النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10760 الإثنين 24 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

حرب البسوس النووية

رابط مختصر
العدد 9830 الثلاثاء 8 مارس 2016 الموافق 28 جمادى الأولى 1437

نقتبس البسوس من أعماق تاريخ الأمة علنا نتحسس فكراً وشعوراً مفهوم «كرامة القوة»، ومن ثم ندلف بالمقتبس إلى مجاز التعبير في معادلة البسوس. فمعادلة البسوس هي كرامة القوة والمكانة في غياب قوة الحكمة وحسابات الربح والخسارة، القوي يستشعر بمكانة التفوق والتميز عن الآخرين وعلى الآخرين، وهذا الشعور يعطيه حقاً شبه مطلق في هوى التصرف دون مانع ذاتي ولا واعز أخلاقي ولا رادع قانوني، فالكلمة كلمته والطاعة العمياء له، والفعل بما شاء وهوى هو طوع يديه، يدي القوة والقدرة، ويرى في نفسه القوية القطب الأوحد الذي لا يرتضي أن يقبل بوجود قطب آخر منافس. ولكن شاءت أقدار التاريخ أن لا تستباح مصائر البشرية بهيمنة قطب واحد أوحد على مدار مسيرته (التاريخ) في ركب الزمن. فدوماً هناك قوتان، وقد يتفاوت مدى القوة بينهما، إلا أن هذا التفاوت لا يعطي الأقوى نسبياً المبرر ولا الشجاعة بمغامرة المواجهة المباشرة للقضاء على الخصم والند، فعندما تواجه قوة قوة أخرى فإن المحاذير وهواجس الخوف على مصير الذات تستثير شذرة من الحكمة في التأني وأخذ الحيطة وحتى التراجع دون تحفظ، اللهم إلا أن يكون قد وصل في صراع المواجهة واختبار كرامة القوة نقطة اللارجعة، نقطة إطفاء الشمعة.
طرفان قويان، ولكل قوة عزة وكرامة ومكانة وسمعة أمام الجمع والجموع والأمة، وليس من شيم القوة التراجع امام قوة منافسة خاصة إذا ما جد الفعل أمام مستجدات تمس كرامة القوة ومكانة القوي، الأمين على ذاته وبذاته، وهذه هي من أخطر حيثيات المواجهة التي قد تسد جميع الذرائع أمام أي شكل من أشكال التراجع أو التواصل والتراسل بغية صب الماء على لهيب المواجهة.
لحظة وصول قوتين الى نقطة المواجهة دون رجعة، ودون «الرجعة» هذه تنبع من سيكولوجية الشعور بعناصر القوة، هذه السيكولوجية التي تتربع على عرش النفس المؤلهة ذاتياً، هذه النفس المؤلهة لا تتحمل ولا تقبل بالهزيمة، فهي في المواجهة المصيرية لسان حالها قد يصل إلى متاهات «عليَّ وعلى أعدائي»، ولكن لن أقبل بالتراجع، لان في التراجع هزيمة ومساس بكرامة القوة، لتموت القوة ولكنها لا تتراجع، هذا هو منطق القوة، وهو منطق أطنب فيه الشاعر الإغريقي هوميروس في ملحمته الخالدة «الإلياذة».
قوة اليوم ليست أيام البسوس ولا الفرس ولا الرومان ولا ما جادت به أشعار هوميروس في «الإلياذة» وحصان طروادة، ولا حتى ايام هتلر وتبعاته من الحمم النووية على هيروشيما وناجازاكي، كل القوى السابقة وبطش القوة منها لم تكن سوى قعقعة وجعجعة قد تقتل الملايين وقد تسوى المدن بالأرض، ولكن قوة اليوم هي القدرة الكامنة والقدرة الفاعلة والقوة المرعبة والقوة الشيطانية القادرة على تدمير الحياة برمتها من على سطح الكرة الارضية، لتعود وظيفة البيولوجيا في دورة إحيائية جديدة قد تقرر عند عتبات النشوء والارتقاء حصر مدى العقل في دائرة الفطرة والغريزة، مثلما عالم الحيوان مجرداً من الانسان.
وتتباهى القوى التي تتسمى العظمى بان بمقدور ترسانتها العسكرية تدمير الكرة الارضية عشرات ومئات المرات، رغم أن التدمير الاول سوف لن يبقي على شيء لتدميره ثانية، ولن يبقى احد بعد الدمار الاول لينفذ أوامر التدمير الثاني، فكيف إذا بمعادلة التدمير مئات المرات، حماقات القوة وترهاتها، لا أكثر ولا أقل.
معادلة القدرة على تدمير الكرة الارضية مئات المرات، هي من خصائص كرامة القوة، القوة التي لا حدود لها وهي ساكنة، ولكن عندما تنطلق تلك القدرة من كهوف جهلها وعجرفتها، فسوف لن تبقى لها فرصة لتعي أن سعيها لبناء قدرة مئوية لتدمير الارض ما هي إلا حماقة النفس المجبولة والموهومة بقدسية القوة وخلود صاحبها.
وامام هذه المعادلة الحمقاء المبنية على عناصر قوة القوة يتوارد الى الذهن سؤال وجداني من نبع الحرص على الوجود، وهو: وماذا عن قوة الحكمة في مواجهة كرامة القوة؟
إن هذا السؤال الشرعي المشبع بالانسانية والمسؤولية يعود بنا بالذاكرة الى بداية الستينيات من القرن الماضي عندما لاح في أفق سياسة القوة تلك المواجهة بين أمريكا والاتحاد السوفييتي فيما يعرف بقضية الصواريخ في كوبا، كادت الأزمة أن تتصاعد الى مواجهة نووية، خاصة وأن المارد الامريكي برئاسة كيندي قد وضع نفسه على طاولة الأزمة الى نقطة اللارجعة، بينما الجانب السوفييتي كان في وضع أفضل للخيار بين القوة والحكمة وتفادى أن يحشر نفسه في زاوية اللارجعة، ولأن السياسة السوفييتية كانت تتسم بمسؤولية أوضح وسياسة مرنة وأقل عجرفة فقد كانت أكثر قدرة على تبني نهج قوة الحكمة بدهاء قوة الكرامة، فكان القرار السوفييتي باتخاذ خطوته التاريخية إلى الوراء أمام محنة قرار اللارجعة الامريكي، وكانت أمريكا نفسها في حاجة مصيرية ووجودية لقرار حكيم من الطرف السوفييتي، وتحمل السوفييت مسؤولية إنقاذ البشرية، وإنقاذ ماء وجه المارد الامريكي ومكسب سياسي كبير أمام شعوب العالم، وأصدر الرئيس السوفييتي خروتشوف قراره الحكيم بالتراجع وسحب الصواريخ من كوبا، وبهذا القرار زال الخطر النووي الذي كان من المحتم أن يبيد الحياة على الأرض عن بكرة أبيها، وهو القرار الذي أنقذ القيادة الامريكية ذاتها من نتائج قرار اللارجعة التي كان قوامها «كرامة القوة».
ولكن ماذا لو أن أزمة كرامة القوة عند قوتين عظميين وصلت الى نقطة اللارجعة بينهما؟ كل طرف يسند ظهره الى حائط فولاذي لا يسمح باتخاذ خطوة تراجعية الى الخلف، فأية حكمة تلك التي بامكانها هدم حائط أو هـدم الحائطين معاً؟ ومن أي مصدر يمكن أن تأتي تلـك الحكمة؟ إن مكامن الحكمة شبه خاوية..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا