النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10814 السبت 17 نوفمبر 2018 الموافق 9 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27AM
  • المغرب
    4:48AM
  • العشاء
    6:18AM

كتاب الايام

فاســــدون بامتــــــــياز..!!

رابط مختصر
العدد 9816 الثلاثاء 23 فبراير 2016 الموافق 14 جمادى الأولى 1437

أخيراً.. أتيح لنا أن نسمع ونقرأ اعترافات غير معهودة لا تجارى لفاسد استثنائي بامتياز، وأسوأ ما في هذا الموضوع ان الرجل هو من بين من يفترض انهم معنيون بمهمة محاربة الفساد ومشتقاته، وكثيرون من هذه العينة يزخر بهم واقعنا العربي، ممن اقتاتوا على الفساد وتعودوا ان يتلقوا ما يليق بمقامهم من صفقات وعمولات ورُشا، وشطحوا في حسابات لا لبس فيها ولا مجال للتكهن بشأنها، وجعلوا للفساد حضوراً في الفكر والتطبيق، في الهدف والأسلوب، في السياسة والمنطق، في أساس البناء، في المقاول والوسيط والمتعهد في الحكومات والأنظمة والدول والمجالس التشريعية، ومنظمات اهلية، والقائمة طويلة، ومجتمعاتنا باتت مثقوبة بأوسع وأكبر مما من تصور الى الدرجة التي تشعرنا بان الأخلاق والنزاهة في قفص اتهام..!!
يحسب لهذا الفاسد الاستثنائي انه اعترف علناً بانه فاسد، لعل ضميره قد صحا فجأة، او انه وجد ان الفساد قد انفلت وتخطى الحدود والخطوط، واراد من باب الندم ان يقر ويعترف، وان يفتح ملفاً مبتدأه ومضمونه «فساد السياسيين»، وهو ملف سيكون من السذاجة المفرطة ان نظن - رغم ان بعض الظن إثم - الاستهانة به، خاصة في ظل المناخات الرائجة هذه اﻻيام في معظم البلدان العربية التي اصبح الفاسدون فيها يبتكرون الشعارات التي يستخرجون منها معارك مصطنعة ضد الفساد، في الوقت الذي يمارسون فسادهم بشكل فيه نوع العجرفة في التمادي، والأسوأ في هذا المشهد ان كثير من هؤلاء يظهرون لنا في صورة اصحاب الخط المستقيم، والملتزمين على الدوام بالثبات في الوطنية، ويحملون راية محاربة الفساد، فيما هم وحدهم الذين يجعلون خسائرنا تفوق قدرتنا على التحمل، ولا يبالون بل يذكروننا بأننا في حضرة الفساد دوماً في كل أمر وشأن كبير ام صغير، في المبادئ والوقائع، في التفاصيل وتفاصيل التفاصيل، في المشكلات والحلول..!!
مشعان الجبوري، سياسي عراقي وصل الى البرلمان لم يصبح مجرد فاسد فحسب، بل عضواً في لجنة النزاهة البرلمانية، ظهر الى العلن، وقال عبر التليفزيون كلاماً خطيراً في فساد السياسيين، منهم من هاجمه وعد كلامه مزايدة سياسية مكشوفة لا تغني ولا تسمن، وقال عنه احدهم بانه «بلطجي سياسي»، ومنهم من رأى انه كلام ليس من المسؤولية ولو في حدها الأدنى ان يمر مرور الكرام، ومنهم من اعتبر ان ما قاله الرجل يعني ان الإرادة السياسية غائبة او مغيبة او مصادرة او متواطئة وانها حقاً فاسدة حتى النخاع..!!
الرجل وبالفم الملآن اعلن بانه فاسد، وبانه تلقى رشوة بملايين الدولارات من اجل غلق ملف بصفته عضواً في لجنة النزاهة، وذكر انه وجميع اعضاء هذه اللجنة عرض عليهم مسؤولون فاسدون الرشوة لغلق ملفات فساد والعديد منها اغلق فعلاً بهذه الطريقة، واتهم جميع السياسيين بتلقي الرشاوى وارتكاب العديد من عمليات الفساد، واشار الى ان حضرات ومقامات السياسيين، معممين وأصحاب البدلات والعلمانيين فاسدون او متواطئون مع الفساد، ويتسترون على بعضهم البعض، ولفت الى ان جميع السياسيين يتحملون المسؤولية، قائلاً: «جميعنا نتحمل المسؤولية، نساير، نكذب، نسرق، نأخذ رشوة، ومن يقول غير ذلك يكذب..»!! والرجل أقسم بانه يعرف قصصاً لو يعلمها العراقيون لدخلوا المنطقة الخضراء وأحرقوها..!! والكلام واضح وصريح وهو يعني ان هناك من السياسيين قد انغمس في حمأة الفساد، وارتمى في أحضانه الى درجة الانصهار فيه فيما هم يرتعون في الكذب حول الانجازات، وحول العمل من اجل الجماهير الكادحة..!!
علينا أن ننتبه الى ان الرجل أقر بانه من الظلم بمكان اختزال اعترافه، وكأنه صار هو المذنب الذي أقر بكل جرأة وشجاعة بوجود كم هائل من الفساد، مضيفاً بان تقبل الرشاوى وارتكاب عمليات الفساد التي تضر بمصالح الوطن والمواطنين لم تعد لدى السياسيين عيباً او عبئاً او جرماً، بل ان المال العام اصبح مباحاً من الطبقة السياسية، ولم يعد خافياً ان سياسيين كثر من اجل الإبقاء على مصالحهم على حساب اوطانهم وشعوبهم، لم يترددوا في استثمار الطائفية، جعلوها ممراً حراً للفساد العلني المنظم، او الابن الضال للطائفية، وجعلوا التمسك بالطائفية أداة لادارة الفساد والمحافظة على الامتيازات، جعلوا ظهورهم محمية ببنية فساد متراصة وصدورهم محمية بثقافة تنتج المزيد من مظاهر الفساد وتضفي عليه شرعية الضرورة والاستمرار والنمو، على حساب الدولة كمؤسسات وحكم وقانون وإرادة التطور والتقدم..!!
لسنا في وارد استعادة الوقائع والتفاصيل التي أفاض فيها الجبوري، ما قاله نموذج يكشف عن مظاهر فساد جسيمة وفظيعة بكل المقاييس، وعلينا بالاضافة الى ذلك أن نلاحظ بانه جاء ما يضفي على المشهد بعداً اضافياً، وهو تقرير المدقق الدولي لصندوق تنمية العراق المنشور مؤخراً، التقرير يكشف عن مخالفات مالية وتعاقدية كبيرة في وزارة الصحة العراقية تتعلق بمشاريع فاشلة وعقود وهمية وأدوات ومواد انتهت صلاحيتها وغير صالحة للاستهلاك بمليارات الدولارات خلال فترة تولي نوري المالكي رئاسة الوزراء واذا كنا نعلم بانه في ملف الفساد يمكن ان يقال الكثير، وأن الشواهد كثيرة على انه بجميع وجوهه السياسية والادارية والمالية، ليس محصوراً في بلد او منطقة، وانه موجود في كل بلدان العالم، والفرق بين بلد وآخر اكثر من أمر، ان هناك لا تبييض لصفحات الفاسدين، ولا يلبسونهم ثياب الحكمة، ولا يجعلونهم محصنين او فوق المساءلة والحساب، ولا يعرضون هدف محاربة الفساد لتهمة اللا جدوى، ولا ينهمكون بالشعارات وبالترداد الممل لكلام عن الشفافية والنزاهة، هناك يفتحون الملفات ويعلنونها على الملأ، لا يجعلون هذه الملفات لا حلول لها، لا حاسمة ولا نهائية، ولا يتحدثون عن فساد من دون فاسدين، ولا ينظرون الى التجاوزات ومظاهر الفساد من منظور انها ملاحظات، ولا تسود مقايضة التنازلات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ولا يصدرون تقارير رقابية وجودها بالنهاية كعدمها، ولا يجعلون المسؤول الذي يرتكب الفساد يزداد ثباتاً في منصبه، او يجعلونه يحصل على الفرصة الافضل والمكانة الأعلى، كلما فسدوا كلما ارتقوا..!
هناك، في تلك البلدان التي نعرفها وتعرفونها، ثقافة مقاومة الفساد فيها ثقافة مدنية سياسية جامعة في ضوئها لا يسمحون بان تصاب نواحي الحياة بعلة المتاجرة، المتاجرة بالشعارات، بالاحزاب، بالثقافة، بالدين، بالمناصب والمراكز، ولا يجعلون كل صاحب مركز كبير على انه رجل عظيم، ولا يكرسون ثقافة النفاق والتملق، ولا يبنون مؤسسات للوشاية ونفي المعايير، ولا يعلون التفضيلات التي لا تعجب سوى من يختارها، او يقصرون التعيينات لسعداء الحظ من المحاسيب والأتباع وأهل الوفاء اكثر مما هي لأصحاب الكفاءة والتخصص والنزاهة، هناك لا يجبر الناس على التحول الى «كورس» يكررون العبارات التي يراد منها ان يكون الناس فريسة للتأويلات التي تبرر التمادي في الاخطاء، ولا يقعون هناك في محظور اختزال الوطن في أشخاص مهما ارتفع مقامهم، ولا يجعلون ما ينطق به اصحاب المقامات درراً من الحكمة والإلهام، كما لا يسمحون بان يأتي النواب عن طريق رشوة الناخبين بالأموال والوعود او تحريك الغرائز الفئوية او الطائفية او المذهبية او العنصرية، ولا يخلقون وظائف او هياكل إدارية على مقاس البعض، ولا يولون مقادير أمور الناس لمن لا يملكون مهارات القيادة والجدارة ويسئون الى الدولة ويهددون هيبتها، وأخيراً هناك المنطق السائد هو منطق الحق والعدل والقانون، وعلى ذكر القانون، هناك لا يرفعون شعار دولة القانون، لأن طرح او تداول هذا الشعار يعني التشكيك في وجود القانون، وهذا باختصار يعني اهتزاز في معنى المواطنة.. وهذا أمر لا يستهان به ومرفوض في تلك الدول التي تعرفونها..!!
الثورة ضد الفساد مطلوبة وملحة ومشروعة، ولن تقوى ويشتد عودها ويكتمل سلطانها وتفرض هيبتها اذا افتقدت الارادة السياسية، وتم تجاهل اصل الفساد ومنابعه، واذا غاب العمل المنهجي الذي يفتح الأبواب الأمامية والخلفية للفساد، وبالقانون أحياناً، وتوغل الفساد في جميع المصالح والمعاملات ممثلاً في الروتين والتأجيل والتعطيل والسمسرة والعمولات من فوق وتحت الطاولة والإنجازات الورقية، واذا أفسح المجال لمن يتعامل مع الناس وكأنهم لم يبلغوا سن الرشد، سذجاً الى حد لا يصدق، يؤخذون الى حيث يشاء لهم الفاسدون، واذا سمح لأناس ان يكونوا فوق القانون، وفوق المساءلة والمحاسبة، واذا لمعت الإخفاقات وحولت قسراً الى انجازات. واذا سمح للحسابات السياسية ان تغض الطرف عن تصرفات الفاسدين، وإذا غدا الانسان أداة مطواعة خانعة في يد من لا يريدون لهم ان ينجحوا في توليد طاقة فهم، تتحول الى طاقة وعي يتولد منها فعل يضع حداً لتمدد مساحة الفساد والفاسدين والمفسدين في كل مجال وميدان.. !
وجه الخطورة في ملف الفساد في منطقتنا العربية على وجه الإجمال، انه يكاد يضعنا - ام هو وضعنا وانتهينا - في حلقة مفرغة من المنزلقات التي تجعلنا مغلوبين على أمرنا، نتمنى حقاً ان نحارب الفساد بالدرجة ذاتها من الاصرار والحزم في محاربة الإرهاب، اذ ليس من قبيل المبالغة انه احد اهم العوامل التي توفر بيئة للارهاب، لكونه يضرب اي مشاريع للاصلاح والنهوض بالمجتمعات، ويزيد من مساحة الفقر والعوز، لا تنسوا بأن الفاسدين لا يؤتمنون على ما لهم، فكيف يؤتمنون على ما للشعوب..!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا