النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10815 الأحد 18 نوفمبر 2018 الموافق 10 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

داوهـــــــا تــــــبرى

رابط مختصر
العدد 9817 الأربعاء 24 فبراير 2016 الموافق 15 جمادى الأولى 1437

عندما تلتقي بكبار السن، ممن خبروا الحياة، وقاسوا ويلات الأيام، وتستشيرهم في أمر يهمك، أو يهم من يعز عليك، وتأخذ رأيهم في معالجة قضية أو مشكلة شخصية أو عامة، قطعاً سيأتيك الجواب من وحي تجاربهم ومعايشتهم لكثير من الأحداث والظروف. «قال داوها تبرى، قال قصها تبرى» وهم بذلك لا يعنون بالضرورة العلاج الجراحي الطبي، وإنما يسقطون ذلك على الكثير من الأمور التي تقلقهم وتقض مضاجعهم وتؤلمهم.
ونحن نعيش الكثير من الظروف والملابسات والأحداث، نجد أن السكوت على الإساءة والاستهانة بالأمور الصغيرة، وعدم معالجة الأمر في حينه وأوانه، تتضخم الإساءة، وتتفاقم الأمور، ويكون حلها صعباً أو ربما يكون مستحيلاً. إذن كيف كان الأقدمون يعالجون قضاياهم، كانوا يلجأون إلى كبير العائلة فيشرحون له ما حز في شأنهم، هذا على المستوى الأسري فيجدون الحل من داخل البيت، فيعيشون في وئام ومحبة وألفة ويزول ما حدث بالمشورة والرأي السديد، المبني على تجارب الحياة والإيمان بالله، والقضاء والقدر.
وعندما يكون الأمر في نطاق الحي أو الفريج فإن كبير القوم في هذا الحي أو الفريج هو الملجأ للمتخاصمين وغالباً هو يكون حيادياً، يستمع للطرفين قبل أن يصدر حكماً يتقبله قطعاً أولئك الذين لجأوا إليه. أما إذا تعذر ذلك لكبر الموضوع وتشعب القضية فإن المجالس حيث يجتمع الناس فيها والتي في الغالب تكتم السر، ويؤمنون بان ما يدور في المجالس لا ينبغي أن يخرج إلى العلن، فللمجالس حرمتها عندهم وهم عندما يواجهم مشكلة أكبر من قدرة المجالس على حلها عندئذ يلجأون إلى من بيده السلطة ومن يحكم الناس جميعاً من خلال المجالس المفتوحة التي تؤمها الرعية، وتبث شكواها إلى الحاكم الذي هو أيضا حريص على رعيته، ساهر على مصالحهم وشؤونهم وضامن لمستقبلهم وعيشهم الكريم.
وأنا أتصفح وأتأمل ما يجري حولنا، وما نعانيه من تدخلات ومؤامرات ودسائس على أمتنا. يقفز إلى ذهني مواقف أولئك الرجال الذين أطلقوا بكل شجاعة وبأس وإرادة حرة قولتهم: «قال داوها تبرى، قال قصها تبرى» فقد رفضوا التدخل في شؤونهم، واعتبروا الغريب لا يضمر لهم خيراً وإن تمسح بالطيبة ومعالجة المشاكل، لأنهم كانوا يثقون بأنفسهم وبقدرتهم على مواجهة ظروف الحياة، وهذا ليس بغريب على أولئك الذين خبروا البحر وعرفوا أنواءه وأعاصيره وتقلباته وعلو أمواجه ولكنهم عرفوا كيف يديرون دفة السفينة، هل يستخدمون الشراع؟! وأي شراع هل هو «الغيلمي» أو «السفديرة»؟ أو ما هو أحسن لهم «الميداف» أم «الخطرة» أو هو «السماري»؟ أي أن تترك السفينة على هواها لمشيئة الله واتجاه الريح.
ولكنهم بالضرورة كانوا يتخلصون من الأحمال الزائدة، خصوصا إذا كانت سفينة بضائع، فالأرواح عندهم أغلى من المال، وهم يدركون بفطرتهم إن أنجح وسيلة هي اللجوء لأقرب مرسى أو «فرضة» أو «ساحل».
فما أحوجنا اليوم للاهتداء بهؤلاء الرجال، ومعالجة قضايانا بحكمة وتعقل ومواجهة ما يحيق بنا بتعاوننا وتكاتفنا، وإدراك قوتنا، وفهم ضعفنا، فنحن أولى من غيرنا في حل مشاكلنا، ونحن أدرى بملكاتنا وإمكانياتنا وقدرتنا ومن هنا بإمكاننا مواجهة المخاطر والسير في الطريق السوي الذي يحفظ كرامتنا وعزنا ومنعتنا ويقيم أودنا ويحفظ أبناءنا وأهلنا ويصون بلادنا ويدافع عن حمانا.
نأخذ بالأسباب نعم، ندرس ونتأمل نعم، نستحضر تجارب الآخرين شرقاً وغرباً نعم، فليس عيباً أن نقتدي بمن سبقنا إذا كانت تجاربهم ناجحة وليس مثلبة أن نستعين بعلم من يقدم إلينا النصيحة لوجه الله داخلياً أو محلياً أو إقليمياً، قد يكون ذلك تفاؤلاً مفرطاً ولكن الواقع يفرض علينا أن نكون على وعي وبصيرة فليس في الأرض كلها شوك و«عاقول» وإنما هناك أزهار «النوير» و«الفوطن» و«الشيح» و«الزعتر البري».
وإذا كان الأقدمون قد صنعوا من الأشياء الصغيرة ما يقيم أودهم ويحفظ الحياة لهم فإن الفرق بيننا وبينهم أنهم كانوا يؤمنون بالسعي في الحياة وتلمس الطريق الذي يقودهم لتحمل شظف العيش وإمكانية أن يخلقوا من المستحيل واقعاً معاشاً على الرغم من قلة إمكانياتهم، لكنهم آمنوا بربهم وخالقهم ومقدر أرزاقهم ولكنهم أيضا كانوا ساعين إلى طلب الرزق فحققوا ما كانوا يصبون إليه ويهدفون إلى تحقيقه.
تعاونوا مع بعضهم بعضاً ضربوا في آفاق الأرض، كونوا صداقات وعلاقات قائمة على الصدق في المعاملة، والثقة في البيع والشراء وعرفوا قدراتهم وإمكانياتهم فلم يخجلوا من فقرهم، ولم يبطرهم غناهم، وكانوا في توازن مع أنفسهم وأبناء وطنهم فوفقهم الله وسدد على طريق الخير خطاهم.

وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا