النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10757 الجمعة 21 سبتمبر 2018 الموافق 11 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    7:09PM

كتاب الايام

أقليات وأكثرية

رابط مختصر
العدد 9841 السبت 19 مارس 2016 الموافق 10 جمادى الأخرى 1437

يبدو لي في بعض الأحيان أن كثيراً من الانتقادات الأكثر تشدداً للسياسات الإسرائيلية المتطرفة تأتي من اليهود أنفسهم، بما فيهم مجموعات اليهود المتشددين الذين يرفضون الذهاب إلى إسرائيل لرفضهم مبادئ الدولة العبرية، ومجموعات العلمانيين اليساريين الإسرائيليين المنشغلين في توثيق التوسع الاستيطاني وفضح أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون المتطرفون.
واحد من عيوبنا في الوطن العربي هو أننا نميل إلى تحويل كرهنا لإسرائيل إلى كره لكل اليهود في الماضي والحاضر، والذي عادة ما يشمل رفض الاعتراف بإنجازاتهم والإقرار بنجاحاتهم الشخصية.
تاريخياً، واجهت العديد من الأقليات قوانين تحد من نشاطاتها وتقييدها ضمن قائمة محددة من الأعمال، وفي العصور الوسطى في أوروبا كان واحدا من الأسباب التي جلبت الشهرة للأطباء اليهود هو اطلاعهم واتقانهم للممارسات الطبية العربية التي كانت في ذلك الوقت الأكثر تقدماً في العالم.
لكن اليهود ارتبطوا على مر التاريخ بالصيرفة والبنوك والقروض، ورغم أن هذه الأعمال تعد الآن من بين المهن الأكثر ربحاً واحتراماً، إلا أن اليهود عملوا أصلاً فيها لأن أحداً غيرهم لم يكن يريدها، حيث كانت الكاثوليكية تخبر أتباعها أن إقراض المال بأي شكل من الأشكال هو خطيئة، فكان أن جاء اليهود وسيطروا على هذا القطاع في جميع أنحاء أوروبا، ونجحوا في كثير من الأحيان في جمع ثروات هائلة وبناء علاقات مع أغنى وأكثر الشخصيات تأثيراً، ولكنهم أيضا تسببوا في أزمات اقتصادية كبرى.
على مر التاريخ كانت الأقليات الدينية والعرقية عرضة لأشكال مختلفة من السلوك التمييزي من قبل الأغلبية، حتى أن النجحات التي حققتها بعض الأقليات كانت وبالا عليها أحياناً، حيث تعرضت لأشكال مختلفة من نزع الملكية والعنف والاستبعاد والنفي.
والحضارة الإسلامية منحت غالباً المجتمعات المسيحية واليهودية وضعاً خاصاً، لكن القرن التاسع عشر في أوروبا شهد محاولات جادة لتقنين حماية الأقليات في القانون، وينظر إلى محاولة هتلر إبادة يهود أوروبا بمثابة نقطة تحول في تشكيل المواقف الغربية ضد هذه العنصرية المؤسسية، ومع ذلك نحن نعيش الآن في عصر تزداد فيه شعبية مرشح رئاسة أمريكي بارز عند تحريضه الناخبين ضد المسلمين والمهاجرين من أمريكا اللاتينية واللاجئين السوريين.
معظمنا في وقت ما في حياتنا وجدنا أنفسنا في أقلية من نوع ما، الطالب الذي يدرس خارج بلده، والمرأة في عالم يسيطر عليه الذكور، والمريض في دائرة من الأصحاء، أو مجرد الحامل لنظرة إلى العالم غير تقليدية أو توجه سياسي مختلف عن السائد.
نحن جميعا لدينا مصلحة في الحفاظ على حقوق الأقليات، ودعم الحقوق والحريات جميعا كأفراد، لكن يجب على الأقليات أيضا أن يكون لديها التزام أخلاقي تجاه المجتمع وألا تدافع عن حقوقها الخاصة فقط وإنما عن الحقوق والحريات الأساسية لجميع البشر، وإلا انشغلت بمحاولات تكريس تميز نفسها عن الآخرين، خاصة عندما تعتقد أن الفوارق التي تميزها عن الآخرين تمنحها مكانة فريدة خاصة بها.
لقد بدأت هذه المقالة بالتنويه بخصائل العديد من اليهود الذين تكلموا بشجاعة عن تجاوزات المتطرفين اليهود في إسرائيل، واليهود بشكل عام من أكثر الشعوب التي تعرضت للظلم والاضطهاد عبر التاريخ، لكن هل يعملون الآن على رفع الظلم عن غيرهم؟ لا إطلاقاً، وإنما العكس هو الذي يحدث.
لقد جعلت الأمة «اليهودية» إسرائيل واحدة من أكثر الدول تعصباً، مع سجل رهيب في التعامل مع الأقليات غير اليهودية، سجل مذهل من التمييز والعنصرية ضد اليهود الإثيوبيين الذين هاجروا إلى إسرائيل يستخدم نفس الأساليب التي كانت تستخدم ضد اليهود أنفسهم عندما كانوا إقليات متناثرة.
في كثير من الأحيان نجد أن كلا من الأغلبية والأقلية مذنبان وينظران من نفس الزاوية الضيقة، فالأغلبية مستاءة من إدخال الأقلية لعاداتها الغريبة والمشبوهة وميلها لمراكمة الثروة، فيما الأقلية مستاءة من النظرة الفوقية للأغلبية. القاسم المشترك في هذا التصرف هو رفض الاعتراف بإنسانيتنا المشتركة وحاجتنا المتبادلة لبعضنا البعض، في كل مكان تذهب إليه الأقليات تحمل معها ما يثري المجتمع من أفكار جديدة وموسيقى جديدة وطرق جديدة في الطبخ وأخرى لخلق الثروة، رغم ذلك لا زال ينظر للأقليات على أنها تدخل ومصدر للتلوث الأخلاقي، ومجرد إلقاء نظرة سريعة على الصحافة الأوروبية اليمينية نجد أنها تصور اللاجئين السوريين على نحو مثير للاشمئزاز. نحن جميعاً أقلية من وجهة نظر المتطرفين الإسلاميين، فنحن لسنا صارمين بما فيه الكفاية في ممارسة شعائر ديننا، ونحن مزيج من غير المسلمين، نستمع إلى الموسيقى، كما أننا لم نقطع رأس جارنا الصوفي!.
أولاً وقبل كل شيء يجب علينا تلقين أطفالنا الشعور بقيمة إنسانيتنا المشتركة. المسيحيون ليسوا بشراً أدنى مرتبة مقارنة مع المسلمين، والرجل الاندونيسي الذي يغسل سيارتك يستحق الاحترام ذاته الذي تستحقه انت.
التعصب والتطرف ليست أمراضاً معينة في ثقافة واحدة أو دين أو عرق، والطريقة الوحيدة التي يمكننا أن نضمن أننا لن نجد أنفسنا أقلية هي النضال من أجل عالم يتسم بالمساواة في الحقوق والاحترام.

* الرئيس التنفيذي لمجموعة بروموسيفن القابضة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا