالح الاطلنطية المشتركة مع أمريكا.
هذا الوضع الذي أنتجته مجمل التطورات والتحولات مضافاً اليها الأزمات الاقتصادية المتوالية قد وضعت الدولار في مأزق التردي، فهاهي الصين تتقدم الى صندوق النقد الدولي بطلب اعتماد اليوان عملة احتياطية حالها حال الدولار واليورو والجنيه الاسترليني. إن العالم مقبل على معادلة جديدة لتأمين الاستقرار المالي والاقتصادي، ولا يمكن التكهن بمعادلة أخرى غير سلة العملات التي تضمنها دولها في السوق العالمية. وهذا يعني أن على الدول الاخرى والتي هي خارج سلة العملات أن تعيد حساباتها منذ الآن، وخاصة تلك الدول التي ربطت عملتها بالدولار، وإذا ما نظرنا الى دول مجلس التعاون الخليجي فإنه من الضروري عليها أن تعاود النظر، ومن منظور مستقبلي جديد، الى العملة الخليجية الموحدة، وأن معيار قوة المنظومة الخليجية يتمثل أحد عناصره المؤثرة في هذه العملة الموحدة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا