النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10817 الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 الموافق 12 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

العراق.. مثل اليابان!

رابط مختصر
العدد 9824 الأربعاء 2 مارس 2016 الموافق 22 جمادى الأولى 1437

في ما يمكن اعتباره «مغامرة بحثية»، حاول الأكاديمي العراقي د. محمد عبدالواحد محمود التأكيد على وجود «الكثير من عوامل التشابه بين المجتمعين الياباني والعراقي منذ بداية التاريخ الحديث، حتى تأسيس الدولة بمفهومها الحديث في كلا البلدين».
ويضيف د. محمود، من كلية الآداب بجامعة بغداد، في كتاب صادر عن «بيت الحكمة» العراقي ببغداد عام 2013، بعنوان «التجربة اليابانية: رؤية عراقية»، أن المجتمعين الياباني والعراقي «إقطاعيان، عاشا حالة من العزلة، منذ النصف الأول من القرن السابع عشر حتى بداية منتصف القرن التاسع عشر، وفي العراق منذ الغزو المغولي في سنة 1258، حتى منتصف القرن التاسع عشر».
ولكن العراق خضع طويلاً للدولة العثمانية، وهذا يعني أنه لم يكن منعزلاً، ولكن الباحث يقول عن عزلة بلاده رغم الخضوع للعثمانيين، إن هذه الإمبراطورية المترامية الأطراف «مرت بمراحل متعددة من القوة والتداعي والانهيار، فنال العراق الكثير من الإهمال، فانتشر الفقر والابتعاد عن الحضارة، مما أسهم في عزلة الولايات العراقية الثلاث بغداد والبصرة والموصل، وانتشار المحلية في التفكير والتصرف لا سيما في المناطق الريفية».
كيف ومتى إذن كانت بداية تشكل العراق الحديث ككيان أو هوية؟ يقول: «إن مفهوم الهوية لم يبدأ بالتكون بشكل أولي إلا مع منتصف القرن التاسع عشر ولدى النخبة المدنية، لكن بنوع من المحلية وعدم الشعور عموماً بإحساس (العراقية)، لأن الدولة العراقية لم تؤسس رسمياً إلا في عام 1921، عندما أسس البريطانيون الدولة الملكية التي استمرت حتى عام 1958».
لم تكن هذه هي الحال في اليابان، فرغم تشابه العزلة في الحالتين، وتأخر نمو «الهوية اليابانية الجماعية» حتى منتصف القرن التاسع عشر، إلا ان المجتمع الياباني «كان موحدا عرقيا ودينيا، ولم تكن الأقليات الطائفية كالمسيحية أو العرقية كالكوريين والصينيين والتايوانيين مؤثرة بشكل واسع على هذا المجتمع، وعدا المسيحيين الذين استطاعت الدولة اليابانية التخلص من تأثيرهم بسياسة العزلة، التي أدت إلى عزلهم عن الدعم الغربي، لم تدخل مشكلات الأقليات إلا في مرحلة متأخرة من القرن التاسع عشر، عندما بدأت اليابان تتجه نحو الاستعمار والتوسع في محيطها في شرق آسيا والشرق الأقصى، فبدأ الإحساس بهوية يابانية أولية في أواخر عهد توكوكاوا، واتضحت هذه الهوية واقعياً ورسمياً بتأسيس الدولة اليابانية الحديثة في عهد ميجي، عندما أشار دستور سنة 1889 إلى الرعايا اليابانيين». (ص123).
تبلورت الهوية اليابانية «عهد ميجي»، وتعمق إحساس الياباني بها أما العراق فقد تعثر لأسباب كثيرة، بل إن الدولة كذلك، يرى الباحث، كانت في العراق «عامل إضعاف لتطور الهوية العراقية»، وتسببت التركة العثمانية الثقيلة وطبيعة النخبة العراقية وبخاصة تحيزها لخلفياتها العرقية أو الطائفية إلى حالة من الاضطراب والتشويش، وأدت السياسات المتعثرة غير الواضحة تجاه الأقليات والطوائف، يقول د. محمود، إلى تطور مفهومين للهوية الوطنية (العراقوية) و(العروبية)، فكان هذا «سببا أساسيا للانقسامات السياسية وعدم الاستقرار المجتمعي منذ العهد العثماني حتى الوقت الحاضر». (ص125)
لعب تطور التعليم والبنية التحتية عموما دورا إيجابيا في الحالتين: «فقد أسهم تطور التعليم في كلا البلدين منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والتأثير المغربي بدور واضح في كسر حواجز النظام الإقطاعي، وربط الولايات العراقية والأقاليم اليابانية مع بعضها البعض، وظهور نخبة مؤثرة لا سيما في المدينة، أسهمت بشكل أو بآخر في تعميق الإحساس بالوحدة، وكان لتطور النقل المائي والبري في العراق، وانفتاح اليابان على الغرب دور واضح في ربط المجتمعين مع بعضهما البعض».
لعب الدين في التجربة العراقية دورا معقدا يشبه دور الدولة في تحليل د. محمود لما جرى في البلدين!
«وإذا كان الدين قد لعب دورا إيجابيا في اليابان، سواء خلال مرحلة البوذية في عهد توكوكاو أو الشنتوية في عهد ميجي لترسيخ الدولة وتقويتها، ثم إلغاء التداخل بين السياسة والدين بعد الحرب العالمية الثانية، فإن دوره كان سلبياً على مدى تاريخ العراق الحديث والمعاصر وحتى الوقت الحاضر، فلم تستطع الدولة أن تكون محايدة في هذا الجانب، مما أدى إلى الانقسام بين أبناء الوطن الواحد، إحساساً بتحيز الدولة، فانكفأت كل طائفة أو عرق على نفسها وابتدعت وسائلها لحماية المنتمين إليها، ويتضح ذلك في عدد من المناسبات الدينية التي هي عوامل للانقسام أكثر منها عوامل للوحدة، ولم تكن هذه الظاهرة واضحة على نحو سافر في اليابان في تاريخها الحديث والمعاصر، وإذا كان المسيحيون قد تعرضوا لنوع من الاضطهاد في عهد العزلة، فإن ذلك انتهى بتشكل الدولة الحديثة في عهد ميجي». (126).
احتمت اليابان من مصير كمصير العراق بواقعها الجغرافي، لأنها مجموعة جزر محمية طبيعياً من كل الجهات، وبخاصة جارتها الآسيوية العظمى الصين، بعكس العراق المفتوح على كل الجهات والدول المجاورة له من إيرانيين وأتراك وعرب، وقد تأثر تاريخه السياسي وتركيبته الاجتماعية وتراثه الثقافي أبلغ التأثر بهذا الواقع كاحتلال العثمانيين والفرس له، وهجرة العديد من القبائل العربية الكبرى إليه، في حين عاشت اليابان تجاربها الاجتماعية مستقلة دون تدخل، ونمت شرائحها وطبقاتها وتوالي ملوكها عبر القرون حتى عصرنا الحالي في إطار متماسك.
ما مدى مسؤولية النخبة العراقية الحاكمة فيما جرى للبلاد؟ لا يمكن لومها على كل شيء، يقول د. محمود، شارحاً:
«وإذا أردنا أن نكون موضوعيين، علينا أن لا نحمل الدولة العراقية أكثر من طاقتها، ونلقي باللوم الأكبر عليها في تفتيت مفهوم الهوية العراقية الجماعية، فقد حاولت هذه الدولة لا سيما في العهد الملكي أن تبني نظام المؤسسات وأن تتبنى تجربة للتحديث، إلا أن حداثة عهدها بالحكم، والتحكم الاستعماري في مقدرات العراق وتدخلهم السافر في شؤونه في عهد الانتداب وبعده، إلى جانب اتساع حدة الصراع الداخلي بين الاتجاهات الفكرية والسياسية والعرقية والطائفية، وعدم فهم بعضها لمفهوم الدولة الحديثة، لا سيما مجتمع العشائر، الذي كان بعيداً عن مفهوم المركزية، فقامت بسلسلة من التمردات لمواجهة الحكومة المركزية وبعض الأقليات العرقية والطائفية كالأكراد والآشوريين، إلى جانب المخاطر الخارجية، كالخطر الإيراني والتركي، وعدم تأمين حدود العراق الخارجية، كلها عوامل أسهمت في إضعاف الدولة وعدم قدرتها على بناء هوية عراقية شاملة». (ص127).
لم تخلُ تجربة اليابان كذلك من مشاكل سياسية عاصفة وصدامات داخلية، وبخاصة بعد التغييرات التي نجمت عن اختراق القائد البحري الأمريكي ماثيو بيري لعزلة اليابان في عام 1853. فقد دار بعد ذلك صراع في أنحاء اليابان بين دعاة الانفتاح والانغلاق، قبل أن ينتصر في النهاية دعاة التيار الأول.
وما إن سارت اليابان في درب التحديث حتى تحولت إلى قوة عسكرية أنزلت بروسيا هزيمة بحرية منكرة عام 1905، إلا أن القوة العسكرية حولت اليابان بعد ذلك تحت تأثير شعارات قومية إلى قوة استعمارية توسعية جرت البلاد الى حرب عالمية ضد الولايات المتحدة وكارثة كبرى عام 1945.
ويلاحظ د. محمود «أن العراق واليابان اتجها في وقت مقارب تقريباً إلى القومية المتطرفة في الثلاثينيات، التي أدت إلى انهيار الدولة اليابانية والتخلي عن هوية الدولة القومية لمصلحة هوية الشعب الياباني، وبالنسبة إلى العراق، فإن الصراع بين المفهوم (العراقوي) و(العروبي) للهوية العراقية، أدى إلى التناحر بين هذين الاتجاهين، ويمكن أن نتلمس دورهما في غالبية الأحداث الكبرى للعراق منذ تأسيس الدولة العراقية حتى سقوطها أمام الاحتلال الأمريكي عام 2003، وكان الشعور بالخطر الأجنبي والإحساس بالضعف عاملاً أساسيا في تحول النخب السياسية العسكرية نحو القومية المتطرفة التي قادت الى أحداث مايو 1941 بالنسبة إلى العراق، والهجوم على بيرل هاربر في العام ذاته بالنسبة إلى اليابان».
ويدعو د. محمود في نهاية المقارنة بين التجربتين إلى تنشيط دور الدولة العراقية في تعميق الهوية الجماعية للشعب، فمثل هذه الخطوة «أحد المفاتيح لبناء الدولة العصرية في العراق، لذلك يمكن للنخبة العراقية أن تفيد من تجربة اليابان الناجحة في ترسيخ هوية يابانية واضحة».
ويضيف أن تجربتي الشعبين قد أثبتت «أن الاتجاه إلى هوية الدولة المتطرفة قد أدى إلى اضطراب المجتمعين وقادهما إلى التسرع والتطرف في اتخاذ القرارات المصيرية، إلا أن اليابان استطاعت أن تتخلص من هذه الإشكالية بعد الحرب العالمية الثانية، ببناء دولة اليابان الحديثة وترسيخ هوية الشعب الياباني الواضحة».
ولكن كيف نجحت اليابان في تجاوز محنة الهزيمة الكبرى؟ ولماذا لم ينزلق اليابانيون مثل العراقيين وبقية العالم العربي والإسلامي في علاقته بأوروبا والولايات المتحدة، إلى دعوات العنف والإرهاب والانتقام؟ هذا ما يمكن الحديث عنه في مقالات لاحقة!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا