النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10817 الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 الموافق 12 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

دهن عداني ومسمار للركب

رابط مختصر
العدد 9838 الأربعاء 16 مارس 2016 الموافق 7 جمادى الأخرى 1437

في مورثنا الثقافي الأدبي قيل: «لا يجوع من يملك بقرة ونخلة»، فقد كانت بيوتنا في مدننا وقرانا ذات أحواش واسعة، صحيح أن «الدور» لم تكن بذاك الاتساع، ولكن كان الأجداد يحرصون على أن يكون الحوش واسعاً لكي يربوا فيه الحيوانات الداجنة والطيور بأنواعها ثم هم يتخذونه للنوم في الهواء الطلق في الليالي حيث «الدعون» أو «السيم». كانت النخلة سيدة الموقف في البيت، فمنظرها يسر الناظرين وسعفاتها توحي بالحياة، وهي المكان الذي تلجأ اليه البلابل والعصافير فيشجينا صوتها
في الصباح الباكر، وعند الغروب، وكانت ولازالت النخلة رمز العطاء، ورمز الخير والنماء وكان الناس يربون الدواجن للأكل وللبيض لهم ولضيوفهم، وكان المحظوظ من يملك بقرة ويختار لها مكاناً في الحوش يسمى «الزريبة» فمنها الحليب واللبن والروب والدهن العداني.
كان الأقدمون يسمون التمر «مسمار الركب» لما فيه من فوائد جمة وكان هو الغذاء في إفطار الصباح وعند الوجبات الرئيسية وكان أيضا هو «قدوع الضيوف» تمهيداً لاحتساء القهوة «المقندة»، وتزوداً بالطاقة البدنية الطبيعية كانوا يصنعون الدهن «العداني» الذي هو من خير الأبقار على التمر، إيماناً منهم أن ذلك سوف يزيدهم نشاطاً وحيوية، ثم هو الغذاء الطبيعي والمفيد للأطفال في وقت لم يعرفوا «ديد اليتيم» ولم يعرفوا تلك المعلبات المغذية في الزجاجات الصغيرة «الغراش» فكل شيء عندهم طبيعي، إلى أن يكبر الصغير وتكون معدته مستعدة للأكل الطبيعي فالدهن العداني له عندهم استخدامات متنوعة ويدخل في وجبات متعددة ومن أهمها «عيش المحمر» مع السمك الطازج أو المملح. أما التمر «مسمار الركب» فله استخدامات شتى لا تعد ولا تحصى،
والمرأة البحرينية تتفنن في إعداد الوجبات منه.
كانت بيوتنا لا تخلو من التمر وكان التمر يمثل بالنسبة لنا مخزوناً غذائياً استراتيجياً، وكان الناس يتهادون به ويعتبرونه من البركات، وكانت البحرين من الممالك العربية التي تعتز بالنخلة وثمارها وكانت النخلة في الموروث الثقافي والتراثي الدلموني ذات شهرة واسعة، وكانت البحرين في جغرافيتها القديمة تملك هذا الثراء في الرطب والتمر، ولا غرابة أن تكون البحرين بلداً مصدراً للتمور، ولا غرابة أن يطلق عليها وعلى أمثالها في خليجنا العربي المثل القائل «كحامل التمر إلى هجر»، فالبحرين كانت موطن النخيل الباسقات وكانت ثمارها لا تنقطع عن بيوتها وأسواقها لتنوعها وجودتها وكثرتها..
الناس في بلادي اعتمدوا على أنفسهم في الكثير من الأشياء وكانت مواسم الزراعة والصيد البحري تشعرهم بالقرب من بعضهم البعض، فيتبادلون المنافع فيما بينهم وكانت الحرف اليدوية تخدم عليهم، وكان الحرفيون يتميزون بدقة صنعتهم ويتفانون في تقديم الأفضل، كان الناس عصاميين بكل ما تعنيه كلمة «العصامي» من معنى فقد حرثوا وغرسوا الأرض، وحرثوا في البحر وكانت أرزاقهم بعد الله مكفولة بعرقهم وقدرتهم على البذل والعطاء، فلا مكان للتخاذل والكسل والتواكل فالقادر على العمل لا يكل ولا يمل، فقد تعودوا على العمل من الصغر، لم يعرفوا يوماً الركون إلى الدعة والطلب من الآخرين مديد العون لهم، فقد شعروا بالحاجة إلى أن يكونوا منتجين، ومبدعين وأن يعاون بعضهم بعضاً فالتكافل الاجتماعي كان متحققاً عن طواعية وطيب نفس، وصدق في التعامل، وإخلاص في العمل، ما أحوجنا في زماننا لأن نغرس في نفوس أبنائنا حب العمل والتفاني فيه، وما أحوجنا اليوم لثقافة التكافل الاجتماعي بين أبناء الوطن الواحد، فكم نحن بحاجة إلى أن نعمل لما فيه خير بلادنا ومواطنينا، فنرفع من قيم الاعتماد على أنفسنا تجارة وبيعاً وشراء، وما أحوجنا أن نرى في محلاتنا التجارية وأسواقنا المتعددة إلى أبناء الوطن وهم يديرون هذه المحلات والأسواق ونعرف أن نتفاهم معهم، وكم نحن بحاجة إلى أن ندبر شؤوننا بتعاوننا وتكاتفنا ولحمتنا الوطنية، فالجيل الذي قبلنا،
وجيلنا ألفوا الأسماء الوطنية في أسواقنا، بالمنامة والمحرق، والحد، والرفاع، وجد حفص ومختلف المدن والقرى، وعرفنا أسماء من أهل الوطن في البناء وتشييد البيوت وعرفنا مواطنين في وسائل المواصلات الباصات والتكسيات، وعرفنا أسماء
وعائلات في الغوص والبحث عن اللؤلؤ، واشتهرت عائلات في السفر والقطاعة والتجارة البينية، وعرفنا موظفين مخلصين في أداء واجبهم الوطني في الحكومة والمؤسسات العامة والخاصة والشركات.
فالبحرينيون منتجون ومبدعون وأثبتوا تميزاً تجارياً، واقتصادياً، واجتماعياً وثقافياً وفنياً وأدبياً على مدى تاريخهم القديم والحديث والمعاصر.
ولنتذكر ذلك القول المأثور: «لا تجوع وأنت تملك بقرة ونخلة» ويمكننا أن نقول في أيامنا «لا تجوع وأنت تملك الإرادة الحرة والقدرة على العطاء، والعزم والتصميم ومواجهة التحدي، والإيمان بالله سبحانه وتعالى، وبقدرة المجتمع ككل على البذل
والتفاني وحب إرادة البقاء».
وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا