النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10812 الخميس 15 نوفمبر 2018 الموافق 7 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:34AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

مجلس التعاون.. البدايات والتأسيس

رابط مختصر
العدد 9830 الثلاثاء 8 مارس 2016 الموافق 28 جمادى الأولى 1437

تساؤل ملح يثار حول مدى تحقيق (مجلس التعاون) لإنجازات واضحة تعود بالنفع المباشر على مواطنيه بعد مرور أكثر من (36) عاماً على قيامه، ولم يقابل هذا التساؤل جواباً شافياً حتى الآن، بل اتهم المجلس ببطء آلياته المؤثرة على تقدم مسيرته وتحقيقه للكثير من المكتسبات التي تصب في صالح الشعوب الخليجية.
وفي هذا السياق لا بد من توضيح بعض النقاط الهامة، خصوصاً وأن عجلة التاريخ أثبتت أن منظومة (مجلس التعاون لدول الخليج العربية) تعتبر أهم وأنجح تجربة عربية أكدت استقلال (الخليج العربي) ووحدته الوطنية، وحفظت دوره الإقليمي والدولي، ومكنته من مواجهته التهديدات والأخطار المحدقة به من كل جانب، خاصة بعدما تعرضت له كيانات الدول العربية من تغييرات في أنظمتها السياسية بسبب أحداث بما يسمى الربيع العربي.
إن قراءة تاريخ منطقة الخليج العربي في ثمانينيات القرن الماضي توضح ما امتازت به الفترة ما بين مؤتمر (القمة الخليجية الأولى) في مدينة أبوظبي (مايو 1981م) الذي وقع فيه القادة المؤسسون على النظام الأساسي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، ومؤتمر (القمة الخليجية السادسة والثلاثين) في مدينة الرياض في (9 - 10 ديسمبر 2015)، والخطوات المهمة التي اتخذها مجلس التعاون والانجازات التي تحققت والتي كنت شاهداً عليها، خاصة بعد أن تشرفت بتعيني سفيراً لمجلس التعاون لدى الاتحاد الأوروبي في بلجيكا في الفترة من (2002م - 2008م)، ووكيلاً لوزارة خارجية مملكة البحرين ومسؤولاً مسؤولية مباشرة عن مجلس التعاون وعلاقاته الإقليمية والدولية في الفترة من (2009م - 2015م).
ويأتي الدافع الأساس لقيام مجلس التعاون، عندما أعلنت بريطانيا في (16 يناير 1968م) سياسة الانسحاب من شرق السويس وتصفية جميع قواعدها العسكرية وسحب عشرات الآلاف من العسكريين وعائلاتهم، بسبب عجزها عن الانفاق على شبكة مصالحها الاستراتيجية والتجارية والترتيبات العسكرية الدفاعية في تلك المنطقة، نتيجة للعجز الكبير الذي أصاب الخزانة البريطانية عام (1964م) ووصل إلى (800.750) مليون جنية إسترليني، وهبوط الجنيه الاسترليني في خريف (1967م) إلى مستويات حادة، مما دعا رئيس الوزراء البريطاني هارولد ولسن إلى الإعلان في خطاب ألقاه أمام مجلس العموم في (يناير 1968م) عن تخفيض كبير جداً في الإنفاق وعن التصميم على الانسحاب كلياً من المنطقة مع نهاية (1971م)، حيث قال (.. لقد قررنا أيضاً سحب قواتنا من الخليج في التاريخ نفسه..)، ليؤكد هذا القرار التاريخي الصعب أفول شمس الإمبراطورية التي لا تغيب الشمس عن أراضيها على امتداد الكرة الأرضية، ويشكل صدمة كبيرة لحكام الخليج العربي للأسباب الآتية:
1. الأطماع الإيرانية التاريخية في الخليج العربي باعتباره بحيرة للنفوذ الإيراني وامتداداً للإمبراطورية الفارسية الكبرى.
2. الخلافات الحدودية القائمة بين بعض الإمارات أو المشيخات الخليجية وانعكاساتها على الأمن والاستقرار في المنطقة.
فرأت الولايات المتحدة الأمريكية ضرورة سد فراغ الانسحاب البريطاني من الخليج العربي بعد أن أعلن مستشار الأمن القومي الأمريكي هنري كيسينجر في صيف (1968م) عن (الخطة الكبرى) أو (grand design) التي يكون لواشنطن بموجبها الإشراف على الخليج العربي لحماية المصالح البترولية والاستراتيجية والاستثمارات الغربية وأمن إماراته الجديدة حديثة الاستقلال من التسلل الشيوعي إلى الخليج العربي الذي كان قابعا في اليمن.
ولخطة كيسنجر الكبرى أو (grand design) ركائز ثلاث، هي:
الركيزة الأولى: المملكة العربية السعودية، وتمثل الجانب العربي بعد هزيمة مصر عام (1967م)، حيث كان لها الدور الرئيس في حماية المصالح العربية وأساس أمنها واستقرارها حتى يومنا هذا.
الركيزة الثانية: إيران الشاهنشاه، التي كانت تلقب بشرطي الخليج بسبب علاقاتها الوثيقة مع الغرب والولايات المتحدة على وجه التحديد، لذلك أصبحت إيران من أهم حلفاء أمريكا في المنطقة لنجاح نظرية كيسنجر.
الركيزة الثالثة: الولايات المتحدة الأمريكية، التي ستحمي مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، وتراقب خطوط الملاحة الدولية، وتحافظ على تدفق النفط إلى العالم، وستستلم دور بريطانيا في حماية الدول الخليجية الجديدة التي انضمت للتو إلى الأمم المتحدة من المد الشيوعي الذي كان في أوج نشاطه الأيدلوجي في العراق وسوريا.
إلا أن ما وأد (خطة كيسنجر الكبرى) هو قيام الثورة الخمينية في إيران عام (1979م) التي غيرت قواعد العلاقات واللعبة السياسية في المنطقة، وتغلغل اليد الإيرانية في عدد من الملفات والأوراق السياسية المهمة التي لها تأثيرات سلبية على دول المنطقة العربية، وأثارت تدخلاتها في الشؤون الداخلية لدول المنطقة حالة من الانقسام والعداء الطائفي الحاد بين السنة والشيعة على امتداد الوطن العربي عموما ودول مجلس التعاون بشكل خاص، وكان من أبرز تداعياتها قيام العديد من الحروب في منطقة الخليج العربي، وهي (حرب الخليج الأولى) بين العراق وإيران التي استمرت ثمان سنوات (22 سبتمبر 1980م - 20 أغسطس 1988م)، و(حرب الخليج الثانية) التي احتل فيها الرئيس العراقي صدام حسين الكويت واستمرت من (2 أغسطس 1990م - 28 فبراير 1991م)، و(حرب الخليج الثالثة) التي احتلت فيها الولايات المتحدة الأمريكية الأراضي العراقية في (20 مارس 2003م) وانتهت بشكل رسمي في (15 ديسمبر 2011م).
 وبعد أن كان النفوذ البريطاني السياسي في الخليج هو الذي يدير شؤون الإمارات أو المشيخات الخارجية مع دول العالم، ويحد من تحركاتهم وأنشطتهم البحرية، ويمنعهم من بناء القلاع والأبراج والحصون، ويمنع القرصنة البحرية، والاتجار بالرق، وذلك بموجب المعاهدة العامة للسلام بين حكام الخليج والإمبراطورية البريطانية الموقعة عام (1820م) والتي أشرفت على تطبيق أحكامها وأهدافها (شركة الهند الشرقية) تحت غطاء حفظ الأمن والسلام في الخليج العربي وعدم مهاجمة السفن البريطانية، خلق الانسحاب البريطاني أجواء مشحونة بالتوتر والقلق، ومزدحمة بالكثير من التساؤلات والمفاجآت غير المتوقعة، خاصة بعد ظهور النفط وتحول الخليج العربي إلى محط أنظار وأطماع الدول الكبرى في العالم نظرا لمركزه الاستراتيجي في طريق الملاحة التجارية الدولية وما يملكه من ثروة نفطية طائلة، وتجدد المطالب الإيرانية بالبحرين، واحتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى) وعدد من الجزر الصغيرة مثل (أم الغنم وهنجام)، ووجد أمراء وشيوخ الإمارات العربية الصغيرة المترامية على رمال الخليج الساخنة بأن لهم كيانات سياسية مستقلة، وأنهم أصحاب قرار سياسي مستقل في علاقاتهم الخارجية مع دول العالم ومع جيرانهم في الإقليم.
وهذا ما أثار مخاوف الإمارات الصغيرة القابعة على الساحل الجنوبي للخليج العربي، خاصة وأن علاقاتهم لم تكن مستقرة مع جيرانهم في الشمال، بسبب أطماعهم التاريخية وتطلعاتهم التوسعية، مما دفع أمراء وشيوخ الإمارات المستقلة عام (1971م) والتي دخلت في عضوية الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية للبحث عن آليات جديدة لبناء هيكل آمن وجديد للأمن الخليجي، فكان (الاتحاد التساعي) الذي سقط بسبب التهديدات الإيرانية الشاهنشاهية في السبعينيات كمرحلة أولى، ليأتي بعده تأسيس (مجلس التعاون لدول الخليج العربية) في (25 مايو 1981م)، والذي كان صاحب فكرته المغفور له سمو أمير دولة الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح، ليشكل ترجمة واقعية لحالة أمنية خطيرة جداً على كيانات واستقلال دول مجلس التعاون بسبب الحرب العراقية الإيرانية التي اشتعلت من (سبتمبر 1980م) حتى (أغسطس 1988م).

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا